غابة الحيوانات المثالية ..!
10-29-2014 10:26 AM



حينما كنت صبياً لم أخرج من براحات خيالي الصغيرة وهي لا تتجاوز ساحة القرية التي يضيئها شعاع القمر وينتهي موعد إرسالنا فيها وإن تأخر بعد صلاة العشاء مباشرةً حيث تتنادى بنا أصوات الأمهات والأباء والجدات ..ومن ثم العشاء وشرب الحليب ومسوح الأرجل .. ثم الإصغاء للحكايات التي تتفاعل معها شاشة التخيل في إستحضار صور الغابة وأشكال حيواناتها التي تتصارع بفطرتها من أجل البقاء .. شعور الخوف يتمازج مع متعة تصور ذلك الصراع ثم نشوة رؤية الأسد وهو ينفض لبدته الكثيفة وقدحسم أمر الصراع كملك للغابة وليس مالكاً لها !
ذهب جدي الى الرفيق الأعلى منذ أربعين عاماً ولحقته جدتي قبل ثلاثين سنةً وحينما ذهبت لأبكي عند أطلال دارهما التي إتسعت بعدها دائرة خيالي وقد كانت صغيرة بحجم الحياة وقتها .. وجدت نفسي أعيش في غابة الإنسان التي يمتلكها أسدٌ عجوز وحوله كل الذين يتوقون لفتاتات اللحم والعظام التي إكتنزها داخل عرينه وجلس أمام بابه يطلب منهم الولاء وإلا سدْ عنهم منافذ رائحة النتانة التي يتلمظون حيالها !
الغابة التي بت ُأراها حقيقة اليوم ليست تلك التي تريد الحيوانات أن يحكمها ملكها القوي القادر على حمايتها ..وقد إستوعبت الدرس من أكل الثور الأبيض الذي راح ضحية بلادته وقلة فطنته : فأفتدى الثعلب الذكي بقية الكائنات فيها بأن ضحى بالأرنب ليكون لإفطار الملك و الغزال لغدائه والحمار لعشائه .. هكذا رسم لي جدي وجدتي المشهد في حكاياتهما التي شكلت خصوبة خيالي قبل ان أجد القصة في كتب المطالعة لاحقاً !
ولكنها غابة الإنسان الذي بعكس فطرة الحيوان يريد ان يفتدي قلة من ساكنيها بالأغلبية .. فيقرر ثعلبها الخائف والطامع بذكائه الخبيث أن الأسد العجوز له الحق في حجب مافي عرينه ليكون وقفاً على ذاته معددا مالم يكن في ذلك الأسد من صفات .. ولم يجروء أى نمر أو ذئب او صقر او حمامة على قول شيء إلا الهتاف بالمالك الخالد للغابة رغم إدراكم بانها لم تعد خضراء كما دخلوها وليست بالسعة التي تضاءلت لعدم حكمة أسدهم على صون مساحاتها وقلة قدرته على التحرك في الأحراش القريبة لتبادل المنافع مع اسودها القادرة على مساعدته في توسيع ممراتها التي ضاق مركزها بتدافع قاطنيها الجوعى والمقيدين في سلاسل عجزه الذي يراه الكل إلا هو و هتيفته من تابعيه من الثعالب و الخنازير الخائفة من زوال عرشه الذي يبشرهم بالمزيد من جيف عرينه المتهدم !
ذهب زمان جدتي وجدي بغابته التي لا يستنكر أيٌ كان صراعها الفطري لتجدد الحياة كما جبلت عليها حيواناتها التي لا تقتل إلا حينما تجوع .. على غير غابة زماننا من بعدهما التي لا يشبع أهلها ابدأً .. فيقتلون وهم متخمون إذ يضيرهم أن يتعشم الجوعى من بعدهم فيما يسد رمقهم .. فطفقوا من جديد يسترضون ملكهم العجوز .. بان بسطوا له وهم الخلود على موج بحر الحياة الذي يذهب أمام ريح التداول كسنة الأولين وقد تناسوا بعقلية المكر وخيبة الفساد .. أنه أغرق من قبلهم قوم فرعون وهم يدفعون به للحاق بموسى دون أن يمتلكوا ناصية مجاديف الإيمان التي أنجت النبي وصحبه و أهلكت المنافقين ..!

[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 814

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1137403 [ملتوف يزيل الكيزان]
0.00/5 (0 صوت)

10-29-2014 02:03 PM
على الشباب تكوين خلايا المقاومة المسلحة بالاحياء و دراسة الكتابات التي تتناول حرب عصابات المدن في تجارب الشعوب التي تحررت.

[ملتوف يزيل الكيزان]

#1137325 [شمشار]
5.00/5 (1 صوت)

10-29-2014 12:22 PM
بربك ماذا تتوقع ممن ترعرعوا بين موز ثعالب حديقة الحيوان و روث ابقار عزيز كافوري و كمونية مسالخ الدويم غير المكر و الخبث و خيبة الرجاء !!!!!!!!!!!!!

[شمشار]

#1137295 [حسان الرشيد الكلس]
0.00/5 (0 صوت)

10-29-2014 11:57 AM
جميل جداً إنت ياخى .. وحلوة الكتابة الرمزية ياهو حال البشير وزمرته المتلمظة .. تحياتى .

[حسان الرشيد الكلس]

محمد عبد الله برقاوي
محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة