المقالات
السياسة
أسباب انخفاض الدولار والعملات الخليجية أمام الجنيه
أسباب انخفاض الدولار والعملات الخليجية أمام الجنيه
10-23-2014 12:21 AM



يعمد البعض اليوم إلى الإستعانة بالتحليل المالي والإقتصادي الأكاديمي البحت للوصول إلى تفسير مقنع للإنخفاض المفاجيء في أسعار العملات الأجنبية الرئيسية المتداول بها مقابل الجنيه في الأسواق السودانية . وهي الدولار الأمريكي ، الريال السعودي ، الدرهم الأماراتي بوجه خاص.

واقع الحال فإنه .. وفي إقتصاديات الأسواق الفقيرة ذات الإنتاج الضعيف . والتي تنعدم فيها الشفافية .... وتختلط فيها مياه الإقتصاد النقي بمياه المجاري السياسية ....... فإنه لا يمكن اللجوء إلى تفسيرات إقتصادية ومالية أكاديمية وفق النماذج المتعارف عليها ؛ والمستوحاة من علم الإقتصاد المخـزون في مؤلفات ومراجع وطباشير الأساتذة والمعيدين في الجامعات والمعاهد العلمية المتخصصة.

قوة عملة محلية ما تعتمد إعتماداً تاماً على كمية وقيمة الإنتاج الزراعي والحيواني خاصة .. ثم والصناعي والتكنولوجي والسياحي بوجه عام.... وبمعنى مبسط فإن قوة عملة دولة ما تتوقف على حجم وقيمة الإنتاج.

وفي دولة مثل بلادنا السودان . فإن الذي ينبغي النظر فيه وسبر أغواره عند محاولة تفسير إرتفاع العملة المحلية في مواجهة العملات الأجنبية الرئيسية التي نتعامل بها (الدولار / الريال / الدرهم) ..... الذي ينبغي سبر أغواره هنا هو النظر في حجم وقيمة المنتجات الزراعية والحيوانية السودانية .... حجمها .. نوعيتها وجودتها .... فإن لم يكن هناك إنتاج يدعم الصادرات وترفد عائداته الإستيراد ... فإن الأسباب تكمن في مناحي أخرى غير شرعية .. وما أكثرها في عالم اليوم .

واقع الأمر فإن أي مسح كمي لحجم المنتجات الزراعية والحيوانية الإستراتيجية السودانية ؛ لا يعطي المبرر والتفسير المنطقي للإرتفاع الدراماتيكي الأخير للعملة السودانية مقابل العملات الثلاث المشار إليها.

وعليه ؛ فإنه في غياب أحجام الإنتاج الكبير في جانب المحاصيل الزراعية والمنتجات الحيوانية التي تدخل مباشرة في سوق الصادر وتغطية الطلب المحلي للمستهلك ... فإنه لا يجوز التعويل على أسباب إقتصادية حقيقية لإرتفاع قيمة الجنيه .
ولعلنا نذكر هنا بغياب مداخيل إنتاج الذهب والبترول عن قائمة الموارد في ميزانية الدولة ؛ بحسب تصريحات وزير المالية المتكررة. .. اللهم إلا إذا كانت هناك تعديلات قد جرت دون إعلان.

واقع الحال فإن إرتفاع العملات الأجنبية وإنخفاضها في أسواق الدول الفقيرة والمتخلفة إقتصاديا وسياسياً ، وتنعدم فيها الشفافية وتسود ظاهرة الضبابية وسرقة المال العام والفساد المقرف ... .. يرتبط ارتفاع العملات الأجنبية وإنخفاضها إرتباطاً وثيقا بمدى تقدير السماسرة وتجار العملة .. وبعض المتنفذذين الذين يتكسبون من المنصب العام ويستغلونه مصدراً للتربح . ويستغلون سلطاتهم في الضغط على السماسرة وتجار العملة للحصول على مزيد من نسبة العمولات المئوية مقابل بسط الحماية عليهم وتغطية مؤخراتهم المكشوفة أمام الأجهزة الرقابية الرسمية للدولة
.
إن أكثر الأدلة على هذا الواقع الوهمي يتلخص في عدم إنخفاض الأسعار المحلية في سوق التجزئة للمستهلك العادي ....... أسعار سوق التجزئة التي تشكل المرآة الحقيقية للنمو الإقتصادي والوفرة ولهبوط وصعود العملة المحلية في أية بلد ... وتشمل سوق التجزئة المشار إليها هنا على سبيل المثال : السكر والدقيق والرغيف واللحوم والخضروات والمواصلات .... إلخ.

لا بل ونلاحظ أن الأسعار في كافة بنود المنتجات المحلية من لحوم ومحاصيل وخضروات وفاكهة قد ظلت على ما هي عليه من إرتفاع ... وهو ما يؤكد أن إنخفاض العملات الأجنبية الرئيسية المتداولة في أسواقنا مقابل الجنيه السوداني إنما تعود لأسباب لاعلاقة لها بالإنتاج والنمو الإقتصادي ؛ سواء من قريب أو من بعيد .. وبالتالي فإن الإرتفاع الحالي سيظل مجرد (فــقـاعـة) ..... وهو يتلخص في الأسباب التالية:
1) أسباب إنخفاض قيمة الدرهم الأماراتي:
أ‌- زيادة كمية المعروض بسبب عودة كثير من الأفراد والأسر السودانية لقضاء إجازاتهم السنوية ..... وكذلك وفود آلاف من طلاب الشهادة الثانوية للإلتحاق بالجامعات والمعاهد العليا السودانية.
ب‌- قرار السلطات في دولة الأمارات العربية المتحدة بوقف منح المواطنين السودانيين تأشيرة دخول سياحية .. وهو ما أدى إلى إنخفاض الطلب على الدرهم سواء من قبل رجال الأعمال وتجار الشنطة ... أو حتى أقرباء المقيمين في الأمارات.

2) إنخفاض قيمة الريال السعودي:
أ- زيادة المعروض وقلة الطلب ؛ على نحو شبيه بتلك الأسباب الكامنة وراء إنخفاض الدرهم الأماراتي .. بالإضافة إلى إنتهاء موسم الحج.

3) إنخفاض قيمة الدولار الأمريكي:
أ‌- زيادة المعروض وقلة الطلب على نحو مماثل (تقريباً) لتلك الأسباب الكامنة وراء إنخفاض الدرهم الأماراتي من جهة ، والريال السعودي من جهة أخرى.

ب‌- زيادة المعروض من عملة الدولار بسبب عمليات (غسيل أموال) ضخمة تجري عبر السودان في الوقت الراهن.

ت‌- تراخي النشاط المسلح ضد الحكومة السودانية و (ربما توقفه) بشكل ملحوظ على كافة الجبهات بسبب الفعاليات الخاصة بأطروحات الحوار السلمي الجارية ... وإلى حيـــن.

ث‌- وعلى العكس من إنخفاض طلب الحركات السودانية المعارضة المسلحة للدولار بسبب قلة مشترياتها من السلاح وقطع الغيار والناقلات ؛ وتمويل شراء الذمم ، ولوجستياتها ، وإستخباراتها المحلية ، ومصادر الإمداد الخفية في الداخل ...... فقد تدفقت للسودان المليارات من عملة الدور لتغطية مشتريات وعمليات تهريب السلاح إلى دولة جنوب السودان .. والتنظيمات المسلحة في ليبيا ... والحوثيين في اليمن.

4) تلاعـب السماسرة من تجار العملة:
وهذه إستراتيجية ثابتة معروفة نشأت خلال عهد مايو البائد .. وتكتيك ينبني عليها يهدف منه السماسرة وتجار العملة إلى إغراق السوق بكميات أكبر من حاجة المستوردين والمستهلك العادي لعملة الدولار . يترتب عليها إندفاع هؤلاء على التخلص مذعورين مما لديهم من دولار . وذلك ببيعه سريعاً خوفاً من مزيد تدهور لقيمته مقابل العملة المحلية..

ثم وبعد أن يطمئن السماسرة وتجار العملة إلى تدفق الدولار من جيوب المستهلك العادي وخزائن التجار . وتوفره في السوق بأسعار منخفضة .. يسارع هؤلاء السماسرة وتجار العملة إلى إجراء عمليات شراء موسعة سريعة خاطفة . ينتج عنها في نهاية المطاف عودة الدور الأمريكي إلى موقعه الطبيعي في مواجهة الجنيه السوداني المغلوب على أمره.

وعادة ما تنجح هذه الإستراتيجية والتكتيك المرافق لها المتيع من جانب السماسرة وتجارة العملة في السودان .. وسبب النجاح دائما يستند إلى واقع أن المواطن العادي والتجار عامة لايستطيعون الصبر طويلاً على الإحتفاظ بالدولار أو الدرهم والريال . فهؤلاء في حاجة ماسة إما لمقابلة (المواطن) لمنصرفاته اليومية والموسمية ... وإما لمقابلة المستورد لتمويل مستورداته من الخارج ؛ أو تمويل وسداد التاجر العادي في السوق المحلي لمشترياته من المستوردين وتجار الجملة ..... ثم وإستيفاء جميع هؤلاء لموقفه الإئتماني في السوق أمام البنوك وكبار الممولين والدولة ...... ولكل ما تقضيه دورة العجلة التجارية والإنتاجية في نهاية المطاف ؛ دون حاجة هنا للدخول في تفاصيلها وبيان جزئياتها وتوافذها المتعددة.

على أية حال ؛ فإنه وفي بلادنا .. ووفقا للواقع الإقتصادي المتخلف المعاش .. نسعى دائما لتذكير جهابذة العلم وأصحاب الكراسات بالقول : "رحم الله إمريٍ عرف قدر نفســه".

مصعب المشـرّف
22 أكتوبر 2014م

[email protected]


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 3866

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1133526 [معتز]
0.00/5 (0 صوت)

10-24-2014 01:23 AM
تحليل في محلو000تجار الكيزان مسيطريين ع كل مفاصل السوق

[معتز]

#1133182 [الفاتح الاسد]
0.00/5 (0 صوت)

10-23-2014 04:07 PM
كفيت ووفيت ، ولا زيادة على كلام زيادة، كما قال أحد السياسيين القدامى في احدى الندوات أيام الديموقراطية في السودان.

[الفاتح الاسد]

#1133137 [محمد عمر]
5.00/5 (1 صوت)

10-23-2014 03:13 PM
السلطات الإماراتية لم توقف تأشيرة الدخول للسودانيين .. أوقفتها من المصريين والتونسيين والجزائريين العمرهم أقل من 40 سنة

[محمد عمر]

#1133033 [ود الحاجة]
5.00/5 (1 صوت)

10-23-2014 01:14 PM
لقد قرأنا عدة مقالات لتفسير هذا الامر و الملاحظ أن كل المقالات تحتوي على افكار عامة و بدهية و لم يأت اي من هذه المقالات بارقام او معلومات .

أين المختصون و الخبراء ؟
ملاحظة : مقال الخبير او المختص يجب ان يحتوي على ارقام و معلومات جديدة وليس مجرد تكهنات

[ود الحاجة]

#1132827 [الإفريقي]
5.00/5 (1 صوت)

10-23-2014 10:12 AM
التحليل الذي قدمه الأخ مصعب عن اسباب الارتفاع الحالي في سعر صرف الجنيه السوداني امام الدولار واقعي جدا واتفق معه مئة بالمائة بان هذا الارتفاع مجرد فقاعة. وفي اعتقادي فإن الجنيه المأزوم سيعاود رحلته على خط سيره المعلوم سلفا الي أسفل طالما بقيت الأوضاع السياسية والاقتصادية المتأزمةعلى حالتها الراهنة..
ان الاوضاع الحالية للاقتصاد السوداني والتي تتمثل في تدهور الإنتاج في القطاع الزراعي والصناعي وتدني الصادرات وارتفاع الواردات علاوة على ارتفاع الاسعار ومعدلات التضخم، جميعها عوامل اقتصادية تؤدي لا محال الي انخفاض سعر صرف الجنيه السوداني وليس لارتفاعه كما هو حادث حاليافي هذه الأيام. وهذه لعمري لظاهرة فريدة من نوعها تجافي قواعد واسس علم الاقتصاد. وبالتالي يتوجب علينا البحث عن الاسباب الحقيقية لهذه الظاهرة الأعجوبة خارج الاطر العلمية للنظرية الاقتصادية كما تفضل الأخ مصعب مشكورا في مقاله.

[الإفريقي]

#1132788 [محاسن ام الفارس]
5.00/5 (1 صوت)

10-23-2014 09:55 AM
كلام جميل وعلمي , بس كنت تقولها واضحة يا مصعب بان تجار العملة والسماسرة الفعليين هم عصابة الحزب الحاكم بدءا بالبشير واخوانه محتكري الذهب والدولار , ومرورا بكبار الدستوريين وانتهاءا بنسوان كل هؤلاء وتوابعهم من المنظمات ال"خيرية" التي هي "سند" هذه التجارة وغسيل الاموال.

[محاسن ام الفارس]

#1132665 [عيادي]
5.00/5 (1 صوت)

10-23-2014 08:16 AM
مقال طويل وممل واسباب غير مقنعه

[عيادي]

#1132569 [دماحة مليجي]
0.00/5 (0 صوت)

10-23-2014 01:14 AM
غسيل الاموال ده ملف كبير انعش كمية من التجار والشباب

[دماحة مليجي]

ردود على دماحة مليجي
Saudi Arabia [الفاتح الاسد] 10-23-2014 04:09 PM
عيادي

جانبك التوفيق ولم تصدق في قولك وظلمت الراجل.


مصعب المشـرّف
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة