المقالات
السياسة
..أو كانتظار حافلةٍ تحت المطر !
..أو كانتظار حافلةٍ تحت المطر !
10-04-2014 11:59 AM

أثرُ الفرشاة , كأثرِ الغمام
(قراءة في ديوان درويش "أثر الفراشة")

..أو كانتظار حافلةٍ تحت المطر !

د.عبد الماجد عبد الرحمن



" أعتقد أن الشعر شيء حميمي جداً , جوهري جداً , ولذلك لا يمكن تعريفه دون الإفراط في تبسيطه. فمحاولة تعريف الشعر شبيهة بمحاولة تعريف اللون الأصفر, أو الحب , أو تساقط الأوراق في الخريف. لا أعرف كيف يمكن أن تعرف الأشياء الجوهرية " ( الشاعر الأرجنتيني بورخيس).

■ تكمن عبقرية محمود درويش , في قدرته على جذب محبيه وقرائه , بحيث يبدو لهم دائماً جديداً , وربما بذات الطعم والنكهة التي عرفوها – حين طالعوه أول مرة -في كل مجموعة جديدة تصدر له, كما ألمح بذلك الكثير من القراء والنقاد معاً (عبده وازن, مثلاً). وكان ممكناً لشاعرٍ , في هيئة درويش , أن يتكلس بسهولة وتترهل نصوصه , وتخبو , مع الأيام, تلك الجذوة الغامضة , التي كانت مشتعلة يوما ما. ولكن درويش, من شاكلة المبدعين الذين عرفوا كيف يحتفظون على الدوام بمفتاح "الكنز المقدس" ومن الشعراء الذين تدربوا باستمرار على ابتكار أسلوب جديد "لسرقة النار" مرة أخرى.

■ في ديوانه (أثر الفراشة, 2008), عن دار رياض الريس للكتب والنشر اللبنانية, يأتي درويش هادئاً وجافاً وبارداً وناشفاً ورومانسياً للغاية – يطفو ويغوص في اللحظة نفسها. يمكنك دائماً , أن تقرأه بروح النكهة الأولى , وعبق النشيد الأول , برائحة الأرض-السراب والطريق الذي- من فرط طوله ووعورته- بات غاية في ذاته (كلما طال الطريق, تجدد المعنى), كما قال الدرويش. يأتيك وامضاً بالخوف الدائم على الأشياء الجميلة الذاهبة , ومزيناً بغموض ورهبة وجلال ما سوف يأتي من أشياء.

■ أهم ما يميّز (أثر الفراشة) , هو اشتغاله على أفق الواقعيات الجديدة, التي سوف يرد الكلام عنها بشكل منفصل ضمن مقالِ, ولسوف يشار إليها أيضاً من وقت لآخر في كتاباتنا لأهميتها. فهنا تتنزل لغة الشعر من عليائها في (السماء) إلى ملامسة الهم (الأرضي) المتشكل في إطار يومياتي-حي ؛ أو قل يتجه الشعر من (أسفل) إلى (أعلى) بسرعة الروح , وعظمة الأشياء الهامشية الصغيرة. وهذه المعاناة يلخصها الشاعر في المقطعٍ: (هو النبيذ, يرفعني إلي مرتبة أعلى / لا هي سماوية / ولا هي أرضية/ ويقنعني بأن في وسعي أن أكون شاعراً/ ولو لمرة واحدة !).

ومن ذلك أيضا , تجلي الصوغ الشعري في شكل الذات الشعرية مشتبكة مع الآخر وهي تلبس لبوساً مختلفة (النرجس وعبّاد الشمس) :

الفارق بين النرجس وعباد الشمس هو
الفرق بين وجهتي نظر : الأول ينظر إلى
صورته في الماء, ويقول : لا أنا إلا
أنا . والثاني ينظر إلى الشمس ويقول :
ما أنا إلا ما أعبد.
وفي الليل , يضيق الفارق ويتسع
التأويل !

■ في هذا الانكشاف الشعري-النثري , فرصة لتعميق جدل الذات والآخر, وتجديد أدواته تصعيداً له من مستواه المرتبط (بالأرض) , إلى آفاقه الأرحب في( السماء). إذ , في الليل يتسع التأويل وتغوص الذات في نفسها أكثر فأكثر , فليس أفضل من الليل, في تغطية الآخر وكشف الذات. وفيما تضيق العبارة, تتسع الإشارة ويتمدد المعنى وينفتح التأويل.

■ يأتي الكشف الشعري عبر (حوار الذات والآخر و الذات والذات) في شكل شجارات ومناكفات (الأنا) مع نفسها من جهة , ومع الشعر من جهة أخرى (بشكل يكاد يكون نموذجياً لما يسميه الدكتور محمد صابر عبيد بثنائية : شعرية الأنا وأنوية الشعر). هنا تجد لغة (الميتا-شعر)- حيث يهجم الخطاب الشعري على نفسه محاولاً تفكيكها (وكما أشرنا مراراً فهذه من التقنيات الحديثة, وتبرز بشكل لافت في الشعريات السودانية الجديدة) :

(صيف خريفي على التلال كقصيدة نثرية/... والطبيعة جسد يتخفف من البهرجة والزينة / ريثما ينضج التين والعنب والرمان/ ونسيان شهوات يوقظها المطر. ( لولا حاجتي الغامضة إلى الشعر, لما كنت في حاجة إلى شيء) - يقول الشاعر الذي خفت حماسته وقلت أخطاؤه).

■ هنا تغدو الذات في مسيس الحاجة إلي الشعر, بوصفه مبرراً وجودياً لها. ويتكرر ذلك , في قصيدة بعنوان (شاعري/آخري) , حينما يُفاجأ الشاعر بالقصيدة تأخذ شكل الحلم الليلي, وتغيب مع الفجر: (في الصباح, يقول: كأني حلمت بها/بالقصيدة... أين هي الآن؟/يشرب قهوته شارداً, حاسداً غيره/ويقول أخيراً: هنيئا له شاعري/آخري!)
وفي سياق متصل نقرأ :

(جبل وبحر وفضاء. أطير وأسبح, كأني طائرٌ جوُ-مائي. كأني شاعر!
كل نثر هنا شعر أولي محروم من صنعة الماهر.
وكل شعر هنا نثر , في متناول المارة).
ونقرأ في نص آخر: (هسيس الكلمة في اللامرئي هو موسيقى المعنى/ يتجدد في قصيدة يظن قارئها/ من فرط ماهي سرية / أنه كاتبها/وكلمة عادية/ يقولها لامبالٍ
للا مبالٍ آخر / على مفترق طرق أو في السوق / هي ما يجعل القصيدة ممكنة!)

■وفي الحقيقة الديوان كله يهجس بخطاب ميتا-شعري (بكلام الشعر عن الشعر) بشكلٍ متصاعد ودوار ومرتبط بتيمة الشاعر الرئيسة (الهوية- في شتى مناحيها وتحققاتها):
(أنا هنا وماعدا ذلك شائعة ونميمة ! ). وهنا يتجلى أعنف تأكيد للذات الشعرية – من خلال هذا النفي القوي والتسفيه لأي خطاب خارجي.

■ وفي قصيدة بعنوان (لم أكن معي) , يواصل الشاعر الغوص عميقاً في حوار الذات واجترار الأسئلة الوجودية الحارقة حتى يصل إلى درجة الحياد التام , درجة العدم الخالي تماما من العاطفة والألم والإحساس بالزمن – حيث يغدو الزمن كلياً ومتعالياً جداً:( كنت مستغرقاً في اللاشيء/في الفراغ الكلي الكامل/منفصلاً عن وجودي/جاراً لعدمٍ غير متطفل/ وخالياً من الألم/لم أحزن ولم أفرح/فلا شأن للاشيء بالعاطفة/ولا شأن له بالزمن/كنت لاشي في حضرة اللاشيء) . وهذه حضرة فاردة الدلالة , بسبب الفراغ الهائل الذي تحاول تعبئته من خلال تعدد وجوه "الحقيقة" , إذ (الحقيقة أنثى مجازية/ حين يختلط الماء والنار في شكلها/ والحقيقة نسبية حين يختلط الدم بالدم في ليلها/ والحقيقة شخصية/ في القصيدة /لا هي ما هي/ أو عكسها/ أنها ما تقطّر من ظلها!) فحقيقة الذات, وكذا حقيقة الآخر, لولبية وسيّالة و نسبية ومتعددة كتعدد المعنى في القصيدة. هذا الاضطراب (الأنوي-الآخري) يبدو واضحاً أيضا في اختلاط وتشابك الضمائر(أنا- هو – أنت – هم-هما- سواي- سواك ... الخ) في عدة قصائد , إذ (ما أنا إلا هو/وما هو إلا أنا/ في اختلاف الصور).

■ وتضيء لغة الديوان بالفكرة الصادرة عن تأملٍ و معاناة وجهد وتعب, كقوله: (الكمال كفاءة النقصان / والذكرى هي النسيان مرئياً). وبسبب من هذا , قد تأخذ قصائد الديوان , في بروزها الأول, نشافة العلم وجفاف التقارير. ولكن ما تلبث, أن تظلها روح الشعر العميقة الهفهافة , فتعود شكلاً آخر, ورداً آخر, زنبقةً أخري , أبداً صغيراً مؤثثاً بالحنين والذكرى وأوجاع الشتاء.. تعود مطراً آخر.. غيمة أخرى:

(قالت له/الليل تاريخ الحنين, وأنت ليلي/قلتَ لي, وتركتني/وتركتَ لي ليلي وليلك باردين/وسوف يوجعني الشتاء وذكرياتك/سوف يوجعك الهواء معطراً بزنابقي/لا بأس/سنعتني[ أنا والغريب] بليلنا ونضيئه/سنؤثث الأبد الصغير/... الليل تاريخ الحنين وأنت ليلي). فالذكريات والحنين تستحضران بالضرورة ( الآخر) , ولكن الليل , بوصفه تاريخاً للحنين , يعرّي (الأنا) حينما يغطي( الحبيب- الآخر- الغريب). وبما أن الحبيب هو تاريخ(المحب- الأنا) , يصبح الآخر هو تاريخ(الأنا) , يصير جزءاً من (الأنا) الشعرية ومستقلاً عنها في آن واحد. وتغدو , من ثم , الذكريات,

..كنزهةٍ في حرش الصنوبر,
أو كانتظار حافلةٍ تحت المطر.

■ ديوان (أثر الفراشة) , لمحمود درويش, يقدم شعرية عمودية تتحرك من (أسفل) إلى (أعلى) , ويفتح على مزاج شعري واقعي جديد يحتفظ بعذوبة الشاعر الأصلية , ويضيف عناصر جديدة لدعم تيمات وصور قديمة و أثيرة في عالم الشاعر -- بعض عناوين القصائد أما أنها تكرر عناوين في دواوين سابقة كقصيدة "لو كنت غيري" التي جاءت أيضاً في ديوان"لا تعتذر عما فعلت"-- أو هي تكرر, بشكل ما, إطارها وصيغها). أكثر من هذا , يقدم الديوان خطاباً شعرياً منشغلاً بتفكيك ذاته , في إطار توسعة ( الهوية الأنوية المحاصرة والمتأزمة) إلى أفق (هويات إنسانية جديدة متعددة) , دونما تخلٍٍ أو تذويب قسري للأولى.
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1846

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1120984 [فيصل مصطفى]
1.00/5 (2 صوت)

10-05-2014 07:27 PM
كنزهة في حرش الصنوبر
أو كإنتظار حافلة تحت المطر
الله يادرويش
و يا سلام يا د. عبد الماجد
من قال أن النقد تابعاً للنص
أياً كان !!؟...
أو إضاءة له
أو تفسيراً
أو تحليلاً
بل النقد نصاً موازياً
للعمل المبدع
و هذا ما فعله د. عبد الماجد
كتب ما يوازي ما أبدعه درويش
كأني به يفكك ما إنشغل بتفكيكه
درويش
هذا خطاب نقدي مغاير للسائد
و المعهود !!؟...

[فيصل مصطفى]

#1120935 [هجو نصر]
1.00/5 (2 صوت)

10-05-2014 03:54 PM
اجمل احد النقاد المحدثين عبارات بورخيس في عبارة استفهامية : هل نقوم بتشريح حنجرة العندليب كي نعرف سر روعة تغريده ؟ حقا الدرويش احتفظ بطابعه منذ : سجل انا عربي - اجمل الفرسان غي الليل يحجون اليك - الي اخر قصائده ! ذلك لم يكن اعتباطا انما مراعاة للسواد الغالب من متلقيي الشعر ذوي المستويات الثقافية المتباينة والتي في غاليها تعشق الغنائية وقد صعد بهم ومعهم الدرج الشعري باناة وتواضع وذلك يجسب له رحمه الله . اما تطوره وعدم تكلسه فقد قدم للموهوبين الصعار عن طيب خاطر - مفتاح الكنز المقدس : قرأت لكل الشواهق ولم يبتلعني احدهم ! الواقعيات لم يحد عنها الدرويش قيد انملة لكن احترافيته وشعريته العالية صعدت بها الي الاعلي ,يخرج للمحتل من كل شيئ حتي صناديق الخضار في قصائده الاولي ومع " احمد الزعتر" يمحو الفارق اللفظي بين البندقية والغزالة ! الي ان وصل معنا الي النرجس العلماني وعباد الشمس الديني وتركنا رحمه الله " في حندس نتصادم" مثل سلفه العظيم المعري ! والقصيدة التي راها حلما راها كل العظام الغربيين فاوسكار وايلد تشكي من ان الذي كان في مخيلته ليس هو الذي وضعه علي القرطاس ! واقول الغربيين لاني لم اقرا لغيرهم اقرارا كهذا . الاسئلة الوجودية كانت عاضرة دواما عنده وانك لتجد زلزلتها في معظم شعره :
كنت في المستقبل الضاحك جنديين
صرت الان في الماضي شهيد !
اما الغياب فهو نقصان واكتمال :
قل للغياب نقصتني
وانا اتيت لاكملك
هذا ما عنّ كمتذوق ولا ادعي اكثر من ذلك . شكرا لك يا اخانا

[هجو نصر]

#1120896 [د. عبد الماجد عبد الرحمن]
1.00/5 (2 صوت)

10-05-2014 01:17 PM
شكراً الأخ ضرار وأجمل الأعياد لك,

+ العلوم النقدية والمعارف المتصلة بها سواء التراثية أو الحديثة متاحة, سواء الآن أو في الماضي. وفي فيما يتصل بالنقد الحديث, فالمصريون وبقية العرب مثلنا ينهلون من مظانها الأساسية في الغرب, وبالتالي فالأفضل الأخذ بوعي وتفكير نقدي, من المظان الرئيسة لها.

+ النقد ليس تابعاً فحسب للابداع-هذه نظرة تقليدية- وانما هو نفسه شريك رئيسي في العملية الابداعية, وهي عملية معقدة جداً, ومتعددة العوامل والأطراف والسياقات.

+ أشرت لمسألة مهمة, وهي مسألة (القوالب) الجاهزة في النقد. وبالفعل هي واحدة من أمراض النقد, ليس عندنا فحسب, ولكن على مستوى واسع. نقاشها يحتاج الى وقت ومساحة أطول, ولكن ربما يكون أحياناً تشابه النصوص الابداعية أو وجود تيارات متشابهة, وبالتالي يجد الناقد نصوصا فيها الكثير من التشابه-الذي ليس بالضرورة أن يكون عيباً- فيأتي نقده متشابهاً لأكثر من نص, وقد يكون الناقد ساعياً لرصد ظواهر أدبية أو ملامح أسلوبية محددة تتوفر في أكثر من نص ومبدع.

لك التحية مرة ثانية وعريض الشكر والمودات !!

عبدالماجد الحبوب

[د. عبد الماجد عبد الرحمن]

#1120634 [صديق ضرار]
1.00/5 (2 صوت)

10-04-2014 03:10 PM
كل عام وأنتم بخير دكتور عبدالماجد عبد الرحمن ولأسرتك الكريمة
فعلا استمتعت بقراءة النص / الشعر / العرض والحراك لملامسة القصيد
فى منتصف الستينات قرأت فى صحيفة ( الصحافة ) مقال من جزأين للدكتور محمد إبراهيم الشوش عن إما ( نخلة عند الجول أو دومة ود حامد ) للأديب الطيب صالح قرأت له عرضا تحليليا أفادالمتلقى فى رؤية مستنيرة لهذا العمل الأدبى . ومن يومها لم أقرأ قط مقالا فى سوداننا عن خلق أدبى إلا ووجدت من ( الناقد ) إيراد قوالب جاهزة أكيد قد حفظها فى نوته لمصطلحات وأقوال لبعض كتاب الصحف المصرية ثم دفع هذه القوالب دفعا لإلصاقها بهذه القطة الأدبية الذى هو بصددها . هذا ربما أعزوه لعدم تملكنا فى السابق نت المعرفة التى انداحت فى الزمن الأخير مع تطور التقنية وكثرة وسائل العرض بالفضاءات الإسفيرية ومن وسائل مسهلة للنشر مرأى أم مطبوع ( Hard copy ).
أما الآن فلكم أن تمتعونا بمثل هذا العرض المبين ( وليس العرض الناقد من أجل النقد ) ( فإنى أعجب لشخص يسمى نفسه ناقد أدبى ) طيب الناس لو بطلت الكتابة حتعمل شنو ؟! حتقول ناقد غير أدبى . وظيفة الناقد أن يكمل ما قام به المبدع ، أما إن لم يكن هنالك إبداع فلا داعى للكتابة عن شىء ميت ، وإلاكانت مسخرة
صديق ضرار

[صديق ضرار]

د.عبد الماجد عبد الرحمن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة