المقالات
السياسة
سبتمبرالأخضر ... نفح الذكرى ومرارة التاريخ (5)
سبتمبرالأخضر ... نفح الذكرى ومرارة التاريخ (5)
10-01-2014 07:34 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

كان هنالك شعور عام قوي يضج في كياني بأحاسيس متناقضة ، يتنازعني بشدة تارة نحو اليمين وأخرى نحو اليسار ، وأنا أشارك على الأرض المتظاهرين في هبة سبتمبر الأخضر .
شعور الثائر الغاضب اليائس من سوء حال البلاد والذي كانت لاتعنيه حياته لحظتها ، حاله في ذلك كحال الكثيرين من حوله وهو يخرج الى الشارع ، أملا في سبيل التغيير والغد الأفضل لوطن عشقناه حتى الثمالة .
و شعور الكاتب المتقمص قلما و مثاقفة ، روح الأديب الهائم الذي كان يهمه في تلك اللحظة فقط تسجيل هذا الحدث الجلل ، وتدوين كل الملاحظات اليومية التي كانت تصاحبه ، والتعبير عن أبطاله الذين شكلوا هذه الملحمة البطولية و تلك الأنشودة المؤلمة المحزنة المسماة بهبة سبتمبر .
كانت دوافعي للكتابة عنها عديدة خصوصا بعد أنتهاء الحدث وفشله المرير في أحداث التغيير السياسي المنشود في البلاد ، الذي كنا قد خرجنا من أجله ، وسقوط أكثر من مئتي شهيد و روح بقناصة مليشيات النظام الغادرة .
وقد ترددت كثيرا عدة مرات في أتخاذ هذا القرار الصعب وأختيار توقيته ، وأهمية ذلك للمتلقي العام السوداني كل حسب توجهه ورؤيته للحدث الذي أثار ضجة أعلامية كبيرة وعلق عليه الكثيرون ، وحاز على تعاطف وأحترام أغلبية هذا الشعب المقهور .
كنت أشعر بكم هائل من الحزن والمرارة و الأحباط والألم ، لما مر بي أنا شخصيا من فقد قاسي و مؤلم لشهداء أصدقاء خرجوا معنا للشارع ثم رحلوا عن هذه الفانية ولم نستطيع حتى يوم هذا أن نحاكم و نقاضي القتلة و نقتص لهم من عدالة أهل الأرض .
وكيف لنا أن نحوز على ذلك وهم الخصوم و هم الحكام وهم الولاة على أمرنا وهم القضاة !
حقيقة لا أظن أنني أستطيع سواء بالأمس أو اليوم أو حتى الغد أن أحصر أو أن أعدد للقارئ الكريم الكم الهائل و الموفور العظيم الزاخر بالقيم والمبادئ و الدروس التي منحها لي في حياتي أخواني وأخواتي الشهداء والمعتقلين في زنازين النظام من نجوم هبة سبتمبر العظيمة .
وقد حاولت جاهدا وأنا أوثق وأكتب عن هذا الشرف الباذخ لهؤلاء الشهداء و المعتقلين خلال سلسلة هذه المقالات أن أسير بكتابتي هذه بشكل علمي ونهج توثيقي مرتب ، أبتعد فيه بقدر الممكن في تحكيم مشاعري وأحاسيسي الخاصة تجاهه ، حتى لا يأتي الحكم عليها مختلا وأتحصل في النهاية على المراجعة النقدية الصادقة .
وعليه و تحت تأثير حزني وعاطفتي لفقدهم كلما ترائت لي صورهم و تذكرت عظم تضحياتهم ، فقد نبهت القارئ الكريم ومنذ البداية أنني سوف أسير في كتابتي لهذه المقالات بنهج أدبي عاطفي أسرد فيه قصتي الشخصية معهم دون أن يشمل الأمر كل الأبعاد الكبيرة للحدث مستندا كما نبهت في الجزء الأول على سندانين .
السندان ( الأول ) : هو أشتراكي على الأرض في الهبة ضمن حدود مناطق سكني و عملي ، وبجوار هؤلاء الأبطال سواء من أستشهد منهم أو من أعتقل بعد ذلك من قبل أجهزة الأمن ، منذ شرارة أنطلاقتها الأولى وحتى أفل نجمها وعاد الناس بعدها يمارسون حياتهم الطبيعية .
والسندان( الثاني ) : هو حرصي ( لأمر ما لم أكن أعلم كنهه ساعتها ) خلال أيام الهبة على كتابة بعض الخواطر و التعليقات في مفكرتي الشخصية بعد أنتهاء كل يوم فيها ، وأحيانا بعد كل مظاهرة أشترك فيها .
لم أكن أنوي أو أخطط وقتها أبدا لأكتب عنهم ، و لعلي فضلت أن تكون هذه الخواطر شخصية خاصة بي ، بعد أن ظننت أنها قد لا تكون ذات قيمة سياسية أو ثقافية أو أدبية أو تربوية للناس حتى أنشرها للملأ .
غير أنني قررت بعدها أن أترك في الأخير للأقدار حكمها المستقبلي . فلعلي أعيش يوما ما تأتي فيه ظروف أخرى أحدث فيها الناس عن رجولة وعظمة هؤلاء النجوم المرصعة بتاج الحب والعشق والتضحية لهذا الوطن ( الحبيب اللعين ) كما كان يصفه الطيب صالح .
عموما يبقى أعلى مافي قائمة تلك الدوافع ، و مايمكن لي أن أذكره والتأكيد عليه مرارا و تكرارا أنني وبعد فترة من الزمان وخلال أحاديث المجالس وجدت أن هنالك ظلما بينا مضاعفا ، و فهما مغلوطا مترسخا وقع على هؤلاء الشباب الثائرين الخلص بفعل الأعلام الممجوج لهذا النظام والذي عبث بعقول و فهم الكثيرين من أبناء هذا الشعب الطيب .
هذ الظلم أثر كثيرا في نظرة وتقييم الناس للهبة و للعبرة و الفائدة التي كانت مرجوة منها بحسبان أنها تظل مغامرة وتضحية شجاعة غير محسوبة العواقب ، و يمكن لي أن أقسم وأحمل هذا الظلم المؤلم ليكون بين جهتين .
الأولى : في بعض المتنفذين في الدولة والنظام ( ولن أدعي أبدا كل مؤيدي الحزب الحاكم ) من الذين أداروا الأزمة ووصلوا بها لنهاياتها المأساوية ، وكان لهؤلاء في ذلك النصيب الأكبر من الجريمة الكاملة .
و الثانية : و لهؤلاء أيضا نصيب ولكننا نحسبه أصغر من الكعكة ، يضم فيه قطاعات كبيرة من المجتمع خصوصا ممن كان دورهم سلبيا للغاية أكتفوا فيه أما بالفرجة أو التنظير أوالنقد السطحي للحدث أوتقديم النصائح من منازلهم لمن كان يواجه الرصاص الحي من الثوار أعزل اليدين .
أضيف أليهم بعض أؤلئك الذين شاهدوا الحدث من على البعد عبر وسائل الأعلام المختلفة وقرروا أن يكون حكمهم النقدي للهبة بناء على الصورة المعروضة لهم من وجهة النظر الحكومية ، فوقعوا بذلك في شراك دعاوى دعايات أعلام النظام الكاذب .
أعتقد أنه كان يجب لقلمي ، أو لقلم غيري من الكتاب ممن عاصروا الحدث خصوصا على أرض المواجهة أن تكون لهم تلك الوقفة و المراجعة النقدية والكلمة والصوت في تفسير و تعليل أسباب الخروج وكل الظواهر و الأحداث والتبعات التي أحاطت بهذا الحدث الكبير الذي هز كل مشاعر الشعب السوداني .
حدث كان له حيز واسع في وسائل الأعلام الخارجية خصوصا أنه جاء بعد تكاثر الأستغراب و الحيرة التي لفت رؤوس المراقبين والمحللين العرب والعجم عن غياب و خروج جماهير الشعب السوداني عن موجة الربيع العربي الكاسحة ، رغم أن كل الأسباب والدوافع المهيئة للخروج والأنفجار كانت متوفرة في الحالة الوطنية أكثر من أي حالة عربية أخرى .
كنت أيضا أخشى ما أخشى أن تمر ذكراهم الأولى على الناس مرور الكرام ، دون التوقف مليا أمام حجم التضحية التي قدمها هؤلاء الشباب سواء من أستشهدوا أو من عذبوا وأعتقلوا وسلبت حريتهم دون أن يكون لهذا الأمر أكبر الأثر المعنوي لضرورة أكمال مسيرة التغيير التي يجب أن تاتي لهذه البلاد عاجلا ام آجلا لأنهاء حكم الحزب الواحد .
فهؤلاء الأبطال لا يستحقون أبدا التهميش أو النسيان أو أعتبار الحدث كغيره من أي أحداث مأساوية أخرى مرت على البلاد كارثيا في حكم الأنقاذ .... سبتمبر حدث سوف يظل فريدا من نوعه ضمن حقبة مآسي و جرائم الأنقاذ .
أحمد الله أن هذه الأيام ، وقبلها الشهور الماضيات قد كذبتني نوعا ما ، و أكدت لي عظمة هذا الشعب الجميل ، بعد أن وجدت ان كثير من النشطاء ومن كل المهن و الفئات العمرية قد قاربوا أن يضعوا للحدث مكانة و رمزية توازي أن لم تفوق ذكرى ومكانة و رمزية ثورة أكتوبر الأخضر .
وأعتقد أن السبب وراء ذلك ليس سياسيا محضا ، وأنما لروحنا العاطفية التي تميزت بها الشخصية السودانية النقية والتي أمتلئت حزنا وألما مريرا على فقد هؤلاء الرفاق الوطنيين ، الذين كان يمكن أن تستفيد منهم الدولة في تعمير و نهضة وعكس الوجه الحضاري لبلدنا بدلا أن ترسلهم الى المدافن و المقابر رميا بالرصاص عبر قناصة أجهزتها و قواتها الأمنية القمعية للحفاظ على سلطة زائلة عاجلا أم آجلا ان شاء المولى الكريم .
كنت لا أخفي أبدا أحباطي الكبير في أي مجلس تثار فيه تداعيات هبة سبتمبر خصوصا عندما يأتي الناس على ذكر التبعات و النتائج الوخيمة التي ذهبت في تقدير الكثيرين أدراج الرياح ، وقد شاركني في ذلك الشعور الكثير من النشطاء السياسيين الذين شاركوا فيها وتألموا جدا من سوء خاتمتها وحديث بعض الناس عنها بشكل سلبي وربطها الغريب بأنتاج موجة الربيع العربي لخراب و دمار في بلادها كان أفضل منه العيش في كنف الأستبداد !
لكن العبر و المواعظ التي كنت أتلقفها أحيانا من القراءة المتواصلة في التاريخ كانت تؤنس علي وحشتي و حزني وغيظي ، و تأخذني أحيانا كثيرة لتخيل تراجيديا ملحمة وطنية مستمرة أو يجب عليها أن تستمر ، عنوانها العريض هو ( الصبر على البحث عن هذه الثورة المفقودة ) طوال ربع قرن من الزمان على الرغم من قنوط كل من حولك .
و بعبارة أخرى اكثر دقة يمكنني القول أنه البحث المضني والمكلف عن الخلاص من هذا النظام الفاسد الذي جثم على صدور العباد المستضعفين في بلدي ، لا رضاء أو أسترضاء عبر الأنتخابات الحرة النزيهة ، ولكن عنوة و جبروتا وظلما في الأرض عن طريق قوة تملكه و سيطرته على كل أجهزة الدولة التنفيذية و القضائية والتشريعية و الأعلامية و الأمنية بعد أن أذاق شعبه كل صنوف الويلات والبلايا و الخيبات وأورثه روح الأنكسار و الخزي والعار أمام كل شعوب الأرض .
***************
توقفنا في آخر الجزء الرابع عند لحظة وصول صديقي ( أ . س ) لمنطقة الرومي عند حوالي الرابعة عصرا بسيارته ، وعودتي معه لمنزلنا بحي الواحة شارع الوادي .
كنت أثناء الطريق ورغم أنهاكي الشديد أحكي وأقص عليه كل ماجرى من أحداث في شارع الشنقيطي منذ التاسعة صباحا وحتى لحظة لقاءي به ، فيتفاعل و يصمت منصتا لحظات ، ثم يتفائل ويتشائم من بعض الجزئيات في لحظات أخرى .
حقيقة لم نكن متشائمان كما أننا لم نكن أيضا متفائلان من مسألة و أمكانية توسع دائرة الأحتجاج لتشمل كل أرجاء العاصمة المثلثة ، هذا امر كان في علم الغيب !
لعلنا كنا في ذلك لم نشذ من حالة تحليلنا السابق حينما أجتمعنا سوية بالقاهرة لتجربة تظاهرات السنة الماضية المحدودة الفاشلة ، أو حتى بداية شرارة موجة الأحتجاج التي بدأها ثوار تونس والقاهرة و صنعاء في موجة ماعرف بالربيع العربي .
فالأولى لم يكن أصحابها يعتقدون أن الشعب السوداني سوف يكتفي بالتفرج عليهم ثم يهزأ من قلة أعدادهم ويصفهم في الأخير بالمجانين لمجرد خروجهم للشارع لمواجهة بطش الأنقاذ !
والثانية لم يكن أصحابها وهم يخرجون للشارع لمواجهة بطش الطغاة ، يظنون خيرا كثيرا بشعوبهم لينقلبوا على تاريخ عريض مداده عقودا طويلة من الديكتاتورية فيدعموهم ويقفوا في صفهم ويطيحوا معهم بمبارك و صالح و زين العابدين من سدة الحكم .
أكد لي الصديق ( أ . س ) بأيمان قاطع حسب توقعاته للمستقبل القريب أن شهيد جامعة التقانة لن يكون هو الأخير من سلسلة الضحايا في هذه الهبة .
هذا النظام يا عبدالله شرس و يحرص كل الحرص على الحفاظ على سلطته ولو على مبدأ حفظه لأرواح رعيته التي سوف يسألهم منها الله يوم الحشر الأعظم ، وقد لن يعنيه أبدا سقوط المزيد من الضحايا لو توسعت دائرة هذه الأحتجاجات وهددت وجوده في عرش السلطة الزائل بأذن الله .
تمنيت وأنا أرد عليه كلامه و لا أود أبدا مشاركته في توقعاته المتشائمة أن لا تسقط روح أخرى . كنت لحظتها من شدة الأجهاد الذهني و الجسدي عاجز تماما من مواصلة مجاراته في الحديث وهو يستفيض في تحليله للحدث وعن توقعاته السلبية لمواقف القوى السياسية منه ، وتعاطيها معه .
بدأ يسهب في الحديث السياسي ويمتد ويشطح فيه شرقا و غربا ، و كنت وقتها سارحا بتفكيري في مناطق اخرى بعيدة تماما من مراكز اهتماماته السياسية للحدث .
كنت لا ألقي لذلك الأمر أي أهتمام ساعتها لأن البعد الأنساني للحدث كان هو كل ما يشغل بالي و همي وخوفي من أن نتحمل أمام الله دماء شباب أخرجناهم ليقابلوا نظام لا يتورع عن القتل لو هددت سلطته التافهة !
و ربما حمل الأمر أيضا جانبا من مسألة أرهاقي وتعبي الشديد ورغبتي الملحة لأخذ قيلولة صغيرة .
هذه الهبة بالفعل كان ملوكها ورجالها الحقيقيين هم هؤلاء الأطفال اليافعين من طلاب الثانوي و الأساس أصحاب شرارتها الأولى ، وأصحاب الفضل علينا جميعا في ترسيخ كل قيم الثبات و الصمود و التضحية في سبيل التغيير و التحول بالبلاد من دولة الفرد والحزب الواحد ، دولة العسكر وثقافة الحرب و أراقة الدماء ، الى رحاب دولة السلم والسلام والتسامح والأخاء ، دولة الجميع بلا أستثناء عرقي أو ديني أو ثقافي أو سياسي .
لم يثبت هؤلاء الطلاب الصغار نجاعة كبيرة فقط في تحمل مشاق و عظم البدايات حينما هرب وخشي وقنع الكبار عن القيام بهذا الدور النضالي .
ولكنهم أثبتوا لي ولكل الشعب خصوصا قيادات الأحزاب بيانا بالعمل ، حرفية وثقافة ثورية ناضجة تجلت في كيفية التعاطي والتعامل مع قوات شرطة الأحتياطي المركزي والثبات على المبدأ و الغاية مهما كانت التكاليف باهظة كانت تنقصها فقط تضحية مماثلة ممن يدعون أنفسهم معارضة لهذا النظام .
وليتهم اكتفوا بذلك ، ولكنهم أسقطوا من أعلام النظام الممجوج ورقة تسييس هذه التظاهرات فكان جماعهم من أصحاب الأغلبية الصامتة التي لم تخرج عليهم طوال ربع قرن من حكمهم ألا بعد أن طفح بهم الكيل لتوالي مسلسل فشلهم الذريع و المبين في أدارة حكم هذه البلاد ، وهي التي سوف تحشرهم في نار جهنم لظلمهم المبين لها أن شاء الله يوم القيامة مع عبدالله بن أبي بن سلول و رهطه.
وصلت المنزل بعد أن فارقت صديقي على وعد بيننا لدوام التواصل لمعرفة أي تطورات على الأرض في بقية أجزاء العاصمة ، وكان وقتها شارع الوادي يغط في سبات عميق لا أثر فيه أبدا لأي بوادر للتظاهر .
أستلقيت منهارا بعدها توا على السرير وكانت الساعة وقتها حوالي الرابعة والربع ظهرا ، و ماهي ألا لحظات حتى أستسلم جسدي للنوم بفعل صرعات الأرهاق والألم من الكر والفر الذي قادنا صباحا وحتى الرابعة عصرا لمواجهات متقطعة مع قوات الشرطة .
في تمام الساعة الخامسة عصرا لم أشعر ألا بتربيت أختي على كتفي بشدة وهي تحاول أيقاظي صارخة جزلة لتنبئني بأن الشارع أمام بيتنا يغلي كالمرجل ، وأن كل أبناء حي الواحة والحتانة والثورة الحارة 19 و 20 و 21 يحتلون الشارع ويهتفون بأعلى أصواتهم ثورة ثورة حتى النصر .
وبالفعل قمت سريعا وخرجت للشارع وكان المشهد على أروع مايمكن أن يتصوره المرء . لم أكن أعرف أي شاب من كل هذه المناطق ألا وقد وجدته في وسط هذه المظاهرة يهتف ويحث المواطنين للخروج والتعبير عن رفضهم للقرار الكارثي الجائر برفع الدعم عن المحروقات .
لم أكن ساعتها معولا أن تحرز هذه التظاهرة أو غيرها من تظاهرات أي نتائج أيجابية على صعيد رفع سقف التوقعات لمسألة أسقاط القرار أو حتى أسقاط النظام .
السبب كان ببساطة جوهري و عقلاني ، وهو أن جل من كانوا يخرجون للتظاهر سواء في شارع الوادي أو الشنقيطي كانوا شباب أكبرهم سنا في حوالي الخامسة والعشرين ثم مادون ذلك .
كما أنني لم أشاهد حتى تلك اللحظة أي تعاطف عملي من السكان غير تلك الفئة العمرية التي ذكرتها يجعلني أكذب توقعاتي .... مشهد كمثل ما شاهده كل العالم في الشعب المصري في ميدان التحرير بالقاهرة ، حينما وقفت كل مصر على قلب جسد واحد نحو هدف واحد وهو خلع الطاغية ، كبيرهم المسن و المراة والشباب والصغار جميعهم كانوا معتكفون في الميدان.
كما أن ميزان القوة كان مختلا الى حد كبير لصالح القوات النظامية التي أستطاعت حتى ذلك الوقت أثارة الفزع بين المواطنين بفزاعة أستخدامهم للرصاص الحي أمام هؤلاء الشباب مخربين .
كنت انظر للناس من خلف الأبواب و النوافذ وهم يراقبون الوضع والتظاهرة بحذر و ريبة ، فأحتار من هذا المشهد تارة ثم أشفق عليهم تارة أخرى ممنيا النفس أن ينقلب الوضع والمعادلة الميؤوس منها فجأة مع توالي الأيام لصالحنا فيدفعهم ذلك ويشجعهم للخروج ودعم مشروع هذه الأنتفاضة الشعبية الجاهزة .
لكن حتى هذا السيناريو الحالم كان قطعا سوف يتطلب منا أمران عظيمان أحلاهما مر !
الأول : هو ان نصمد في هذه الشوارع حتى يوم الجمعة او السبت القادم على أقل التقادير . ففي هذه الأستمرارية والصمود قد يكون رسالة بليغة و قوية لهم باننا مصممون على هدفنا وغير عابئين من أي نتائج كارثية ، فيخرجوا من بيوتهم ويدعموا مشروع الأنتفاضة الشعبية الذي بدأ يتشكل امامهم .
والثاني : هو تقديم المزيد من الضحايا والأكفان لعل ذلك يشعل حميتهم و غضبهم على النظام فينتصروا لأنفسهم ويخرجوا جميعا للشارع ، ويكسروا حاجز الخوف الذي رسخ النظام في نفوسهم ربع قرن من الزمان من ببطشه الشديد لهم فردا فردا أو جماعات .
كانت حركتنا في الشارع قد بدأت من الصينية التي تؤدي لكبري الحلفايا كنقطة تجمع ، ثم تحركت بعدها الجموع على طول الشارع الوادي جنوبا بأتجاه كبري خور شمبات ، والهدف كان أخراج أكبر عدد ممكن من المواطنين و الألتحام ببقية المتظاهرين في شارع النص و الشنقيطي .
عند لفة الحتانة كانت هنالك محطة بترول تابعة لشركة النحلة ، وبجوارها كان هنالك مركز شرطة تابع للثورة الحارة 20 ، و قوة شرطة مرتكزة لمنع المتظاهرين من التقدم ولكنها لم تكن بحجم كبير .
أشتبكت القوة مع المتظاهرين وحاولت أن تثير الذعر فيهم فأطلق أحد العساكر أعيرة نارية من الرصاص الحي في السماء ، فزاد ذلك الأمر من غضب وأستفزاز الشباب فأنقضوا في شجاعة وأستبسال على العساكر بالمركز وهو أمر لم أكن أتمناه أبدا .
لم اكن قريب جدا من موقع التشابك ولكني ومع سماعي لصوت الرصاص الحي وبداية الأشتباك بدأت أتفقد أصدقائي في الحلة خوفا من أن يكون أحدهم قد أصيب عشوائيا بهذه الأعيرة النارية فلم اجدهم .
ترائ لي ساعتها صورة شهيد التقانة ، وأصبت بالذعر الشديد خوفا أن يكون نتيجة هذه الرصاص الحي أصابة أي أحد من الرفاق وتمنيت من الله أن يكون القصد فقط التفريق وان لا يصيب أي شاب من الشباب الثائر أو من العساكر .
حاولت أن أركض سريعا نحو بؤرة الصراع ، فوجدت أن الشباب كانوا يتراكضون عكس أتجاه موضع التشابك ، ومن بعيد وجدت النار تشتعل بالقرب من محطة البنزين لكنها لم تكن بشكل كبير أو خطير .
وأنا أسير عكس الناس وأركض باحثا عن أي شاب أعرفه وسط الجموع الهادرة ، كنت أحاول أن أسأل أي واحد من الهاربين القادمين من جهة ضرب النار عن الوضع هناك خوفا من أن يكون الرصاص الحي المطلق والذي سمعته أصاب احد الشباب الثائر .
وماهي ألا لحظات حتى وجدت صديقي بالحي ( ع . س ) يهرب و يشدني بقوة للهرب وهو يصيح فيني قائلا أرجع يا دكتور للحلة ... أرجع د.عبدالله سقط شهيد ، اللعنة عليهم سقط شهيد وسقط العديد من الجرحى !
كان وجهه مكفهرا وبدت عليه علامات عظيمة من الآسى و الحزن وكانت الدموع تغالبه للسقوط وهو يركض معي بكل قوة ويشدني بأصرار للأبتعاد ، وأنا أصيح فيه من مات ؟ من سقط شهيدا ؟
رد علي بحزن و مرارة ....... ولد أسمه أحمد حمد النيل المنصور ، وقد تم نقله للمستشفى ولكنني يائس تماما من نجاته !
ساعتها أحسست بحجم الحزن والأنكسار الذي كان يحمله صديقي ، وكانت عيونه وملامحه تقول لي ان أكثر المتشائمين منا لم يكن يعتقد أن تستخدم معنا شرطة بلادنا رصاص حي لتفريقنا ونحن امامهم متظاهرين عزل .
أدى وسبب سقوط الشهيد أحمد حمدالنيل المنصور غضب شديد وسط زملائنا فما كان منهم ألا وان قاموا بغضب شديد وهم يبكون بحرق محطة بنزين النحلة ومركز الشرطة وتحطيم معظم أعمدة الكهرباء بشارع الوادي .
قاموا أيضا بالقبض على أحدى العساكر من الذين أطلق أعيرة نارية من سلاحه بأتجاههم وأوسعوه ضربا قاسيا حتى كاد المسكين أن يموت تحت أيديهم لولا تدخل بعض العقلاء في الأخير لتخليصه من أيدي الشباب الثائر الغاضب .
أستمر الكر و الفر وحالة الفوضى العامة بمنطقة شمال كبري خور شمبات حتى منتصف الليل بعد سقوط الشهيد أحمد المنصور ، و آثرت الشرطة بعدها وكان تصرفا عقلانيا حكيما منها الأنسحاب تماما من تلك المناطق حتى لا تتسع دائرة الأشتباك مع المواطنين ويقع تحت ذلك التصعيد المزيد من القتلى والضحايا .
عدت الى الحلة مع الأصدقاء وكانت حالة من الحزن الشديد تخيم على حالتنا وعلى كل الأهالي بعد تأكد سماع خبر وفاة الشهيد أحمد المنصور بأذن الله .
كان الجميع يتمنى أمنية واحدة فقط وهي أن لا يخذل هذا الشعب هؤلاء الشباب ، وأن ينفر ويخرج على هذا النظام المجرم ويسقطه بعد أن فقد كل الشرعية للحكم بعد ان قرر رفع البندقية في وجه شعبه ليقتلهم !
وعلى ماذا ؟ ومن أجل ماذا ؟ من الحفاظ على سلطة زائلة تافهة لا تسوى عند الله حتى بكل دنياها جناح باعوضة !
ألم يبكي منسوبو هذا النظام قبل أيام قلائل ضحايا و قتلى ميدان رابعة العدوية في مصر وخرج وشيعته يلطمون الخدود عليهم كالنساء عندما قام النظام المصري بفض أعتصامهم وقالوا لقد فقد السيسي شرعية حكمه بعد أن قتل شعبه !
ألهذه الدرجة كان عندهم الدم المصري غاليا و دماء شعبهم عليهم رخيصة !
ألا يعلم هؤلاء المنافقون أن حرمة دم المسلم أعظم عند الله من هدم الكعبة المشرفة وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق كبيرة من أكبر الكبائر ، ويعظم الجرم ويشتد الإثم حين تكون هذه النفس نفسا مؤمنة .
ولا شك أيضا وهو المعلوم للجميع أن حرمة دم المسلم أعظم عند الله -تعالى- من حرمة الكعبة بل زوال الدنيا أهون عند الله من قتل المسلم ، وقد تواترت الأحاديث الدالة على هذا المعنى وفيها من الترهيب ما يردع من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .
لم أبكي يوما ما بقدر ما بكيت لحظتها بعد سماعي لتأكيدات خبر وفاة الشهيد أحمد حمدالنيل المنصور ، فقد مثلت لي وفاته وهو يقدم حياته الغالية رخيصة للتغيير طعنة في جسدي و وفاة سريرية لوطن أصبح كمريض السكري في آخر و أسوأ حالاته .
بدأت محنته بتمزق أطرافه ثم أنتهت أمامنا اليوم بتآكل جسده بالغرغرينة عندما يقتل السوداني أخوه السوداني من أجل السلطة !
أستميح القارئ الكريم أن أكتفي بهذا القدر من السرد ، على وعد المواصلة في حديثنا عن سبتمبر الأخضر ..... نفح الذكرى و مرارة التاريخ .

فكلامنا مازالت له بقية



د. عبدالله البخاري الجعلي
[email protected]
الثلاثاء 24 سبتمبر 2013 م
المكان العاصمة المثلثة – مدينة أم درمان – محلية كرري


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 637

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عبدالله البخاري الجعلي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة