المقالات
السياسة
اسباب فشل الديمقراطية الثالثة في السودان
اسباب فشل الديمقراطية الثالثة في السودان
10-09-2014 09:36 AM


الكثير من الناس كان يلقي باللائمة علي السيد الصادق المهدي وحزبه والحزب الذي شكل معه الحكومة الائتلافية الاتحادي الديمقراطي في آخر حكومة ديمقراطية منتخبة من الشعب السوداني بأنهم كانوا السبب في فشل الديمقراطية التي لم ننعم بها طويلا. ولكن من عايش تلك الحقبة من تاريخ السودان يدرك جيدا ان الحكومة وقتها لم تكن هي المسؤولة الأولي عن فشل تلك التجربة . وان كان للحكومة المؤتلفة دور في الفشل فهو يأتي متأخرا عن أسباب أخري كثيرة عجلت برحيلها ويسرت من سرعة الانقضاض عليها من قبل الكيزان المتنكرين بثوب العسكر. هنا سأحاول عكس رؤيتي المتواضعة عن أسباب فشل الديمقراطية الأخيرة فالتاريخ خير معلم منه نستمد العبر والمواعظ ونكون أكثر نضجا في استشراف المستقبل الواعد.

أول اسباب الفشل هي الوضع الاقتصادي الذي بدأ يتردى في اخريات حكم النميري . فعندي مجيئ حكومة السيد الصادق المهدي كانت خزينة الدولة شبه خاوية علي عروشها. وكانت النيران تكاد تكون مشتعلة في كل المؤسسات الاقتصادية الكبرى. هذه التركة المثقلة كانت من اهم العوائق التي قيدت وشلت حركة الحكومة وتركتها عاجزة عن تسيير دولاب الدولة بخبرة قليلة وكوادر لم تصقلها الخبرة والتجارب.

السبب الثاني وراء ذلك الفشل الكبير يعود الي المشير سوار الذهب. مع احترامي الشديد للرجل وعدم تشكيكي في صدقه و وطنيته فيكفي الرجل فخرا انه انحاز لأنسان السودان وأوفي بوعده وسلم السلطة للشعب وكسب احترام العالم اجمع. لذا وبدون قصد منه كان سببا في انهيار الديمقراطية . ذلك أنه ولزهده في الحكم رفض كل النداءات التي كانت توجه له من قبل معظم الأحزاب السودانية لأطاله أمد الفترة الانتقالية حتي تتمكن من اعادة بناء قدراتها واعادة بناء نفسها بصورة تمكن الذي يصل للحكم ان يكون جاهزا لتولي المسؤولية الجسيمة في قيادة الدولة. فكل الأحزاب وقتها باستثناء الكيزان كانت منهكة من صراعات مريرة خاضتها ضد حكم النميري وظلت مغيبة عن العمل السياسي زهاء ستة عشر عاما هي عمر حكم المشير. وكانت الأحزاب من حرصها علي ان تأتي التجربة الديمقراطية ناجحة ومبرأة من العيوب تلح في اطالة الفترة الانتقالية وهذا يدل علي انها لم تكن حريصة في الوصول الي الحكم بقدر حرصها علي ان تأتي الديمقراطية الثالثة قوية وراسخة تؤسس لبناء دولة المؤسسات. أم المشير سوار الذهب فقد شكلت الدولة عبئا كبيرا عليه وكان يستعجل تسليم الأمانة ولكنه فتح الباب واسعا لمجيئ احزاب ضعيفة غير قادرة علي الحكم لتنقلب الديمقراطية الوليدة الي فوضي عارمة هيأت الشارع للقبول بأي تغيير يطرأ علي الساحة.

اما السبب الثالث وراء فشل الديمقراطية الثالثة فهم الإسلاميون . كان هذا التنظيم هو الأكثر تماسكا و ترابطا بين كل التنظيمات السياسية الموجودة في الساحة باعتبار انهم كانوا شركاء مع النميري في الحكم وبالتالي كانوا يمارسون الفعل السياسي و يعملوا في ذات الوقت في الخفاء لتنفيذ اجندتهم الخاصة في التآمر علي حكم النميري الذي لم يخفي عليه هذا الأمر وانتظر اللحظة المناسبة للانقضاض عليهم. في الديمقراطية الثالثة كان الكيزان جزء من نظام الحكم القائم باعتبار انهم شاركوا في الانتخابات وفشلوا في الفوز في تلك الانتخابات والتي احتلوا فيها المركز الثالث. وهم في المعارضة لم يقودوا معارضة هادفة مسؤولة تعمل مع الحكومة يدا بيد لمعالجة الكم الهائل من المشاكل التي كانت تحيط بالبلاد. بل ظلوا يسعون سعيا حثيثا للنيل من الديمقراطية وسخروا كل امكانياتهم لوضع العراقيل وخلق الازمات. لم يكونوا ابدا شركاء حقيقيين في النظام الديمقراطي بل كانوا شوكة في خاصرة الوطن ما زال الوطن ينزف من جراءاها. وتمت دعوتهم للمشاركة في الحكم ولكنهم رفضوا وهذا الرفض اكد انهم يعدون للانقلاب علي الديمقراطية وهذا يؤكد ان هؤلاء الطفيليون لا يؤمنون بالديمقراطية كنظام حكم . وماذا بعد ان وصلوا الي السلطة التي اغتصبوها بليل؟ ماذا بعد خمسة وعشرين عاما من التمكين؟ اين اوصلوا السودان؟ وهل بعد معرفة تاريخهم وفكرهم ثمة من يعتقد انهم صادقين في دعوتهم للحوار؟ تلك لعمري اضغاث احلام. كل الوجع الذي يعاني منه السودان هم المسؤولين عنه وبصورة مباشرة.

ثم يأتي السيد الصادق المهدي وحكومته الائتلافية كسبب رابع في فشل الديمقراطية . لقد سمحوا للكيزان بالسيطرة علي الحكم بكل يسر رغم ادراكهم انهم كانوا يخططون لكذا فعل. وزادوا الطين بلة بأن خرجوا من السودان لقيادة عمل معارض من خارج الحدود لم يتعلموا من تجربة مايو انه غير مجدي وهكذا تركوا البلد للكيزان ليعيثوا فيها فسادا. استفرد ا لكيزان بالوطن دون معارضة او تشويش من أي قوي معارضة وعلي مدي خمسة وعشرون عاما يرسخوا لتوطيد اركان حكمهم دون الالتفات للشعب وحاجته الاساسية لأن هذا الأمر لم يكن من أولويات حكمهم.

هناك عوامل اخري عديدة داخلية وخارجية ساهمت بنسب متفاوتة في فشل الديمقراطية من اهمها داخليا عدم الوعي لدي كثير من الناس بأهمية الديمقراطية كنظام حكم يؤدي الي الاستقرار والتداول السلمي للسلطة الذي يمكننا من الافلات من تلك الدائرة الشيطانية التي ظللنا ندور حولها فترة طويلة بين العسكر والديمقراطية. فقد كثرت الاضرابات والمطالب النقابية في وقت كان السودان في امس الحاجة لتكاتف جميع ابنائه والعمل علي زيادة عجلة الانتاج ومعالجة الوضع الاقتصادي. علي الصعيد الخارجي لم تقدم الدول التي تتشدق بالديمقراطية أي دعم للديمقراطية الوليدة. امريكا والدول الغربية وقفوا موقفا سلبيا من السودان الديمقراطي ولعل هذا الامر يعود الي ادراكهم انهم لن يجدوا مبتغاهم مع النظم الديمقراطية بذات القدر الذي يجدوه مع الانظمة الشمولية.

لا املك ختاما الا ان ادعو للوطن بالعافية والتعافي من هذا الوجع الذي اصابه من تلك الطغمة الفاسدة والمفسدة وان يعود الينا فاتحا زراعيه لكل ابنائه دون تمييز او جهوية او قبلية سودان يسع الجميع واذا ما عادت الديمقراطية سيتعلم الجميع حمايتها ورعايتها والحفاظ عليها وبذل الغالي والنفيس من اجل ان ينعموا بها وبظلالها الوارفة .

احمد عبد الفتاح
المملكة العربية السعودية
9/10/2014
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2227

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1122593 [ملتوف يزيل الكيزان]
1.61/5 (9 صوت)

10-09-2014 10:49 AM
بعض الحقائق اولى ان تذكر في هذا الصدد.
1- سوار الدهب كان حمار اسلامى علية لم يراعي مصلحة الوطن في تأجيل الانتخابات.
2-كان الترابي صهر الصادق ، هو راس الحربة في تكريه الناس في الدقراطية.
3-قامت الانقاذ بمعرفة الصادق (راجع تصريحات البنا و اخرين نصحوا الصادق فم ينتصح)
4-ضعف الوعي العام وهذا مستمر حتى الان لاننا عالم رابع وعلية لا يحاسب علية الشعب. هذا عيب المفرين الذين لم يستطيعوا ان ينقذوا الشهيد محمود.

[ملتوف يزيل الكيزان]

احمد عبد الفتاح
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة