المقالات
منوعات

10-19-2014 08:01 AM


*(لن تبصرنا بمآقٍ غير
مآقينا
لن تعرفنا
ما لم نجذبك فتعرفنا
وتكاشفنا..
أدنى ما فينا قد يعلونا
يا قوت
فكن الأدنى
تكن الأعلى فينا..).
- الفيتوري -
.. كيف يمكن لشخص بسيط، ليس له رتبة، أو عائلة، أو عشيرة، أو حزب، أو تكتل، أو تجمع، أن يتحول إلى بطل تاريخي كبير، ويشكل خلال أكثر من مئة سنة، ضمير أمة بأكملها؟
هذه الشخصية العجيبة هي شخصية الجندي الطيب شفيك التي ابتدعها الكاتب التشيكي العبقري ياروسلاف هاشيك، وسطر تاريخها بطريقة باهرة، في رواية تجاوزت (460) صفحة، كانت تنشر، في إحدى الصحف التشيكية، على هيئة حلقات، مسلسلة، وقد مات كاتبُها في 23/1/1923 وهي لما تكتمل.. وأغلب الظن أنها لم تكن لتكتمل حتى ولو عاش هاشيك عشر سنوات أخرى، أو أكثر.
أنا أعتقد أن الشرط الأساسي الذي يجب أن يتوفر في كاتب يريد أن يبدع عملاً عبقرياً، كهذا العمل، هو ألا يكون الكاتب (آدمياً)!.. أقصد ألا يكون من النوع العاقل، النظامي، الطيوب، الذي يتناول عشاء خفيفاً خالياً من الشحوم والكوليسترول، ويسهر ساعتين بعد الطعام، ثم ينام، ليستيقظ باكراً ويذهب إلى عمله وهو في قمة النشاط والحيوية، ثم يعيش مئة سنة، ويموت بسلام، ليُشْطَبَ اسمه من سجلات الأحياء، وكأنه لم يكن حياً قط.
كان ياروسلاف هاشيك رجلاً بوهيمياً عرك الدهر، والدهرُ عركه، وقهره، وأذله، وجعله عاجزاً عن تسديد ثمن (نصية العرق ِ) التي كان يشربها يومياً في خمارة كأس القربان، مع المتسكعين، والمدمنين، والسكارى، والمخبرين الذين يأتون إلى الخمارة لأجل أن يلتقطوا أية جملة طائشة تجعل قائلَها يذهب في خبر كان المحذوف.
وحينما جاءه أحد أصدقائه وعرض عليه فكرة كتابة رواية على هيئة حلقات أسبوعية متسلسة في تلك المجلة قال له بحماسة: موافق.. قالها وهو لا يمتلك – على ما أتخيل – أيَّ مشروع روائي جاهز، ولكنه، يعرف نفسه جيداً، ومطمئن إلى أنه قادر على كتابة ما يريد، في أية لحظة، شريطة أن تلتمع في ذهنه فكرة ما، أو شخصية ما يبني عليها معمارَه الروائي.
وكانت الفكرة.. وهي التالية: كيف يمكن لشخص طيب، وصادق، ومخلص، ومسالم، أن يعيش في غابة من الذئاب، والنمور، والبلدوزرات البشرية الكاسحة، وكُتّاب التقارير، وأزلام الإمبراطور فرانتس يوسيف، والمعارضين للحرب وللإمبراطور، وصناع الحرب، دون أن يصيبه أذى؟
ولكيلا تكون الشخصية المذكورة هشة جداً، وقابلة للاندحار، ومن ثم الزوال، فقد ذهب هاشيك إلى إغناء شخصيته بصفات مناقضة للصفات الأساسية التي تتمتع بها. فالجندي شفيك طيب، ولكنه يتمتع بشىء من الخبث الذي يحميه من الوقوع في المآزق القاتلة، صريح، ولكنه، في بعض المواقف، يلف ويدور ويتغامض... مسالم، ولكنه في بعض الأحيان يضطر لأن يكون صدامياً، اقتحامياً.. وأما سلاحه الأساسي فهو الحكايات.
إن سرد الحكايات، ضمن هذه الملحمة الروائية العظيمة، وهو سرد ذو طبيعة معقدة، وينبني على عدة محاور. فالراوي الأصلي ياروسلاف هاشيك يحدثنا عن سيرورة حياة الجندي الطيب شفيك، بضمير الغائب، وهي حياة عجيبة، فشفيك يعيش في خضم بحر سياسي واجتماعي مضطرب، في بلاد تلتهمها الحرب، والويلات، والجوع، والتشرد، وشفيك، هو الآخر، يسرد الحكايات.. فيكون لدينا ما يمكن أن نسميه (الحكاية في قلب الحكاية).
الشيء المضحك، رغم تراجيدية الحالة، هو أن شفيك يروي حكاياته في مواقف غير مناسبة. فهو يكون واقفاً في حضرة ضابط لئيم، لا يسمح لأحد أن يتنفس في حضرته، وفجأة يباشر بسرد قصة يبدو من مقدمتها أنها طويلة، فما ترى الضابط إلا وهو يندهش، ويبدأ غيظه بالتصاعد، ومع ذلك يكون مضطراً لسماع تتمة الحكاية، لكي يعرف إلى أين يريد هذا الجندي العجيب أن يصل بكلامه، وحينما يصل شفيك إلى القفلة، ترتفع وتيرة ضحك القارئ وهو يرى الضابط يغضب حتى يخرج عن طوره، ويقول أشياء لا يجوز لمثله أن يقولها في مثل هذا المقام!
مثلاً، في أحد فصول الرواية، لم يكن شفيك يريد أن يمنع الخادمة من الانتحار، لأن قرار إنها حياتها، بحسب رأيه، شأن خاص بها وحدها.. ولكنه وجد من واجبه أن يُرشدها إلى أفصل السبل التي ينبغي عليها اتباعُها لئلا تفشل المحاولة!.. فلو أسقطت نفسها من النافذة – كما كانت تخطط – فربما سقطت على تراب ناعم، وتعرضت لكسور في جسدها تسبب لها آلاماً لاحقة، وعطلة عن العمل، ولا تموت، وربما سقطت فوق الأشجار الخاصة بالجار صاحب الحديقة، وألحقت بالأشجار أضراراًُ تدفع الجار إلى إقامة دعوى عليها وعلى صاحب المنزل.
الأفضل أن تلقي نفسها فوق مكان صلب، وبقوة، حتى يؤدي الارتطام بالأرض إلى الوفاة الفورية.. وهذا هو عين العقل!.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 897

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




لدكتور نائِل اليعقوبابي
لدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة