المقالات
السياسة
من الذي يهمس في أذن الرئيس
من الذي يهمس في أذن الرئيس
10-06-2014 10:13 AM


يقال إن الخليفة عبد الله التعايشي، رغم أنه رجل دولة، إلا كان فيه عيبا قاتلا، كان يعطي أذنيه للحاشية التي حوله، و يتصرف بانفعال من خلال أول حديث يصل إلي أذنيه، و كان أخيه الأمير يعقوب، يعرف هذه الخصلة عند أخيه، لذلك احتكر أذن الخليفة، و لا يسمح لأي شخص بالدخول علي الخليفة إلا من يقبل قوله، أو يأتمر بأمره، و في أول مواجهة للدولة المهدية الفتية انهارت، و ليس سبب هذا الانهيار فقط قوة العدو، و لكن الانهيار الداخلي الذي كان ينخر في عظم الدولة المهدية، بسب الذين يهمسون في آذن الخليفة. الرئيس البشير شبيه بالخليفة التعايشي في تجربته، و هو رجل جاء من المؤسسة العسكرية، تجربته السياسية ضعيفة بحكم القوانين العسكرية، فأصبح بين كماشتين، الأولي: يعتقد البعض، إن العسكريين بحكم تربيتهم العسكرية، و بحكم التحولات التي جرت في المؤسسة و دخول عناصر مستقطبة سياسيا، هي التي تقف أمام أي تحول ديمقراطي، كما إن هناك من يعتقد، إن التقارير التي تقدم من قبل جهاز الأمن و المخابرات تهدف لإجهاض أي فكرة للحوار الوطني، قد تؤدي إلي تحول ديمقراطي، الثانية: هناك مجموعة من القيادات في المؤتمر الوطني ضد أية فكرة للحوار الوطني، و هؤلاء يعتقدون أية حوار وطني سوف يشكل خطرا علي مصالحهم الخاصة الذاتية، إضافة لممارساتهم إن كانت انتهاكات لحقوق الإنسان، أو المشاركة في فساد و غيرها، فهؤلاء جميعا يشكلون وسائل ضغط و تحدي لقضية الحوار و التحول الديمقراطي.
لا اعتقد إن هناك من يحاول أن يبرئ الرئيس البشير، باعتبار إن الرجل يمتلك عقلية عسكرية شعبوية، فالرئيس يملك عقلية عسكرية لا تجنح للحوار الذي يفضي للحرية و الديمقراطية، هذه العقلية لا تحتاج من يهمس في آذنها، هي بحكم التربية و الثقافة محصنة من قضايا الحرية و الديمقراطية، و التاريخ السوداني المعاصر يثبت ذلك، من خلال تجربة عبود 1958 – 1964 و التجربة الثانية جعفر محمد نميري 1969 – 1985، حيث حكمت فيها المؤسسة العسكرية، و كانت في خصام عدائي مع قضية الحرية و الديمقراطية. أما التجربة الثالثة، هي خليط بين مؤسسة عسكرية، لا يؤمن منتسبيها بهذا الترف المدني كما يعتقدون، إلي جانب دعم من تنظيم، لم يستطيع أن يطور مرجعيته الفكرية، و يقدم اجتهادات تقبل قضية الحرية و الديمقراطية، فهذا التحالف العدائي، لا يمكن أن يدفع في اتجاه الحوار الوطني.
فخطاب السيد رئيس الجمهورية، في مؤتمر مجلس شوري حزبه لولاية الخرطوم، هو ليس تراجع عن الحوار الوطني، بل تأكيد إن الذهنية في المؤتمر الوطني، من خلال ثقافة منتمية لمؤسستين لا تؤمن بالديمقراطية، ما هي إلا محاولة لكسب الوقت، و إشغال المعارضة بقضايا إنصرافية، و محاولة لشق صفوفها، كما يفعل مع القوي السياسية بصورة مستمرة، في جذب عناصرها الرخوة، و السيد الرئيس في تقدمه و تراجعه من خلال خطاباته في قضية الحوار، يبين أمرين، إما إن الرئيس قد أدمن المناورة في العمل السياسي، أو هو في حالة من الاضطراب و عدم التركيز، و في كلا الحالتين هي مضرة للبلاد، و بهذا الخطاب رجع الرئيس لذات الخطاب الذي ألقاه في مدينة بورتسودان، و قال فيه إذا أرادت المعارضة الحكومة عليها بحمل السلاح، و أن تغتسل في البحر الأحمر، ذلك الخطاب هو السبب المباشر الذي جعل الحروب تنتشر في اتجاهات السودان المختلفة، و الآن الخطاب يحمل ذات المضمون و لكن بمفردات مختلفة، مما يؤكد إن قضية الحرية و الديمقراطية تجد تحديا كبيرا، من قبل عقليات إقصائية،و هي التي تشكل أغلبية في الحزب الحاكم.
فالسيد رئيس الجمهورية رئيس المؤتمر الوطني، إذا كان دعوته للحوار الوطني نابعة من قناعة حقيقية بقضية الحوار الوطني، كان الرئيس جعل من موقع رئيس الجمهورية انطلاقة و قاعدة للحوار، و أصبح في بعد واحد بين القوي المعارضة و الحكومة، و لكن كل ما تقدمت الخطي في اتجاه الحوار يرجع بها خطوات للوراء مسببا انتكاسة في الساحة السياسية، هذا التناقض و الاضطراب في الخطاب السياسي يؤكد إن الرئيس حزبه غير مبدئيين في قضية الحوار الوطني، و هذا ما أشار إليه الدكتور غازي صلاح الدين زعيم حزب "الإصلاح الآن" تعليقا علي خطاب الرئيس حيث قال ( إن خطاب الرئيس يثبت مخاوف الشعب السوداني، إن الحوار لم يخرج عن كونه تدريب علاقات عامة لتمرير أجندة المؤتمر الوطني، و قيام انتخابات علي شروطه و مصلحته) و أضاف قائلا ( إن كل التطورات السالبة في قضية الحوار الوطني، هي مسؤولية المؤتمر الوطني) و أقر حزب المؤتمر الوطني إن الحوار يعني من حالة من الجمود. فإذا كان الحوار يشكل منعطفا حقيقيا في مسيرة المؤتمر الوطني، كان نظر لاتفاق باريس الذي وقعه حزب الأمة مع الجبهة الثورية من الجانب المضيء فيها، الذي يتحدث عن الحل عبر الحوار السلمي، كان عمل مع الآخرين لإعادة بناء الدولة السودانية علي أسس التوافق الوطني، كان أزال كل العوائق التي تقف في طريق هذا الحوار، و كانت خرجت الانتقادات لخطاب الرئيس من داخل الحزب الحاكم، رغم معرفتنا ليس هناك من يجرؤ في الحزب الحاكم أن يقدم النصح للرئيس، أو يقدم رأيا مخالفا، فحزب تنعدم فيه الرؤية الأخرى، لا يصنع سلاما اجتماعيا، و دولة التوافق الوطني، هؤلاء لا يهمسون في أذن الرئيس إلا تحقيقا لمصالحهم الذاتية، فالفشل الذي استمر قرابة العقدين و نيف سببه الاهتمامات الصغيرة، و الذين لا يستطيعون أن يفكروا أبعد من حاجاتهم الصغيرة، لا يصنعون التاريخ بل يكونون عالة علي التاريخ لذلك تهملهم حتى حواشي التاريخ.
يجب أن يمثل الحوار الوطني قناعة، لكل القوي السياسية التي تؤمن بقضية الحرية و الديمقراطية، فالحوار لا يجب أن يكون قاصرا فقط علي المعارضة و الحكومة، و يجب أن يشمل كل القوي الحية و الفاعلة في المجتمع، باعتبار إن الحوار هو الذي يؤدي إلي التوافق الوطني بين مكونات المجتمع السوداني، و يفتح أبواب الأمل، إن قضية الديمقراطية ليست هي إشكالية قاصرة علي الحزب الحاكم، فكل القوي السياسية السودانية تعاني بصور مختلفة من النقص الحاد في الممارسة الديمقراطية، و دلالة علي ذلك إن أية نقد يمارس من أي قيادي تحمله وسائل الإعلام باعتبار خلاف خطير بين المكونات السياسية سوف يؤدي لتمزيق الروابط بينهم، و هذا أتضح بصورة واضحة في تصريحات السيد فاروق أبو عيسي رئيس تحالف المعارضة، الذي تناقلته بعض وسائل الإعلام، باعتباره عصف سوف يهدم قوائم المعارضة جميعها، هذا المنحي يؤكد ضعف الثقافة الديمقراطية في المجتمع، باعتبار إن هناك أيضا عقليات تعتقد إن نقد المعارضة من المحرمات، فهي تحاول أن تخلق لها سياجا مقدسا.
إذن نخلص إن قضية الحوار الوطني تحتاج إلي مبدئية، في التوجه في الممارسة، لذلك مواقف السيد رئيس الجمهورية الذي أبي أن يكونا رئيسا إلا للمؤتمر الوطني هو أيضا يشكل عقبة في قضية الحوار الوطني، لأنه لا تعود إلا أن يسمع الإطراء و المدح، و من قبل الذين حوله، لذلك أصبح رئيسا شعبويا، تفقد كلماته مدلولاتها و معانيها و مقاصدها، فهي تخرج وفقا للجو الذي حوله في لحظة حماسية توقع صاحبها في مزالق الخطأ، و لكن إذا كان الرئيس لا يملك قناعة الحوار و من حوله و المؤسسات التي تدعمه فلا يعني ذلك أن نكفر بالحوار الوطني بل نراهن عليه بالشروط التي تقودنا لعملية التحول الديمقراطي و التوافق الوطني و سنظل نشهر أقلامنا دفاعا عن مبدئية الحوار الوطني لأننا دعاة ديمقراطية، لا حبا في وظيفة بعد ما تقدم العمر أو منصب أو جاه، أنما أيمانا أن يكون هذا السودان وطنا يسع الجميع و الله الموفق.
في الختام أهنئ الشعب السوداني، بعيد الأضحى المبارك، و أن يجعله الله ساعة مباركة يستجيب فيها بالدعاء، نسأله أن يساعدنا في أن ننقذ بلدنا من كبودتها و محنتها و يعيد الابتسامة لكل الذين يعانون من ضنك العيش و الفقر و المسغبة،و الذين فقدوا أهلهم و ذويهم في حروب لا تخلق غير الألم و الدموع و القصة في الحلوق. إن الله سميع مجيب.

[email protected]




تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2402

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1121827 [فادى]
1.00/5 (1 صوت)

10-07-2014 10:21 PM
شابكنا السيد الرئيس السيد الرئيس سيدك براك

[فادى]

زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة