المقالات
السياسة
تأملات في موقف المؤتمر الشعبي من الحوار (تعثر الخطي وأمكانية التوازن)
تأملات في موقف المؤتمر الشعبي من الحوار (تعثر الخطي وأمكانية التوازن)
10-06-2014 02:53 PM


بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة:
لاشك أن ما إتخذه المؤتمر الشعبي من قرار بالدخول في عملية الحوار الوطني وإنهاء حالة الرفض والقطيعة التي دامت بينه والنظام الي نحو أربعة عشر عاماً كان ومايزال قراراً صائباً ومسؤلاً ومسنوداً بالواقع والذي برزت فيه أوضاع لايختلف علي قتامتها وحرجها إثنان ،حيث إنبتر عن الوطن جزء عزيز ونقص بذلك السكان وقلت الموارد وتضاعفت حدة الفقر وأزدادت نسبته وتردت فيه الخدمات وضيقتت فيه الحرية وأنتقصت العدالة وشوهت القوانيين الحافظة للحقوق والكرامة اﻷنسانية وأصبح الكبت والقمع يرسمان شكل العلاقة بين الشعب والسلطة وتصاعدت لهجة التوتر بين المركز واﻷطراف وأشتعلت الحرب ووهنت عري العلاقات بين مكونات المجتمع وفشي الفساد والتعدي علي المال العام وتخبطت السلطة في سياساتها وزاد عليها الحصار واﻷستحقار الدولي وألغي الكثيرين اللوم علي الحركة الإسلامية والتي أرادت أن تصلح لكنها تعثرت وإضطربت أحوالها فزادت السودان ضعفا علي ضعفه فأصبح اليوم علي كاهلها من ثقل الإصلاح ما يزيد عن كاهل الجميع .
كما يدرك المؤتمر الشعبي أن اﻷحزاب السياسية من أقصي اليمين الي أقصي اليسار ليس لها موقف مبدئي وجاد من الدخول مع نظام الإنقاذ في حوار ومشاركة أو إتفاق و مناورة حتي وقد حفل تاريخها بذلك منذ (نداء الوطن/أتفاق القاهرة /ونيفاشا التي وضعت الجميع تحت قبة البرلمان وماتلاها من مفاوضات ) .وقد حدث ذلك في ظروف بالغة التعقيد ،لكن ماظهر من موقف اليوم رافض للحوار سببه دخول حزب المؤتمر الشعبي علي الخط والذي يعني الكثير لهذه القوي مبدأً من أنه مسار مغاير لم تألفه اﻷحزاب مع النظام حيث كانت تقضي وطرها منه بعيداً عن الشعب وقضاياه، لكن الشعبي طرح منذ اليوم اﻷول أن كل إستحقاق لحزب أو حركة أو جماعة يجب أن يعرض بحرية علي الشعب وأن يحدد مؤقفه منه بأصوات إقتراعة عبر أنتخابات أو إستفتاء عام .ومن هنا كان تأسيس الرفض من قبل اﻷحزاب والتي إنقطع وصلها زمنا برصيدها الجماهيري بعامل الغياب ومواقفها غير المرضية لاسيما في قضايا اﻷطراف والتي عبر عنها بحمل السلاح . وكذلك الحوار يعني إعادة ترتيب اﻷوراق مما يسقط مشروع المعارضة وحلمهم التاريخي في رؤية الصورة الكارثية لسقوط نظام الإسلاميين بما يجتث شأفتهم ويقصيهم عن المشهد السياسي تماما أو يصبحوا بغير روح ولا أثر يذكر . ولذلك فإن الحوار المفضي الي الشعب ليس سبيلهم إنما سبيلهم يكمن في تسوية مرضية مع النظام أو فرض أجندتهم عبر آليه الضغط الدولي . بكل هذا الوعي يدخل المؤتمر الشعبي في مشروع الحوار الوطني
ولكن ظهرت صورة الحزب متضاربة في اﻷراء متباينة في المواقف من قيادة الحزب فهناك من جعل المؤتمر الوطني سكنا له ومنها من حرم لقاءهم والحديث معهم حتي في الشأن العام وهنالك بين بين ، كل ذلك لأن المشروع وأبعاده لم تكن واضحة في أزهان القيادة وخرج الخطاب أبتر فقد فرح البعض بأسترداد الأمين العام للرئيس المختطف في عشية الرابع من رمضان وشفي أنفسهم ما لحق ذلك من إبعاد لقيادات نافذة في النظام عن المشهد السياسي ومنهم من عد مبادرة الرئيس إنكسار وصدق نبوءة مضي عليها أربعة عشر عام وهي تتحقق اﻷن . وبفعل الخطاب المنتقص تجمدت الطاقة المرجوة لحمل المشروع والتبشير به والدفاع عنه وفقدنا بذلك العنصر اﻷساسية لتحصين المشروع من الإختطاف وهو الشعب . وزادت مخاوف الحكومة والتي دخلت مشروع الإصلاح السياسي علي رجاء أن تحشد قوة الإسلاميين في إنجاز مطلوبات الإنتقال اﻵمن ،لكنها حين رأت مسلك الأمين العام قد حصر الصلاحيات وحبس اﻷمر في القيادة وعدم تركه ينفذ الي القواعد وضنين الخطاب الذي يقدمه الشعبي في تسويق اﻷمر للشارع العام واﻷحتفاظ بذات العلاقات القديمة والمناورة عليها وإحتفاظه بمسافة واضحة بين الشعبي والنظام الحاكم، فكثرت الهواجس وبدأت الحكومة وحزبها يحتاطون لانفسهم وذلك عبر طرح الإنتخابات وإجراءاتها والإلتزام بمواقيتها بقوة وإنعاش الحوار المجتمعي منفردين . وخاف من ذلك المعارضة والتي برغم مخالفتها وعدم إشتراكها في الحوار لكن حفظت المسافة بينها والشعبي وأمهلته في إنجاز المطلوبات الواجبة لإنجاح الحوار ،لكن حين رات تباطؤاً وعدم ظهور أي نتيجة ملموسة مع إستعار الوضع الإقتصادي أضعاف ماكان ومواصلة النظام في تقييد الحياة العامة وزيادة الإعتقالات وعودة الخطاب القديم في رسم العلاقات وتحديد منفستو الدخول للبلد بالإغتسال والبراءة من التعهدات مع حاملي السلاح. وفي الإتجاه اﻷخرة يش الشعبي عليهم الهجوم ويطالبهم بالإنضمام للحوار غير المشروط مما عزز الشك بفرضية الإتفاق السري بين الشعبي والوطني أو أن الأمر برمته سيناريو جديد لإعادة تدوير نظام الإسلاميين في السودان. وذلك راجع لأن اﻷمين العام بالغ في المخاوف من أن تفهم مبادرة الرئيس البشير حوار إسلاميين وأثر وسواس الحزب وهواجسه في الإبتعاد عن النظام والقرب من المعارضة وقد صرف وقتاً ثميناً وجهداً كبيرا في اﻷجابة علي سؤال من معنا دون اﻷجابة علي ماذا أنجزنا. ولقد تعثرت الحركة الإسلامية كثيراً في بلوغ مقاصدها حين خاطبت قضايا الشعب عبر الوكلاء وبعيدا عن أصحاب المصلحة الحقيقيين.
الموقف ومناخ الحوار:-
كان قرار المؤتمر الشعبي بفتح مسار للتفاهم مع النظام سابق لإعلان مبادرة الحوار الوطني عبر خطاب الرئيس في 27يناير2014م وكان ذلك في اجتماع هيئة قيادته في 20يوليو 2013م والتي طرحت فيها أوراق لتدبر الحال وما وصل اليه حال البلاد من ترد الأوضاع وقصور المشاريع المطروحة وإضطرابها حيث لم تعد وافية للخروج من اﻷزمة ولذلك طلب اﻷمين العام تفويضا لأمانته لفتح علاقات سياسية جديدة مما يعني أن المؤتمر الشعبي سوف يتوجة تلقاء النظام و فتح مسار جديد معه عبر توفير إرادة شعبية لصنع مشروع سياسي للخروج من اﻷزمة الوطنية وتجنب الصراع الإقليمي ومواجهة الأجندة الدولية ولن يكون ذلك الا بإستعادة المسار الديموقراطي وإنهاء الحرب والأقتتال الداخلي عبر إشاعة الحريات وبسط العدالة وفترة إنتقالية يطمئن فيها الناس الى مساواة الفرص وتستعد القوى السياسية للإستحقاقات الإنتخابية وتعرض برامجها على الشعب ليقول كلمته. هذا المشروع نتاج إستقراء للمشهد السياسي الداخلي والإقليمي من حولنا بعد ثورات الربيع العربي وتزايد مخاطر الثورة الشعبية على وحدة الوطن وسلامة المواطن وإستقراره. فكانت مبادرة الرئيس البشير للحوار الوطني الداخلي الشامل سانحة إقتنمها المؤتمر الشعبي للإنتقال من مشروع إسقاط النظام الى حوار المؤتمر الوطني والتفاهم معه على مستقبل البلاد بالوثوب الآمن الى البديل الديموقراطي.
مشروع الحوار الوطني الجامع في الداخل حول قضايا الوطن ومعاش الناس خاص بالمؤتمر الشعبي دعا له الرئيس البشير في خطاب الوثبة وقبلت الأمانة العامة الدعوة وفق التفويض الممنوح لها من القيادة فشهده الأمين العام بصحبة مساعده والأمين السياسي للحزب.
التفويض وتعثر الخطي:-
التفويض كلمة معروفة في قاموس الإسلاميين حيث أنجزوا بها مشروع اﻷنقاذ وما أن ترد حتي تعني أدارة شأن العامة عبر تدابير خاصة وذلك لانجاز مشروع يتطلب المرونة والسرعة والسرية في أضيق نطاق وهذه تتطلب أحد أمرين تنظيم متماسك وشخصية قيادية ذات كارزمة وبعد روحي لكن الواضح منذ اللحظة اﻷولي للحوار أن هذه الطريقة لن تفلح في إنجاز مشروع الحوار حيث الواقع مختلف فليس هنالك تنظيم ضابط في الشعبي وذلك لان الحزب منذ الميلاد لم يعمل أو يراهن علي العمل الجماعي والمؤسسي ولكن بدأ يناور يشخص اﻷمين العام وأمانته مع توالي عام رخو ولم يحدث أن إتخذ الحزب قراراً ذا بال أو خاض مرحلة جديدة مستندا الي الأجهزة الشورية الكبري بل إن الشوى لم تنعقد منذ عقد مضى أما المؤتمر العام لم ينعقد حتى الآن وإنما كان يكتفي بالقيادة وتفويضاتها وقد نتج عن ذلك هذا الشكل من التنظيم الحامل للأسم والمدافع عن القيم. واليوم يتواصل ذات النهج بدواعي أخري حيث بدأ الحديث عن الإنتقال الي كيان جديد يتسع لآخرين فأوقف البناء حيث يتيسر الإنتقال من دون أجهزة تمانع أو تدافع عن وجود الكيان القديم أو تسأل عن دواعي الرحيل. وكذلك ضعفت روح اﻷمين العام والتي كانت طاغية ومسيطرة وجدانيا ، وزيادة علي ذلك إن الحزب أقبلت عليه عضوية لاتعرف له من سابقة يحترم بها فضلا عن المشاكل والصراعات التي مست الجميع وحالة الوعي العام الناتجة عن التطور وصعوبة المشروع المطروح مع نظام ماتزال أخطاءه مستمرة وعوراتة بائنة ولذلك لم يعد كافيا موافقة الأمانة على مبادرة الرئيس لتبصم العضوية، وبرزت بعض التيارات المعارضة للحوار مع النظام وتمثلت معارضة الصف القيادي حين أراد اﻷمين العام العمل بمقتضى التفويض حيث رفض نافذين الذهاب معه الي أم جرس ولم تقبل قيادات أخرى لقاء الكيانات الإجتماعية في المجلس الوطني وأستهجنت قطاعات واسعة ظهوره في لقاء الوثبة لسماع خطاب الرئيس وكان اﻷفضل بعد ذلك أن يمضي اﻷمين العام في تعزيز التفويض عبر أحد الخيارين أما أن يصعد الي أعلي اﻷجهزة الحزبية التي مهمتها إقرار التحالفات وإجازتها لكي تتسع الشوري ويسري اﻷمر في شريان الحزب بسلاسة . وهذا غير ممكن خوفاً من الرفض أو الإنشقاق وإما أن يتنزل الي القواعد المنتشرة في السودان بحشدها وسماع رأيها وكان هذا الأسلم .ولكن الأستمتاع بتفويض اﻷجهزة القيادية والإستئثار بالقرار عند الأمين العام جعل القوى المعارضة تسعى لإستقطاب قواعد الحزب خاصة في المناطق المتأزمة وتأكيدها علي أن هذا الحوار لم يكن يوما لمصلحة الوطن وأنما أغراضه تخص الإسلاميين وحركتهم ،ومقابل ذلك بدأوا بسحب قيادات من حلف الحوار (الإمام الصادق المهدي) وأفلحوا في تسويق هذا الموقف للعالم وتمكنوا من نزع أعتراف للكيانات الجديدة ودعمها وإحتضانها وأستطاعوا جر الحوار الي خانة المجتمع الدولي والذي دخل علي الخط بقوة وبناء علي ذلك تم نقل مهمة المجتمع الدولي من شاهد وداعم الي وسيط وراعي وذلك بترفيع مهمة أمبيكي في اﻷلية اﻷفريقية ومجلس اﻷمن وأثمر ذلك موقف جديد هو توقيع اﻷطراف علي الشروط والمطلوبات الجديدة لبدء الحوار بالداخل (وثيقة أديس أبابا بين 7+7 واتفاق باريس)وهذا سوف يعيد سيناريو نيفاشا ووسطاءها وشركاءها وبرتكولاتها التي أدرجت في الإتفاقية وحيث المجتمع الدولي نجح في فرض أجندته عبر المفاوضات وبدون حرب .فأنه سوف يفرض علي الجميع عدم الخروج من الحوار حيث يرضي الموتمر الوطني بالدخول في مفاوضات مع الحركات المسلحة عبر برتكولات توقع مع الجبهة الثورية والأحزاب المعارضة ( معلن لقاء أديس أبابا لتوحيد الأجندة) وإتفاقات السلام الموقعة مع الحركات الدارفورية في الدوحة والحركة الشعبية شمال في أديس أبابا.
المشروع من الحوار الي التفاوض:-
أستطاعة القوي السياسية المعارضة تحويل الحوار الي الخارج بحثاً عن ضمنانات حقيقية لتنفيذ مخرجاته وقوى فاعلة ترعى مساراته وتحدد مواقيته ولكن كان الإجماع شبه الكامل أن الحوار لابد أن يكون سوداني سوداني وبالداخل حتى لاتختلط القضايا الوطنية بالأجندة الدولية . ولكن السيد الإمام بعد أن قطع شوطا من الحوار الذي تاكد أنه سيعقد بالخرطوم وأن الشعب السوداني هو الضامن الوحيد وصاحب الكلمة الفصل ، إلتفت الإمام غرباً بإتجاه دارفور وكردفان حيث قواعدع التقليدية فوجدها إصطفت حركات مسلحة تقاتل من أجل قضايا خدمية محلية وقبائل عربية تناهض من أجل حقوقها وحواكيرها فوجدت النظام خير نصير لها أما الوسط فقد نقاسمه معه فرقاء أحزاب الأمة الموالية للنظام والمعارضة له أما الإدارات الأهلية رضية بنصيبها من السلطة المحلية وإرتبطت مصالحها بالنظام فعاهدته على ولائها فلم يبق له غير تاريخ يجتره ولن يغامر بالمراهنة عليه فكان تكوين تحالف جديد يجمع به الحركات الشبابية الصغيرة والأحزاب الإتحادية الرافضة للحوار يوازي به تحالف قوى الإجماع الوطني ويعاهد به الجيهة الثورية ويفاوض به النظام وقد نجح حزب الأمة القومي في هذا التكتيك فبعد معاهدة باريس وقع بجانب الجبهة الثورية على وثيقة مبادئ مع لجنة 7+7 بأديس أبابا بضمان أمبيكي وبذلك ضمن لنفسه رعاية أفريقية بضمان دولي لأي إتفاق مع النظام يحقق له بعض مطالبه. أما تحالف قوى الإجماع لم تتأخر في تأييد إتفاق باريس أو وثيقة أديس أبابا وتعلن ترحيبها بتدخل مجلس الأمن الدولي في الشأن السوداني بموافقته على الحوار الداخلي برعالية الآلية الأفريقية الرفيعة فهي بذلك تضمن توفير إستحقاق تهيئة المناخ للحوار الوطني بالداخل ومشاركة الحركات المسلحة التي تحمل عن كاهلها بعض مطالبها خصوصاً في تفكيك دولة الإنقاذ وفصل السلطات وهيكلة الأجهزة العسكرية والشرطية والخدمة المدنية ولكن لن يصل حد الإندماج في تحالف واحد وسيقتصر الأمر على التنسيق والعمل المشترك لتضمن نصيباً خاصاً في قسمة السلطة المتوقعة. أما الجبهة الثورية بموافقتها على الحوار المرعي دولياً تضمن به دخول قياداتها للمشاركة في مؤتمر الحوار والخروج الآمن في حال فشل التوصل لسوية مرضية لها . فالحركات المسلحة ستفيد من تجربة الحركة الشعبية في نيفاشا وخصوصاً قطاع الشمال ، ففي الفترة الإنتقالية قبل إستفتاء الجنوب إحتفظت الجيش الشعبي بسلاحه وأعطي الجنوب وضغاً خاصاً لأن الترتيب يجري على أساس الإنفصال ولكن في الوضع الراهن يبدو أن إنفصال الأقاليم المتأزمة غير وارد الآن والمطلوب إعادة توازن للقوات المسلحة السودانية والشرطة وجهاز الأمن الوطني ولن تسمح الحكومة تنفكيكها إذن البديل المتاح هو إدخال عناصر جديدة وبرتب عالية عبر عملية الحوار تحمي به القوى المعارضة حقها في العمل السياسي ومخاطبة جماهيرها والمنافسة على السلطة بقوة لذلك أعلن الجبهة الثورية مبكراً نيتها في التحول الى حركة سياسية شعبية سلمية ويخطئ النظام إن ظن أنها ستحتفظ بسلاحها كقوة مستقلة.
أما الحكومة وهي من دعت أمبيكي لرعاية الحوار وفتحت له السبل فهي تريد تحويل مبادرة الحوار الوطني الى عملية تفاوضية مع حاملي السلاح وسندهم السياسي وفي سبيل وقف الحرب وتحقيق السلام النظام لايتوانى عن التنازل من 50% من السلطة وهي التي مدتها للإمام في إتفاق التراضي الوطني فهي تكسب بذلك الإستمرار في السلطة سنين عددا وتحقق قدراً من التنمية وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين ولن تتمسك بحكم الهامش فهي مستعدة بالتنازل عن دارفور لعبد الواحد نور وكردفان لعبد العزيز الحلو والنيل الأزرق لمالك عقار ولن يضيرها إن كان ياسر عرمان وزيراً للخارجية ما دام دفة الحكم بيد الرئيس البشير ويحيل عنه الإلتزام الدستوري بعدم الترشح مجدداً فالجبهة الثورية فشلت في تكوين حاضنة شعبية لحمل السلاح بل أصحاب المصلحة ملو الحرب وسئموا الإقتتال بينما فشلت قوى الإجماع الوطني في تحريل الشارع ثائراً على النظام ليسقطه ليكون الضغط الدولي على النظام لتحقق بعض مكتسباتها السياسية بعيداً عن خيارات الشعب الذي خالف منهجهم . أما المجتمع الدولي لم يفوت الفرصة التي سنحت له برعاية المفاوضات بين الفرقاء السودانيين وهو إن ضمن حقوق معقولة ومكتسبات سريعة للحركات المسلحة والأحزاب المعارضة لن يطول الفترة الإنتقالية رغم أن أمريكيا رمت بورقة تقترح فيها حلاً من وجهة نظرها بفترة إنتقالية لمدة عامين برئاسة البشير الا أن قصر الفترة الإنتقالية مهم للذهاب مباشرة للإنتخابات لإعطاء الإتفاق شرعية إنتخابية وإن أنتجت الإنتخابات نتيجة مريحة للمعارضة تستكمل مشروعها في التغيير عبر التفويض الشعبي مثل إتفاقية نيفاشا التي سلمت الجنوب للحركة الشعبية عبر الإنتخابات وفصلته عبر الإستفتاء وإن عجزت عن مكاسب مرضية يتم التمرد هذه المرة على الدولة المركزية بقيادات منتخبة من القاليم المتأزمة مثل الحالة الليبية الراهنة .ويكون بذلك الحوار مهم جداً للمجتمع الدولي كخيار عملي يمكن تطبيقه ويحقق به بعض أجندته.ومنذ الآن بدأ يلعب مع النظام لعبة العصا والجزرة.
أما المؤتمر الشعبي سيكون الخاسر الوحيد من هذا المسار الجديد للحوار فلا هو حقق سبقاً في توسيع الحريات بفك الرقابة عن الصحف وإطلاق سراح المعتقلين والمحبوسين وحرية العمل السياسي يؤكد به أخلاقية موقفه من الحوار بل النظام ذاد من احراجه بإعتقال الإمام الصادق وبنته مريم ورئيس حزب المؤتمر السوداني في وقت كان هو شريك في عملية الحوار ويبشر بها ولم يتأخر النظام عن إعتقال كل ناشط ظن أن الحريات أصبحت متاحة ويمكنه معارضة النظام علناً فصودرت الصحف وملئت السجون بالناشطين في الوقت الذي يتحدث فيه الشعبي عن الحوار غير المشروط . هذا في الماضي أما في المستقبل لن يتوانى النظام من نفض يده عن أي إتفاق مع المؤتمر الشعبي لكلفة مشروع الحوار الذي يتبناه من حرية مطلقة وعدالة ناجزة وفترة إنتقالية دون قاعدة صلبة تسنده أو ضامن وطني موثوق به في حين فقد تأثيره على القوى المعارضة بتجميد نشاطه في التحالف المعارض وتجاوزته عن كل تنسيق معها وفي نفس الوقت لم يفيد النظام شعبيا أو سياسياً من حواره مع الشعبي بل زادت حدة الإستقطاب الآيدلوجي الشئ الذي يخشاه النظام إقليمياً .
التوازن وتصحيح المسار:-
لم يعد في مقدور القوى السياسية المعارضة والحركات المسلحة والنظام المتمكن من السلطة في الخرطوم التنصل من عملية الحوار المعلن عنها تحت رعاية أمبيكي وعلى طريقة نيفاشا سيتم مناقشة بعض الملفات منفصلة وفي الخارج ليتم تضمينها في الإ تفاق العام كبرتوكولات متفق غليها .وبهذه الطريقة تتمكن الحركات المسلحة من تحقيق مطالبها والقوى المعارضة من نيل شروطها والمجتمع الدولي من تحقيق مصالحه . ويكون الحوار الداخلي حشد للموافقة على الإتفاق النهائي ليجد المؤتمر الشعبي يسير في إتجاه واحد مشاركاً وموافقاً على مخرجات الحوار التي تحقق مكاسب للوطن من وقف للحرب وإعفاء للديون الخارجية أو الدعم الخليجي وسبرر موافقته كما فعل مع نيفاشا أننا نوافق على إتفاق يوقف الحرب ولكن يرفض آثاره الكارثية على الوطن وحدة وتوجهاً وكما تبرأ من إنفصال الجنوب وحمله الأطراف الموقعة على نيفاشا سيجد نفسه هذه المرة ماهراً للإتفاق النهائي وإن لم يفعل يعيش عزلة إجتماعية وإقصاءاً سياسياً . وللخروج من هذا المأزق التاريخي على المؤتمر الشعبي العمل على إعادة مشروع الحوار الى نقطة البداية بجعله حوار حول قضايا الوطن وليس مفاوضات بين معارضة وحكومة يقتسمون السلطة . وهذا بالرجوع الى الشعب السوداني صاحب المصلحة الوطنية والإرادة السياسية للإصلاح والمدخل الوحيد الى هذا الهدف هو قواعد الإسلاميين بمخاطبتهم وحشدهم وتوجيه طاقتهم تلقاء السلام والحرية والمسار الديموقراطي ولم ينهك المؤتمر الشعبي الا نتيجة هروبه من إستحقاق حوار الإسلاميين . فالخطوة الأولى بالأساس أن يتنازل المؤتمر الشعبي عن حظوظ نفسه وكره النظام ورغبة الإنتقام من أعوانه العقبة التي لم تتجاوزها قيادات الحزب ناهيك عن قواعده وصنع متاريس من المواقف المسبقة تجاه المؤتمر الوطني الذي لن يتقدم بتنازلات حقيقية الا بعد ضمانات كافية بمشاركته في مستقبل الحكم وهذا ما يستطيعه الضامن الدولي وداخليا ليس هناك ضمان للمؤتمر الوطني غير وحدة الاسلاميين . والخطوة الثانية توجيه قواعد المؤتمر الشعبي وناشطيه تجاه مشروع الحوار الوطني وإتصالهم بمكونات الشعب مباشرة ومخاطبة المجتمعات المحلية وحاملي السلاح في الميدان وإعلاء الشأن القومي على الشأن المحلي ونبذ العصبية والعنصرية وفق هوية سودانية تجوع مكونات الوطن على قيم عقيدتها الاسلامية . وقيادة مشروع إجتماعي لمحاربة الفقر وتوفير وسائل الانتاج وإتاحة الفرص المتساوية لكل صاحب موهبة وكفاءة وتمييز إيجابي للشرائح الضعيفة في المجتمع.
أما الإجتماع السياسي يستطيعه المؤتمر الشعبي عبر تحالف عريض مع كيانات إجتماعية وجماعات دينية وأحزاب سياسية وحركات شبابية تتفق معه حول القضايا الوطنية وإستعادة المسار الديموقراطي .
خاتمة:-
المؤتمر الشعبي أفلح في تشخيص الحالة السودانية ووصف لها الحل في الحوار الوطني السوداني بالداخل ولن يفلح المؤتمر الشعبي إن فلتت عنه هذه السانحة المتمثلة في مبادرة الرئيس البشير للحوار الوطني وهو القادر على إنجاز هذا الاستحقاق ان قهر مخاوفه وحزم أمره وأنهى تردده وتوكل على الله.
وكل سنة والسودان بخير وأهله الطيبون في أتم صحة وعافية
إكتوبر2014م
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 921

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




اسماعيل فرج الله
اسماعيل فرج الله

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة