المقالات
السياسة
ملامح من سياسة السودان الخارجية (3) .من ʼالعزلة المجيدةʻ والفورة الثورية إلى ʼالحالة الفِنْلَنْديَّةʻ
ملامح من سياسة السودان الخارجية (3) .من ʼالعزلة المجيدةʻ والفورة الثورية إلى ʼالحالة الفِنْلَنْديَّةʻ
10-21-2014 09:41 AM


هذه هي الحلقة الثالثة من دراسة نُشرت أصلا باللغة الإنجليزية كجزء من كتاب (Sudan since Independence) الذى صدر في لندن عام 1986. ورأيتُ ترجمتها ونشرها في حلقات لعدة اسباب منها اولاً حلول الذكرى الخمسين لثورة أكتوبر، وثانيا شح المراجع وقلة الكتابات عن السياسة الخارجية باللغة العربية لتلك الفترات، وثالثا كمقدمة لدراسة أقوم بها عن السياسية الخارجية للدولة الطريدة Pariah State)) التي ابتُلينا بها منذ ربع قرن ونيّف. وتوخيت عند الترجمة الالتزام بما ورد في الأصل ما عدا اضافة بعض المعلومات من مراجع لم تكن متاحة لى في مطلع الثمانينات.

ثورة أكتوبر والفورة الرادكالية في السياسة الخارجية (1964-1965):
لم تكن المبادئ العامة الموجهة للسياسة الخارجية التي أعلنها رئيس وزراء الحكومة الانتقالية سرالختم الخليفة في 30 اكتوبر1964 تختلف كثيرا عن توجهات السياسة الخارجية التي اتبعتها الحكومات السابقة. ولكن ما كان مختلفا بالتأكيد هو طبيعة الثورة والقوى التي فجرتها والوجهة التي اتخذتها لفترة قصيرة من الزمن. فقد كانت الاطاحة بحكم عسكري بواسطة المدنيين ظاهرةً فذّةً في وقت استولى فيه العسكر وحافظوا على السلطة في العديد من البلاد. وكما ذكر مراقب أجنبي حينذاك: "لقد كانت الثورة حدثاً فريدا في تاريخ افريقيا إن لم يكن في العالم أجمع. ذلك أنها لم تتحقق بواسطة زمرة منافسة من الضباط أو بجماهير مسلحة من الرعاع أو بواسطة سياسيين مدعومين بقوىً خارجية ولكن بمجموعة من المثقفين قاموا بتعبئة الرأي العام وأقنعوا الرئيس عبود وحكومته بالاستقالة". (East African Standard, Nairobi, 20 January 1965)
وحقيقة الأمر فقد كان الجو العام في الخرطوم في أعقاب الثورة أقرب ما يكون لبلاد تحتفل للتو باستقلالها لا لبلاد مضى على استقلالها تسعة أعوام، فقد كان هناك شبه توافق قومي على المبادئ وشبه إجماع على الأولويات وتمازجَ الاحساس الجماعي بالإنجاز الذى تم مع التفاؤل المتطلع لما يمكن تحقيقه. كان هناك لأول مرة شعور بوضوح الرؤية وبأن الثورة جعلت ممكنا، ان لم يكن محتما، بزوغ السودان كقوة ديناميكية فاعلة في قلب أفريقيا وأقترن بهذا الشعور، أو نبع عنه، عزم وتصميم بألا يكون هناك تناقض او تضارب بين الأهداف المعلنة والممارسة الفعلية في سياسة السودان الخارجية كما كان في السابق. تلك على الأقل كانت الرؤية التي استلهمتها القوى التي عارضت حكم العسكر وعانت تحت نظامهم وقادت الانتفاضة الشعبية التي أطاحت به.
إن الاطاحة بنظام عبود كانت بالفعل مؤشرا لقطيعة حاسمة مع سياسات العزلة السلبية التي انتهجتها الحكومات السودانية في الماضي. فمساندة النظام الجديد للحركات الثورية في الدول المجاورة والتزامه بقضايا التحرر في العالم الأفريقي والأسيوي كان ردة فعل عفوية للطبيعة المحافظة للطغمة العسكرية، ولكن تم تفسيرها وتبريرها أيضا من وجهة نظر المصلحة الذاتية، فالسياسة الخارجية الثورية تمت رؤيتها أيضا كضرورة للمحافظة على وتيرة وتناغم مسيرة الثورة في الداخل. إن الطبيعة السياسية للحكومة الانتقالية أظهرت بوضوح أنها لن تكتفي بقتل الوقت أو تزجيَته في المشاهدة لحين تسليم السلطة لحكومة منتخبة. فبالرغم من أن الحكومة الانتقالية جاءت للسلطة بسند شعبي واسع الا أنها لم تكن تمثل كل قطاعات المجتمع بالمفهوم الحزبي للتمثيل الديمقراطي. فأغلبية الوزراء جرى ترشيحهم من جانب الجبهة الوطنية للهيئات المهنية والتي برزت للوجود مع أول إرهاصات الثورة لتنظّم وتقود العصيان المدني والأضراب السياسي الذى أطاح بالنظام السابق. فالجبهة كانت هي السلطة من وراء الحكومة (eminence grise) خلال الخمسة أشهر الأولى وكان للحزب الشيوعي السوداني وحلفائه من اليسار نفوذا طاغيا فيها.
وبالرغم من توافق هذه الرؤية مع قراءة السفارة الامريكية للأحداث إلا أنه كانت لها تحفظاتها والتي عكست أيضا مخاوفها ففي تقريرها لواشنطون بتاريخ 30 اكتوبر ذكرت أنه "صار واضحا أن الشيوعيين يريدون قيادة هذه الثورة، التي مضى عليها أسبوعان، أو على الاقل يريدون استغلالها. إنهم يقولون أنهم كانوا أكثر الاحزاب التي عارضت نظام عبود العسكري، وهذا صحيح. لكن، هل يؤهلهم هذا لقيادة هذه الثورة؟ هل وضعوا في الاعتبار قلة عددهم، حتى في العاصمة والمدن الكبيرة، ناهيك عن في كل السودان؟ هل يعرفون ماذا يفعلون؟ أو ،ن موجة الحماس الشعبي والثوري حملتهم معها... وفي الجانب الآخر، رغم أن الاحزاب التقليدية، مثل حزب الامة، والحزب الوطني الاتحادي، وحزب الشعب الديمقراطي، لم تقاوم النظام العسكري بمثل شجاعة، وجرأة، وتضحيات الشيوعيين، تظل هي احزاب أغلبية السودانيين ..." ومن الغريب أن كل من محمد احمد المحجوب وزير الخارجية في حكومة أكتوبر الاولى والصادق المهدى التقى بالمسؤولين في السفارة الامريكية في الخرطوم كل على حدة في الاسابيع الاولى للثورة للتعبير أيضا عن تخوفهم من تصاعد نفوذ الشيوعيين في المدى القصير مع التقليل في نفس الوقت من عددية التواجد الشيوعي داخل الحكومة الانتقالية والتأكيد على مقدرة الاحزاب التقليدية في تحجيم الحزب الشيوعي وحلفائه في اليسار حال قيام الانتخابات (وثائق امريكية عن ثورة اكتوبر، ترجمة محمد علي صالح، صحيفة الراكوبة، 09-27-2014 ). هل كان الغرض من تلك اللقاءات استعراض قوة الأنصار وحزب الأمة؟ أم كانت لطمأنة الامريكيين لتحاشى دعمهم لتحرك عسكري مضاد كما تحدثت الشائعات التي ملأت الشارع السياسي وأدت لليلة (المتاريس) الشهيرة في الخرطوم حينذاك؟ مهما يكُن من أمر فقد انعكست رؤية زعيمي حزب الامة على تقارير السفارة أو تطابقت معها وبالتي على المنظور الأمريكي للأمور وكما برهنت الأحداث لاحقا فان تلك القراءة للوضع السياسي ومآلاته لم تكن بعيدة عن الواقع.
ورغم الحديث والمخاوف الداخلية والخارجية عن الهيمنة الشيوعية فمن الخطأ النظر إلى السياسة الخارجية التي انتهجتها حكومة أكتوبر على أنها استراتيجية أو مؤامرة شيوعية. لقد تنامى نفوذ الشيوعيين كالعادة وهم تحت الحظر والإقصاء ونتيجة لذلك أصبحوا في طليعة المقاومة لحكم العسكر، وبعد انهياره برزوا كأكثر الأحزاب تنظيما على الساحة وكان طبيعيا أن اتجهوا للتأثير على مجريات الأمور داخليا وفي الشأن الخارجي ولكن بوصول السلطة إلى أيدى المجموعات المدنية والمهنية أصبح حتميا توجه السودان نحو اليسار، وفي ذلك المناخ السياسي الثوري داخليا واقليميا أضحى انتهاج توجه جديد ومغاير في السياسة الخارجية أمرا لا مفر منه.
وسرعان ما اتضحت خطوط التوجه الجديد عندما قرر مجلس الوزراء في نوفمبر 1964 رفض تسهيلات الهبوط للطائرات البريطانية التي تحمل أفرادا ومعدات عسكرية في طريقها لعدن. وأدانت الحكومة هبوط المظليين البلجيكيين في (ستانليفيل) وتواطؤ الولايات المتحدة فيه ودعت منظمة الوحدة الأفريقية لاتخاذ عملٍ جماعي ضد "العدوان الإمبريالي" في الكنغو. وأهم من ذلك كان قرار الحكومة تقديم الدعم الفوري للثوار الكنغوليين (السيمبا) ولحركة التحرير الأرترية. وبحلول يناير كانت الأسلحة الجزائرية والمصرية تأخذ طريقها عبر الخرطوم إلى ثوار (السيمبا) على حدود السودان الجنوبية.
ومن سوء طالع الحكومة السودانية أن شحنات الاسلحة تلك وصلت للثوار الكنغوليين في الوقت الذى بدأ فيه تراجعهم أمام مرتزقة تشومبى البيض وتدفقهم فارين عبر الحدود السودانية. لم تعد أسلحتهم الجديدة ذات فائدة لهم إلا للمقايضة مقابل الطعام والشراب وبالتالي وجدت تلك الأسلحة طريقها إلى قوات الانيانيا في الجنوب. وهكذا قوى التدفق المفاجئ للأسلحة في الجنوب من الموقف العسكري للانيانيا والتي كانت قد تلقت ضربات موجعة من الجيش السوداني في الشهور الأخيرة لحكم عبود.
والأخطر من ذلك أنه بعد هزيمة ثوار (السيمبا) بدأت حكومة تشومبي في تقديم المساعدات والدعم للثوار الجنوبيين. كانت الانيانيا في الماضي قد وجدت طريقا آمنا للأسلحة عبر يوغندا وكينيا وأثيوبيا ولكن لم تقم أي من حكومات تلك الدول بتقديم المساندة النشطة والعلنية لها. ولعل الدوافع التي حدت بتشومبى لتغيير ذلك الوضع ومساعدة الأنيانيا في جانب منها ثأري برد الصاع صاعين لحكومة السودان وفي جانب آخر عسكري بمطاردة فلول قوات (السيمبا) التي تشتت عبر الحدود السودانية وضمان مساعدة قوات الأنيانيا في مطاردتها.
إن تدخل تشومبى في الوضع المتردي أمنيا في الجنوب أدخل عاملا جديدا ومنذرا بعواقب وخيمة في مشكلة شائكة أصلا لم تكن بحاجة لتعقيدات جديدة، كما أعطى قدرا من المصداقية لاتهامات الخرطوم بضلوع اسرائيل في مساندة الأنيانيا. وفي مذكرة احتجاج لمنظمة الوحدة الأفريقية في مارس 1965 عن خروقات سلاح طيران تشومبى للمجال الجوي للسودان لفت السودان النظر إلى "الادلة التي لا يتطرق إليها الشك لمؤامرة عالمية متشعبة الأطراف من أجل أن تعم الفوضى والتخريب كل الدول الأفريقية المجاورة للكنغو". (Khartoum News Service, 7 March 1965). ولكن باستمرار انتهاكات تشومبى لحرمة الأراضي السودانية وتزامُن ذلك مع تردى الوضع الأمني في الجنوب، تزايدت القناعة في الخرطوم خاصة في الأوساط اليسارية أن الرادكالية الأفريقية التقدمية التي يمثلها السودان قد أضحت هدفا لهجوم الإمبريالية الغربية وحلفائها في أفريقيا. وبالمقابل فقد أدت تلك القناعة لنقلة في تصور طبيعة مشكلة الجنوب من شأن داخلي يتعلق بمصاعب الانصهار القومي إلى شأن عقائدي يتعلق بالصراع الخارجي بين الامبريالية الرجعية والراديكالية التقدمية. وقد يكون ذلك الخلط قد ساهم في فشل التوصل لتسوية سلمية رغم كل المبادرات الطيبة التي أبدتها حكومة أكتوبر في تعاطيها مع مشكلة الجنوب.
وبينما كان انتباه الخرطوم مشدودا في اتجاه الجنوب بدأ وضع خطير يتطور على حدود السودان الشرقية. ففي يناير 1965 حدثت اضطرابات حدودية أثارتها قوات الأنيانيا بتنشيط عملياتها من قواعد داخل الأراضي الأثيوبية. وكان واضحا منذ البداية أن مصدر التوتر الجديد على الحدود الشرقية هو قلق أديس أبابا المتزايد من الدعم الشعبي والرسمي الذى منحه السودان لحركة التحرير الإرتيرية. ففي مؤتمر صحفي في ديسمبر وصف سفير أثيوبيا في الخرطوم قادة جبهة التحرير الارتيرية بأنهم "لا يمثلون أحدا غير أنفسهم" وطالب الحكومة بعدم مساندتهم(Khartoum New Service, 18 December 1964) ومن وجهة نظر الحكومة الأثيوبية فان توجه الأحداث في السودان كان حقيقة مدعاةً للقلق، فنظام هيلا سيلاسى كان يواجه تحديات في مجال السياسة الخارجية نابعة من تعقيدات في وضعه الداخلي. ففي الشرق كانت علاقته مع الصومال متوترة وظل مصير أرض الصومال الفرنسية المهمة استراتيجيا غير محسوم. وفي ذات الوقت تزايد النفوذ المصري في البحر الأحمر وفي جنوب الجزيرة العربية مما شكل تحديا للحكومة الاثيوبية الموالية للغرب. فلم يكن من السهل على الأثيوبيين تجاهل مصدر تهديد جديد من نظام سوداني عدائي على الحدود الغربية خاصة وأنه أثار مخاوفهم مما اعتبروه "تطويقا اسلاميا" (‘an Islamic encirclement’) يشكل السودان والصومال فيه قُطْبَي الرّحى. وبغض النظر عن صحة أو توهم تلك المخاوف فقد كانت دافعا قويا لأديس أبابا للتحرك ضد الصومال بتوقيع اتفاقية دفاعية مع كينيا وضد السودان بمنح الملجأ والمساندة لقوات الأنيانيا.
وفي تعاملهم مع السودان ذهب الأثيوبيون الى أكثر من تشجيع التمرد في الجنوب. ففي أبريل 1965 وردت تقارير بأن مجموعة من المزارعين الأثيوبيين توغلوا مسافة 45 ميلا داخل السودان وبدأوا زراعة الأرض تحت حماية قوة من الشرطة ( صحيفة الزمان، الخرطوم، 10 مايو 1965). بل إن الأمر تعدى ذلك إلى انتهاكات واعتداءات أكثر جرأة وامتهانا للسيادة السودانية فقد قام عملاء أثيوبيون بسلسلة من التفجيرات في مساكن قادة المقاومة الأرتيرية، وفي بعض تلك الهجمات الإرهابية في مدينة كسلا فقدَ عدد من السودانيين أرواحهم.
وكأن المتاعب والمضايقات من الكنغو وأثيوبيا لم تكن كافية فقد كان قَدَر السودان التعامل مع مصدر جديد للمشاكل في يونيو 1965 عندما قام الرئيس التشادي (تومبلباى) بالتهديد بطرد المواطنين السودانيين ومصادرة ممتلكاتهم في تشاد كرد فعل على ما زعم أنه إيواء السودان لبعض المنفيين التشاديين وأعلن في خطاب عام أنه "اذا لم يُعِد السودان هؤلاء المغامرين من الخرطوم فإنه لا يمكنه الاعتماد على ممارسة تشاد تجاهه سياسة حسن الجوار" ( (Africa Diary, London, 17 July 1965 وكان التهديد واضحا بأن تشاد قد تفتح حدودها للمتمردين من جنوب السودان.
وكما قوَّضت مشكلة الجنوب سلطة الطغمة العسكرية فإنها أيضا أضحت "كعب أخيل" (Achilles heel) لحكومة ثورة اكتوبر، ولا يخلو ذلك الوضع من مفارقة فقد كان الاحتجاج في الشمال على سياسة العسكر في الجنوب بمثابة الشرارة التي أشعلت فتيل الثورة وأطاحت بالحكم العسكري. كما كان حل المشكلة سلميا من أولويات الحكومة الانتقالية التي بدأت جادة في التوصل لحل سلمى. ففي بادرة تصالحية أوحت بحسن النية اعترقت الحكومة في نوفمبر 1964 بأن القوة ليست الحل وأعلنت وقف إطلاق النار والعفو العام وأرفقته بنداء لقادة التمرد بالمشاركة في صياغة تسوية سلمية. وقد رحبت دول شرق افريقيا فورا بتلك السياسة الجديدة وفي يناير 1965 وقَّعت يوغندا والسودان اتفاقية بتشكيل لجنة مشتركة للإشراف على عودة اللاجئيين الجنوبيين. وفي كينيا ناشدت الصحافة القادة الجنوبيين التعاون مع الحكومة الجديدة و"ترْك الماضي يدفن الماضي القديم لان المهم بالتأكيد هو أن يكون الجميع سودانيين".( East African Standard 20 /1/1965)
أن تغير موقف شرق أفريقيا اوضح جليا أنه لا أحد من الدول الأفريقية المجاورة والتي تعانى كلها من مشاكل الانصهار القومي للأقليات يحبذ فكرة انفصال الجنوب. فقد ذكرت صحيفة (ايست أفركان ستاندارد) الكينية في مارس 1965 أن المطلب الجنوبي بالانفصال "قد تكون له عواقب وخيمة للسودان وأفريقيا...فقد يرسم خطا فاصلا بين أفريقيا المسلمة وغير المسلمة وقد يخلق دولة جديدة تفتقد المقومات الأساسية وتغدو معادية للدولة الأم وفريسة لمناورات الحرب الباردة ".
ولكن الآمال العريضة في تسوية سلمية سرعان ما تبددت. فمؤتمر المائدة المستديرة الذى عقد في الخرطوم في مارس 1965 للوصول لصيغة عملية لحل مشكلة الجنوب فشل في الوصول لتسوية. وبالرغم من بعض التنازلات التي قدمتها الأحزاب الشمالية الا أن الارضية المشتركة بين الطرفين لم تتسع بما فيه الكفاية. ففي حين قدم الشماليون عروضا من الحكم الإقليمي لم تصل لحد الحكم الفيدرالي فإن الجنوبيين مع قبولهم بفكرة السودان الواحد أرادوا اتحادا كونفيدراليا فضفاضا. كما أن الوضع في الجنوب لم يكن مواتيا لاتفاق سلمى فقد كانت الأنيانيا تزداد قوة بفضل مساندة ودعم الدول المجاورة التي استعدتْها سياسةُ السودان الرادكالية. وفي الظروف السائدة حينها فإن قادة الأنيانيا مالوا لتفسير أي بادرة تنازل من الشمال على أنها دليل ضعف ووهن.
أدى الفشل في حل مشكلة الجنوب إلى تقويض السياسة الخارجية لحكومة أكتوبر. فالسودان لم يكن قادرا على التدخل النشط في حركات التحرر الأفريقية والتي كانت في غالبيتها ذات توجهات انفصالية من غير أن يقود ذلك لتدخل مضاد في مشكلة الجنوب من الأطراف المتضررة. ومما زاد الامر تعقيدا أن الوضع السياسي الداخلي كان يمر في ذات الوقت بأزمة سياسية نتيجة لمطالبة القوى التقليدية (حزبي الأمة والوطني الاتحادي) بنصيب أكبر وبنفوذ أكثر في الحكومة الانتقالية. وقد اتهمت تلك الأحزاب العناصر الرادكالية التي تسيطر على الحكومة بأنها "تسير في ركاب الحزب الشيوعي" ( صحيفة النيل 9 فبراير1965) ومن جانبها اتهمت المجموعات اليسارية الأحزاب التقليدية بانها " تشن ثورة مضادة لتصفية ثورة اكتوبر والقيم التي قامت عليها" ( صحيفة الميدان 13 فبراير 1965) وأدت تلك الأزمة السياسية إلى تعديل وزاري في فبراير 1965 أعطى تمثيلا أكبر للقوى التقليدية في الحكومة الانتقالية. (ويبدو أن السفارة الامريكية في الخرطوم قد تنبأت بهذه النتيجة للأحداث منذ الأيام الاولى لثورة اكتوبر وربما لعبت دورا في تحقيقها فقد جاء في تقرير لها بتاريخ 30 اكتوبر 1964 الذى سبقت الإشارة إليه: "نعتقد أننا لم نشهد نهاية هذا الصراع الذي بدا، ربما منذ أول يوم لهذه الثورة التي اطاحت بنظام عسكري قوي. نعتقد أن الشهور القليلة القادمة، وربما الاسابيع القليلة القادمة، ستشهد تطورات تعيد السودان إلى طبيعته التقليدية (الرجعية)، فحتى في مصر الناصرية، وحتى في سوريا والعراق، حيث تشتعل نيران القومية العربية، لا يسيطر الشيوعيون على البلاد كما يسيطر شيوعيو السودان اليوم"). ولعل في ردة الفعل التي بيَّنتها تلك التطورات أكبر دلالة على أن الساحة قد جرى تجهيزها لتراجع السودان عن اندفاعه الثوري الأول. ففي يونيو 1965 جرت انتخابات عامة في شمال السودان أعادت للسلطة حكومة ائتلافية من الامة والوطني الاتحادي برئاسة محمد أحمد المحجوب. وكانت الحكومة بطبيعتها محافظة ولم يكن التراجع عن الراديكالية عملا يتطلب منها مساءلة النفس، فعندما عرض المحجوب سياسة حكومته أمام الجمعية التأسيسية في 28 يونيو أكد التزام الحكومة بمبادئ وقيم السياسة الخارجية لثورة أكتوبر ثم غادر على الفور ومن دون أن يطّرِف له جفن إلى أديس أبابا ليوقع على اتفاقية مع أثيوبيا تحظر النشاطات المعادية لكل من البلدين في البلد الآخر.
وهكذا في فترة وجيزة نسبيا وصلت ثورة اكتوبر مثل الكثير من الثورات الصغرى والكبرى في التاريخ إلى (ردة الفعل الثرميدورية) (The Thermidorian Reaction) التي تأكل فيها الثورات أبنائها أو ينحسر فيها المد الثوري وفي كثير من الأحيان بنفس السرعة التي تفجَّر بها.

في الحلقة القادمة: فنْلنْدنة (Finlandization) السياسة الخارجية لنظام نميري (1969-1985)
mbhamid@yahoo.com
=
21 اكتوبر 2014
رابط الحلقات السابقة:

http://www.alrakoba.net/articles-act...w-id-54237.htm
http://www.alrakoba.net/articles-act...w-id-54328.htm


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 653

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1131070 [المتجهجه بسبب الانفصال]
1.00/5 (1 صوت)

10-21-2014 11:27 AM
تسلم يا دكتور ،، وزادك الله علما وصحة،،،،

[المتجهجه بسبب الانفصال]

محمد بشير حامد
محمد بشير حامد

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة