متى يشرب الحصان؟ا
02-17-2011 12:39 PM

غرس الوطن

متى يشرب الحصان؟

أم سلمة الصادق المهدي

التهنئة للشعب الكريم بمناسبة مولد الرحمة، نبي الرحمة، سيد المرسلين: رسولنا الكريم الذي أرسل للبشرية جمعاء تكريما لنا بالإسلام دين العدالة والحرية.
وبمناسبة الموجة العاتية التي خلّصت المحروسة في شمال وادينا من أدرانها نقول مثلما قال الفرعون عندما أتته أخبار زميلٍ له في نادي الطغاة تهاوى «مصر دي حاجة تانية» فمصر فعلا منذ 25 يناير الماضي كانت حاجة تانية بما أرتنا من تمرين نضالي على الهواء شهدته الكاميرات ونقلته من ميدان التحرير يؤكد الحزم والعزم على نيل الحريات بصورة غاية في التحضر والسلوك الحضاري وسط الجموع بما يجعل إكبارنا يزداد للثوار لأن الحشود كما يقول علماء الاجتماع تنتقص من المسؤولية الفردية فتتيح للفرد وسط الجموع فرص التصرفات الإجرامية المعادية للمجتمع حينما تغيب المسؤولية الفردية.والتصرف الحضاري للشعب المصري في ميدان التحرير وكيف توحد الشعور القومي واختفت مظاهر الفتنة الدينية مما أكده لنا أيضا مولانا عبد المحمود أبو عندما حدثنا في محاضرة ألقاها يوم السبت الماضي 12فبراير 2011 في دار هيئة شؤون الأنصار بعنوان مقاومة الظلم المشروعية والوسائل فقد كان ساعتها شاهدا حاضرا في الأسبوع الأول لعرس مصر والمحاضرة المفيدة ازدادت ثراء بتعقيب د.الطيب زين العابدين والشيخ ناصر رضا .
الاحتفال الاحتفائي بالحريات المصرية في جنوب الوادي ليس غريبا، ولا ينبغي له، ولسنا وحدنا. فالدور المصري محوري ومفصلي في كل المنطقة ومصر هي تفاحة بلاد العرب تفسد بفسادها بقية المنظومة كما يصلح بصلاحها سائر الركب ولا نحتاج للتأكيد على ما تفعله الحريات بالفرد إذ تطلق إبداعاته ويكفينا ما أنجزه عنترة العبسي بعد عتقه من ربقة العبودية وحكمته التي جعلته يربط بين الحرية والشجاعة بل بكل إنجاز فقد أجاب والده الذي حثه على قتال من أغاروا على القبيلة بقوله: بأن الحر هو الذي يكر وليس العبد فحرره، مطلقا العنان لشجاعة لا تضاهى وكرم لا يمارى وقدرة على المحبة الصافية التي تغسل علل النفوس بلا هوادة.فمرحبا بفجر الحريات المصري الذي يبشرنا ببناء جديد للشرق الأوسط لا يهندسه الأمريكان بل يخططه بنوه :الذين طال غيابهم أو تغييبهم في ظل أنظمة تقهر أهل الداخل وتنقاد لأجندات الخارج .أما وقد عاد أصحاب الدُور لدُورهم فلننعم أفرادا وجماعات بإطلاق عنان الإبداعات والانجازات العربية ونبدأ عصرا من لفظ التبعية وتأسيس العلاقات المشتركة مع كل العالم بناء على المصالح المشتركة والمعادلات الربحية وبالنسبة لمصر قبل أن نغادر محطتها نحب تسطير بعض الملاحظات التي سجلها الأمير عبد المحمود عن ثورتها ونضيف أخرى من عندنا:
- إضافة لما سبق ذكره من إشادة بالتصرف الحضاري للشعب المصري هناك التصرف الحضاري للجيش المصري الذي تعامل مع شعبه بكرم واحترام وحب.
- الوفاء والحب لمصر بشكل ملحوظ.
- ونضيف تلك الإرادة المصرية التي لم تلن رغم كل المحاولات اليائسة لمقاومة النظام المصري بكل الوسائل.
- إضافة أخرى تضيف لموجبات التفاؤل للمستقبل في مصر: حيث أن التقليد المركزي المستقر الذي تدار به الدولة منذ كانت والذي يميز البلاد التي تشكل الزراعة مصدر كسب العيش الرئيس فيها، تجعل الشعب يهفو بطبيعته إلى الاستقرار متى ما زال الغبن واستتب الأمن مما يرفد الجو الديمقراطي ببيئة صالحة لديمقراطية تراكمية مستقرة.
نترك مصرا لربها ،فلها رب يحميها قال فيها»..ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين»يوسف 99

و بعد أن غسلنا بعضا من الحزن السوداني بالفرح المصري نعود إلى همنا الوطني . في السودان وضَعنا هذا النجاح المصري في مواجهة أسئلة ملحة تبحث عن إجابات ووقفة لا بد منها مع قضايانا ومع الذات : ما الذي يمنع خروجنا جميعا إلى الشارع تعبيرا عن رفضنا الجماعي لسياسات النظام الإقصائية والتي قسمت البلاد و أرهقت العباد وقد تفوقنا على مصر وكذلك تونس في سوء الحال على كافة الأصعدة فدولتنا هي الأقل تنمية والأقل تقدما والأكثر فسادا وقد أصابنا رهق رفع الأسعار والغلاء الفاحش وتزيد الفروقات الطبقية بين الذين يملكون والذين لا يملكون بما يفصل بين الثريا والثرى بل تكبلنا قيود قرارات الأمم المتحدة ، وبلدنا مزقت شر ممزق فاقتطع منها جزء عزيز ويستفزنا حكامنا بأنواع الشتم والركل وهم المنقلبون على نظام ديمقراطي ارتضاه الشعب فما الذي يبقينا داخل البيوت في سكون هو أقرب إلى الموات ؟ عمد كثيرون لمحاولة الإجابة على السؤال السابق من جهات عديدة ووجهات مختلفة على صدى ثورتي تونس ومصر نورد بعضا منها:
قال الحكوميون إنهم بمنأى عن طوفان تونس ومصر لأن الحريات عندهم وافرة وكله في السودان تمام التمام .
أما الأبواق الحكومية التي مثّلها مقال عنوانه«لماذا لم يخرجوا؟» بقلم مبارك الطيب الزين المنشور في الصحافة في 9/2/2011 فقد بدت أكثر ملوكية من الملك بادعائها أن الشعب السوداني يعاني من الغلاء لكنه شعب ذكي يدرك أن مفاتيح حلول مشاكله بيد الإنقاذ وحدها وأنها الحكومة التي تصدت للحركة الشعبية واتخذت القرارات الشجاعة وأنها الدولة التي استطاعت الالتفاف على قرارات الأمم المتحدة ثم بإمساكها بكرت الشريعة فلن يجرؤ على مواجهتها مواجه .
أما المحللون والخبراء من أمثال د.الطيب زين العابدين ومولانا عبد المحمود أبو فيقولون اننا شعب لا يتأثر بالظلم الجمعي. نتفاعل مع الظلم ونصده فقط إن كان فرديا أي مسنا شخصيا.
انفرد الأستاذ مصطفى البطل بتحليل جدير بالتأمل فهو يقول«بتصرف» في مقال له بعنوان«انتفاضة لله يا محسنين» -استوحيت منه عنوان هذا المقال- ان للشعب السوداني ساعته التي يحددها بمزاجه فيعمل العاملون على اقتياد الحصان«الشعب» ليشرب من بحر الانتفاضة ورغم الظروف المواتية لكنه يمتنع عن الشرب !فنحن أمام فرس أصيل لكنه عنيد و«مودي أي صاحب مزاجات» ليس لنا سوى الصبر عليه فقد تأتي ساعته بأقرب مما نتصور وربما أخذت وقتا لكنها حتما ستأتي!
دون أن نسقط هذا التحليل الأخير أو نستبعده لكونه وارد الحدوث وحتى على مستوى التعامل العادي مع الشخصية السودانية يدرك من يتعاطى هذا التعامل أنه أمام لغز محير فالإنسان الطيب الذي يتعامل معك كأنه «زول الله» ينتقل 180 درجة وبصورة مفاجئة تماما في حال فهم في لحظة ما أنك تهينه أو تحقره وتعنيه شخصيا بتلك الاهانة وهي لحظة لا يمكن تقديرها بحسابات موضوعية إذ قد يتم التفاعل الذي يدفع بالفعل إلى التصعيد إثر تراكمات أو ملابسات خارج المشهد الذي دار فيه التفاعل الاجتماعي فيأتيك الانفعال بصورة مباغتة تماما ! لكن المعضلة أن أمور المزاج رهن للمزاج لن ينفع معها سوى الصبر ومخلص الدعاء فلندعها تأخذ مجراها بينما «نفرك عودها»!.
بالنسبة لفئة الحكوميين من المتفائلين دون مسوغ فلا رغبة لنا في نقاشات بيزنطية لتسفيه أحلامهم الوردية فهذا مثل النفخ في قرب مقدودة .أما قول الأبواق فمردود عليه يقولون ان الشعب الذكي أدرك صلاحية الإنقاذ فصبر عليها ، والواقع والانتخابات مع زيفها كشفت كيف يرفض هذا الشعب الإنقاذ بما لا يحتاج مزيدا من التبيين.أما القول بالشجاعة في معالجة الملف الجنوبي فبذلك الملف تحديدا استحقت الإنقاذ أن تحاكم على تفريطها في وحدة السودان أما بالنسبة للالتفاف على القرارات الأممية فمتى كانت القرارات الصادرة من الأمم المتحدة بشأن بلد ما شرفا؟ هي قرارات بالإدانة من المجتمع الدولي تنتقص من سيادة الدولة بسبب أن النظام قد اعتدى على شعبه.فالإعجاب باللعب بالبيضة وبالحجر وبشطارة الالتفاف على قرارات الإدانة مثل تصفيقك للص استطاع استغفال البوليس وفر بجرمه ولكن السؤال إلى متى يكون الهرب؟ أما تكاثر الاتفاقات مع جهات مختلفة كدليل على كثرة الأصحاب والمؤيدين : فبينما نؤكد على صحة كثافة الاتفاقيات نطعن في محصلتها وما حققته : فكل من وضع يده في يد الإنقاذ يكتشف سريعا أن ذلك بمثابة إعادة اكتشاف للعجلة ليس إلا فينأى بنفسه سريعا من الوحش الإنقاذي قبل أن يفترسه بالانشقاق والانسلاخ أو يقبع في القصر خانعا مكتفيا بما يُعطى من فتات أو يعود إلى مربع الصدام الأول مع الإنقاذ. ولم نسمع باتفاق سار إلى نتائج ترضي الطرف الآخر إلا عندما يوضع في الحاضنة الأمريكية وهو ما حدث بالنسبة لاتفاقية نيفاشا ومع ذلك إن سئل أي شخص من الحركة الشعبية عن رأيه في فعل المؤتمر الوطني يستطيع أن يخبرك دون عناء عن كيف ومقدار ما أذاقه الإنقاذيون من مرارات وإخلاف للوعود والدليل أن انفصال الجنوب كان بنسبة تقرب لسقف 99%.
نأتي لما قال به المحللون من عدم التأثر بالظلم الجمعي مما يضعنا أمام خصائص المجتمعات التقليدية التي تحركها العصبيات وقيم القبيلة وصلة الرحم ولا تعني لها الدولة شيئا .مما يوجب علينا دراسة حاجات هذا المجتمع للوصول إلى ما يرضيه وكيفية تحريكه ليطالب بحقوقه ويحصل عليها من خلال نفس المنظومة.
علينا التحبير على معطيات نستوحي بعضا منها مما تم طرحه في ندوة مقاومة الظلم:المشروعية والوسائل والتي قدمها الشيخ عبد المحمود عقب عليه د.الطيب زين العابدين والشيخ ناصر رضا:
-أكد المتداولون كل بطريقته أن مقاومة الظلم ليست فقط مشروعة بل هي واجبة.
- بعيدا عن مخرجات الندوة نؤكد أن مزاج الشعب السوداني وتاريخه يؤكد أن الديمقراطية راجحة وعائدة.
هناك معوقات تواجه تيارات التغيير:
- التشكك في جدوى الديمقراطية.
- استزراع بيئة تشجع على الخنوع عن طريق تسطيح الفهم الديني حصرا له في العبادات ونزعا لجوهره الذي يعظم الحريات .
- استخدام الميل الفطري للتدين في المزاج السوداني و ربطه بفهم الطاعة لأولي الأمر دون قيد أو شرط مع أن الطاعة مربوطة بالعدل والصلاح ونواميس ربنا تقرر لا إكراه في الدين فكيف بمحبة المؤتمر الوطني قسرا؟.
- السودانيون كما اتفق مولانا عبد المحمود ود. الطيب زين العابدين لا يحسون بالظلم الجماعي وهو لبنة الشعور المشترك الذي يصب في صالح بناء الوحدة القومية وهو الذي يجعل الهدف مشتركا والضمير موحدا للحراك رفضا للظلم.
- مشكلة موضوعية تتعلق بمسألة انتشار السلاح والحركات المسلحة المسيسة بصورة غير مسبوقة.
- كان الجيش في السابق عاملا مساعدا في التغيير في السودان بانحيازه للشعب سواء في اكتوبر أو في ابريل ولكننا اليوم بعد مضي 22 سنة من التطهير لمؤسسة الجيش لا نعرف ماذا يمكن أن يكون موقف الجيش بالنسبة لحركة سلمية.
- تم انتقاء العناصر الأمنية بمواصفات تفرز مشهدا شديد التعقيد.
- بعض قادة النظام حسب قراءات كثيرة يعرفون هوياتهم بمعزل عن بقية السودانيين فلن يهمهم إغلاظ المعاملة للمتظاهرين.
ورغم تلك المكدرات:
فالتوق السوداني للحرية طبيعة وهي جبل كما يقولون وعامل العشائرية قد يلعب دورا حده الآخر يمكن المجتمع المتشابك من إجبار من يمثلون النظام للتراجع عن دعمه متى ما تضرر ذووهم بصورة مباشرة ويمكنه من تفعيل الضغط الاجتماعي عن طريق الاعتزال والمقاطعة .
يجب أن يكون العمل على مسارين:
مسار، يدق على حديد الاتهام بعدم جدوى الديمقراطية وهو ساخن وذلك يكون بأن تبادر النخب بفتح هذا الملف كاملا بحيث تتبنى الصحف مثلا سلسلة من منتديات تتناول كل اتهام يتطاول على الديمقراطية مهما كان دون مسوغات :التنمية، الفساد ،التفريط في الحدود ،تسليح القبائل ، ،...الخ وتحويل الخلاصات التي تخلص إليها تلك المنتديات إلى لغة تخاطب غير المختصين والبسطاء ونشر ذلك بأوسع نطاق «وبحسب نعماء المهدي في مقال لها على سودانيز اون اين ترى أن من أسباب فشل الديمقراطية في السودان: اللغة المعقدة التي يستخدمها الساسة في مخاطبة شعب ثلثه من الأميين».
و مسار آخر يلج المساجد يكشف الفساد ويوضح جوهر رسالة الإسلام التي تدعو للحريات ويبين بعد الشقة بين شريعة الدين السمحاء وهذا العرض الشائه المغلوط الذي يستغل الدين لتثبيت أركان السياسة الاستبدادية التي تهتف: نفسي نفسي ولا تهم لسواها .
وسلمتم

الصحافة


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1789

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




أم سلمة الصادق
أم سلمة الصادق

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة