المقالات
السياسة
فى السنوية الأولى لشهداء سبتمبر
فى السنوية الأولى لشهداء سبتمبر
09-28-2014 04:03 PM


تمر علينا الذكرى الأولى لإحتجاجات سبتمبر التى راح ضحيتها حوالى مائتين شاب وشابة وخلفت مئات من الجرحى والمعاقين والمعتقلين بحسب تقديرات منظمات مجتمع مدنى تتمتع بقدر معقول من المصداقية. سقط هذا العدد الكبير بعد أن قامت قوات من الشرطة والأمن بإستخدام الرصاص الحى ضد المتظاهرين العزل فى مشاهد تم توثيق العديد منها. وكانت الإحتجاجات السلمية قد إجتاحت عددا من المدن السودانية فى نهايات سبتمبر من العام الماضى بعد الإعلان الغير مسئول لحكومة الإنقاذ عن زيادة كبيرة فى أسعار المحروقات وهو إجراء تمخضت عنه زيادات مماثلة فى أسعار عدد من السلع الأساسية فى ظل غلاء فاحش أصلا وظروف إقتصادية فى غاية الصعوبة والعسر. على الرغم من صعوبة الكتابة حول الحدث وما يكتنف النفس من غم وإكتئاب لمجرد تذكر الحدث المؤلم ، إلا أن الكتابة والتوثيق تعد فى تقديرى واجبا على كل مثقف وناشط. أحاول فى هذا المقال تتبع وفهم أسباب هذه الجريمة البشعة فى حق الأبرياء، حيث يمكن القول ان السبب المباشر للقتل الجماعى الذى مارسته الإنقاذ قد جاء بسبب الخوف من إتساع الإحتجاجات كما انه يأتى بسبب إستراتيجية إنقلاب الإنقاذ فى الإنفراد بحكم البلاد منذ مجيئه منذ ربع قرن، وهى إسترتيجية تقوم على الإرهاب والقمع والتخويف والإستعداد للذهاب إلى أبعد مدى فى إستخدام العنف والقتل والترويع حتى يصير الخوف من النشاط المعارض مخزونا سيكولوجيا داخل كل مواطن. وقد إعتادت الإنقاذ على هذه الممارسة فى شىء من السرية حتى يصعب الحالات سواء أكان ذلك فى بيوت الاشباح او فى القتل الجماعى الذى ظلت تحترفه فى دارفور وجنوبى النيل االازرق وكردفان. هذا يعنى أن الإنقاذ قد إنتقلت إلى تاكتيكات جديدة فى خدمة إستراتيجية القمع التى تتبناها ولا يمكن الإحاطة بها بشكل إعمق دون إستعراض تاريخ العنف فى عالمنا لانه يأتى ضمن ذلك السياق.
فى كتابه (أفضل ما فى طبيعتنا كبشر) The Better Angels of Our Nature أوضح ستيفن بنكر أستاذ علم النفس بجامعة هارفارد العريقة أن العنف فى تناقص مستمر مقارنة بالمجتمعات البدائية، وذلك قبل أن تظهر الحكومات قبل حوالى ست آلاف سنة بعد أن عرف الإنسان الزراعة والإستقرار. إستند بنكرفى ذلك على المعلومات التى وفرتها الحفريات الجنائية Archaeology Criminal والى دراسة المجتمعات البدائية التى ظلت موجودة الى يومنا هذا. وقد اوضحت دراسة الهياكل العظمية لعدد كبير من الناس الذين عاشوا فى المجتمعات البدائية قبل ستة آلاف سنة أن القتل كان يشكل فى المتوسط حوالى 15 بالمائة من جملة أسباب الوفيات بينما لا تتجاوز حالات القتل نصف فى المائة من جملة الوفيات فى المجتمعات المعاصرة برغم تطور قدرات الأنسان على القتل والفتك والتدمير، أى اقل من واحد بالمائة. كذلك وإٌستنادا الى وثائق عديدة فإن متوسط نسبة الوفيات فى المجتمعات القبلية والبدائية المعاصرة هى حوالى 524 حالة قتل من جملة مأئتى الف. ويمكن تقدير ذلك العدد بمقارنتة بنسبة القتل فى المجتمعات الحديثة إذا عرفنا ان جملة الوفيات بسبب القتل فى المانيا خلال القرن العشرين على سبيل المثال و برغم الحربين العالميتين، كان 122 حالة وفاة فى كل مأئتى الف . كان السبب الرئيسى لإرتفاع حالات العنف المميت فى المجتمعات البدائية قبل ظهور الحكومات هو الشك فى نوايا الآخرين ومن ثم القيام بأعمال العنف والقتل كفعل إستباقى pre-emptive على طريقة " من الافضل ان اتغذى بجارى قبل ان اكون وليمته فى العشاء". ولكن ظهور الحكومات والدول لتسيير شئون المجتمعات الإنسانية ساعد على تقليل جرائم القتل بشكل خرافى لان الدولة وفرت الحماية للمواطنين بمعاقبة وردع المعتدى. كان اول من تطرق إلى ذلك هو الفيلسوف توماس هوبز فى كتابه العظيم الذى صدر عام 1651 بإسم الطاغوت او ليفاياسون Leviathan . وقد أثبت التاريخ صدق إستنتاجات هوبز الانجليزى فى أن الانسان البدائى كان شقيا وقلقا وقصير العمر، و ذلك فى مقابل غفلة صاحب العقد الإجتماعى الفيلسوف الفرنسى جان جاك روسو الذى إفترض النبل والسعادة فى الإنسان البدائى. على أن هوبز كان يتبنى تصورا مثاليا للحكومات جعلها محايدة تماما فىتوجيه وإدارة قوة الدولة من أجل المحافظة على السلام والأمن العام للمجتمع، بحكم أنه كان قد أغفل حقيقة دور الديمقراطية فى توجيه الحكومات وضبطها من أجل تحقيق العدل وبسط الأمن وهى قدرات تتنامى كلما ترسخت الديمقراطية والشفافية فى مؤسسات المجتمع المدنى.
ولأن للبشرية طبيعة مشتركة بغض النظر عن العرق او الدين والثقافة، فإن اسباب العنف المميت يمكن حصرها فى رغبة الانسان فى الانتقام ، أو فى إستغلال وتسخير الآخرين لخدمة مصالحه وإزاحة وتصفية من يتهددها، إضافة إلى جرائم الإغتصاب والتلذذ بإستغلال إجساد النساء وقهرهن. وعلى الرغم من أن ضحايا العنف قد تناقص من حوالى 15 بالمائة فى المجتمعات البدائية الى اقل من واحد بالمائة فى حقب الحداثة وما قبلها بعد ان عرف الأنسان العيش فى كنف الدولة، إلا أن هذا العدد من ضحايا العنف ما يزال مقلقا وكبيرا. من المهم القول أن الغالبية العظمى من ضحايا العنف الذى يتفجر فى عالمنا المعاصر هو الذى يحدث لأسباب إخلاقية. والاخلاق هنا تعنى إعتقاد الإنسان او مجموعة من الناس إمكانية تحقيق حلم ما، او يوتوبيا ما تستطيع تحقيق السعادة وبسط العدل بين الناس. بمعنى آخر فإن العنف والقتل الجماعى يحدث بسبب الإدعاءات الأخلاقية. وقد تأحذ تلك اليوتوبيا شكل القومية او الماركسية او النازية او الإسلاموية الخ من مشاريع شمولية يعتقد أصحابها فى وجوب ازاحة كل من يعترض طريق تأسيس ذلك (المجتمع الفاضل) حتى اذا تطلب الامر تصفيته جسديا. وتأتى الأنقاذ كنموذجا لهذا النوع من الحكومات التى تستخدم قوة الدولة فى تحويلها الى طاغوت (ليفاياسون) يمارس القتل والتضحية بالإنسان من أجل تطبيق مشروعها المزعوم فى تحقيق المدينة الفاضلة، أى التصحية بالأنسان من أجل الإنسان ! .
المزعج فى قراءة التاريخ البشر يتمثل فى سيادة فكرة تمجيد الأمة أو القبيلة أو الدين أو الثروة والقوة او الطبقة، وأن التاريخ يعد تطورا طبيعيا لسيادة تلك الفكرة والممارسات المروعة التى ارتبطت بها. فى المقابل فإن الإستهانة بحقوق الإنسان الأساسية والتى تشكل قلب ثقافة حقوق الإنسان مثل حق المرأة والطفل ، تعد فكرة غريبة وخارجة exotic على هذا المجرى والسياق العام للتاريخ البشرى ومنقطعة تماما عن حركة تطوره. فعلى الرغم من أن حق الإنسان فى الحياة معترف به فى الإسلام على سبيل المثال إلا أننا نجده فى فهمنا المتوارث يرتبط إرتباطا لافكاك منه بقضية نشر العقيدة ، على إعتبار ان الأولوية تأتى لنشر العقيدة وتشترط عدم تعارضها مع تلك الأولوية، مما أسهم فى ترسيخ ثقافة تقوم على فصل الخلاص والمصير فى الدار الآخرة عن قضايا أخلاقية تستطيع أن تتصالح مع الوجدان السليم للبشرية قاطبة والعقل الحر المستنير الذى كرمه الله. بمعنى آخر فآن ما ساهم فى إضعاف ثقافة حقوق الإنسان وتعطيلها هو إنتشار مفاهيم دينية تتقبل فكرة تعليق قيم أخلاقية مثل حقوق الإنسان الأساسية suspension of the ethical . هذا على المستوى المحلى ، أما على المستوى الكونى فإن حركة حقوق الإنسان تواجه مأزقا مماثلا، فصعوبة صياغة ديباجة الاعلان العالمى لحقوق الانسان بعد الحرب العالمية الثانية قبل إعتمادها تعتبر دليلا دامغا على ذلك الضعف ، حيث قاومتها كل من بريطانيا التى كان لها مصالح ومستعمرات فى ذلك الوقت والولايات المتحدة بسبب إضهاد الأقليات العرقية خاصة السود قبيل تطور حركة الحقوق المدنية، إضافة إلى الاتحاد السوفيتى بسبب العقيد الشيوعية التى تتنافى فى جوهرها مع فكرة حقوق الأنسان.
فى تقديرى ايضا ان ما شجع الانقاذ على إرتكاب تلك الجريمة الجماعية فى سبتمبر من العام الماضى على مرأى ومسمع من الجميع هو ما حدث فى مصر من تقتيل جماعى لمواطنين عزل عقب انقلاب الجنرال السيسى على الحكومة المنتخبة، فقد ذهب تأييد أحزاب المعارضة السودانية لذلك الانقلاب بشرعيتها الأخلاقية ومصداقيتها فى إدعاءات النضال من اجل إسترداد الديمقراطية والحقوق المضيعة. ومن المحزن تورط تحالف قوى الإجماع فى بتأييد الانقلاب إستنادا الى مفهوم توجيه ضربة إستباقية لحركة الإسلام السياسى. كذلك فإن تغاضى المجتمع الدولى عن جرائم سفاح مصر كانت قد أضعفت وكثيرا من السلطة الأخلاقية للمحكمة الجنائية، وهو تغاضى ما تم إلا بسبب محاولات الغرب إرضاء ملوك السعودية وشيوخ الخليج. فى تقديرى كل تلك العوامل مجتمعة هى ما شجع الإنقاذ على الولوغ فى دماء الأبرياء، والعزة بالإثم، والإنتقال إلى ممارسة القتل فى وضح النهار دون وازع او رادع.
اللهم ارحم شهدائنا وشهيداتنا وتقبلهم تقبلا حسنا
اللهم أنزل السكينة على قلوب ذويهم ومحبيهم
وإنا لله وإنا اليه راجعون.

طلعت الطيب
ناشط فى حقوق الإنسان
وعضو مجلس قيادى فى (حق)

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 446

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1117721 [مجودي]
0.00/5 (0 صوت)

09-29-2014 05:07 PM
يبدو لي بعض الأحيان ان لغة الأرقام مضللة اكثر من كونها تعكس واقعا انسانيا .

فمقارنة عدد القتلى في المجتمعات البدائية مقارنة مع العصر الحديث لا تعكس هذا المعنى

فاذا كنا نتكلم عن مجتمعات بدائية لا يتوفر فيها الا مثلا 200 او 300 شخصا يتقابلون مع

نفس النسبة فيموت من الطرفين 90 شخص هنا يكون من مات 15% من العددية الكلية للجانبين

اما اذا ما مات اكثر من 60 مليون فرد في الحرب العالمية الثانية من حوالي 900 مليون فان

النسبة تكون حوالي 7% ... فهل يمكننا في هذه الحالة اعتبار ان القتل قد انخفض لأن

النسبة انخفضت الى المجموع الكلي؟ .... كم من الدمار الأرضي يمكن ان يحدث حتى يموت 60

مليون فرد مقارنة بالدمار المادي الذي كان يحدثه موت 90 شخص ؟ بالاضافة الى افرازات ما

بعد الحرب بالنسبة للوضعين فهي غير قابلة للمقارنة ...

مات في الحرب العالمية الثانية 25% من البيلاروس ، 12% من الروس ، 16% من سكان ارمينيا .

الانتقائية في اختيار الأرقام ( اختيار الألمان فقط) ايضا هي مشكلة احصائية كبيرة .

في الحرب الأخيرة في الجنوب كادت احدى القبائل ان تنقرض تماما من الوجود .

اما المنهج الذي يرى في ان اهم اسباب القتل هو الانتقام ... فعلا هو المنهج التبسيطي

الذي يرى حين يقتتل شخصان فيموت احدهما بأن نسبة القتل كانت 50% ... اما اذا مات

مليار شخص من 6 مليار فنسبة القتل هي 16% اي انخفضت الى الثلث ...!!

اما القول بأن الانقاذ ايضا قامت بقتل المدنيين في سبتمبر لأنها تشجعت بقتل السيسي

للإخوان في رابعة العدوية دون ام يكون هناك احتجاج ضد فعلته فهذا منطق غريب ... يعني

نفترض ان لم يقم السيسي بفلته ( وهي تقريبا اقل بشهر من احداث سبتمبر في السودان)

.. لو لم يقم لما تشجع الكيزان في السودان لقتل المتظاهرين ... وكأن كيزان السودان

لم يقتلوا مئات الألوف ان لم يكن المليون قبل ذلك في الجنوب وفي دارفور وفي العيلفون

وغيرها ... فقط يريد الكاتب ان يدين تأييد التجمع لضرب الاخوان المصريين ( وهو محق

لدرجة كبيرة في ذلك ) ، لكن ان تصبح هذه الادانة هي سبب تحليلي لوقائع الموت في سبتمبر

تكون يا اخونا طلعت ظلمت الشهداء اللي اترحمت عليهم في الأخير ....

[مجودي]

طلعت الطيب
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة