المقالات
السياسة

11-04-2014 03:06 PM

الإسلام والدولة في سودان نميري (1) ...
(Islam and State in Numayr’s Sudan 1)
جبريل ر. واربورغ Gabriel R. Warburg
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة وتلخيص موجز لبعض ما ورد في مقال للبروفيسور جبريل ر. واربورغ، تم نشره في الدورية المحكمة "أفريقيا Africa" في عددها رقم 55 والصادر في 1985م.
ولد المؤلف – بحسب سيرته الذاتية المبذولة في الشبكة العنكبوتية - في برلين بألمانيا عام 1927م وهاجر مع عائلته وعمره سبعة سنوات إلى فلسطين وبقي بها حتى عام 1946م حين أكمل دراسته بكلية للزراعة، ثم درس تاريخ الدول الإسلامية في الجامعة العبرية بالقدس (1961 – 1964م) واللغة العربية وآدابها في جامعة لندن، والتي تحصل منها أيضا في عام 1968م على درجة الدكتوراه بأطروحة عن "إدارة الحكم الثنائي بين عامي 1899 – 1916م". عمل بعد ذلك أستاذا في جامعة حيفا حتى تقاعده في عام 1996م. ونشر الرجل الكثير من المقالات المحكمة و الكتب عن السودان ومصر ودول عربية وإسلامية أخرى منها كتاب بعنوان "الإسلام والقومية والشيوعية في مجتمع تقليدي: حالة السودان"
Islam, Nationalism and Communism in a Traditional Society: The Case of Sudan “
وكتاب آخر عن الطوائف الدينية في السودان والسياسة منذ عهد المهدية، وعدة مقالات عن الإخوان المسلمين وأنصار المهدي والحزب الشيوعي السوداني وموضوعات متفرقة أخرى.
المترجم
**** ********* ***********
شكل فهم العلاقة بين الإسلام والدولة مشكلة في السياسة السودانية منذ فترة ما قبل الاستقلال وبعده. وربما كان ذلك ناتجا من طبيعة الدين الإسلامي نفسه، حيث لا تفريق فيه بين "الدولة" و"الدين". غير أن تاريخ السودان كان قد تأثر بعوامل سياسية واجتماعية أخرى عديدة، ساهمت جميعها– وبأقدار مختلفة- في تعقيد الأمور أكثر فأكثر.
وكان لعاملين من تلك العوامل أدوارا هامة تستوجب الوقوف عندها حتى يمكن فهم التطورات (السياسية) التي حدثت أخيرا (أي حتى العام الذي صدر فيه المقال، وهو عام سقوط النظام المايوي. المترجم). وهذان العاملان هما الصوفية والمهدية. فقد كان الإسلام الصوفي هو الصورة الأكثر شيوعا وجذبا للغالبية من مسلمي السودان، بعكس "الإسلام الأصولي"، والذي كان أبعد ما يكون عن الذيوع في السودان. أما المهدية فقد كانت هي أول فترة استقلال للبلاد تحت راية حركة إسلامية بقيادة السيد محمد أحمد المهدي. وواضح أن العاملين المذكورين مرتبطان ببعضهما البعض أشد الارتباط، إذ أن المهدي نفسه كان شيخا صوفيا قبل أن يعلن للناس أنه هو المهدي المنتظر. ولعل من أسباب قبول غالب أهل السودان للدعوة المهدية هو شيوع التصوف عندهم، ورقة قاعدة الدين (السطحي) عندهم. ولكن هنا تنتهي الصلة بين المهدية والصوفية، فالدعوة المهدية – بطبيعتها وفلسفتها- لا تقبل التعايش مع فرق إسلامية أخرى، دعك من فرق تنافسها. وأرسى المهدي، ثم خليفته عبد الله القواعد لدولة ثيوقراطية (دينية) بالغة المركزية، استبعد منها تماما كل الحلفاء والمتعاونين السابقين من شيوخ الصوفية وزعماء القبائل.
وظلت الطرق الصوفية، والتي عادت للظهور بعد قضاء الحكم الثنائي (البريطاني – المصري) على المهدية في حالة ترقب وارتياب وتخوف من احتمال عودة مهدية جديدة تحكم البلاد. وكان في مقدمة تلك الطرق الطريقة الختمية، والتي رفض زعمائها الدعوة المهدية ساعة ظهورها، وفروا بطريقتهم إلى مصر، حيث وجدوا الحماية والرعاية. وكانت بعض الطرق الصوفية الأخرى قد أيدت الحركة المهدية في مبتدأها، ولكنها لم تجد من الخليفة عبد الله لاحقا إلا الكبت والقمع. من أمثلة تلك الفرق المجاذيب في الدامر، والإسماعيلية في كردفان، والسمانية (والذين كان المهدي نفسه أحدهم قبل أن يعلن مهديته).
ولذا ليس من المستغرب أن يظل الخلاف في السودان قائما حول تقويم عهد المهدية وإرثها وتراثها بعد مرور أكثر من قرن من الزمان على وفاة المهدي. فهنالك من المثقفين (مثل عبد الرحمن علي طه) من يرى المهدية ليس فقط كأول تعبير عن الاستقلال الوطني للسودان، بل أملها الوحيد في مستقبل زاهر. وهنالك في المقابل من يهاجم المهدية (مثل علي عبد الرحمن الأمين) ويعدها أكثر العهود ظلاما واستبدادا وفسادا في كامل تاريخ السودان، وكان يتمنى أن لا يسمح لها بالعودة بأي من الصور في المستقبل. وازدادت تلك الخلافات حدة بعد المصالحة التي تمت بين نميري مع زعيم الأنصار (وخريج جامعة أكسفورد) الصادق المهدي في عام 1977م. وازداد ذلك الصراع حدة وضراوة بعد إعلان نميري في سبتمبر 1983م السودان دولة إسلامية تطبق قوانين الشريعة.
وسنحاول في هذا المقال التعرض لبعض الجوانب السياسية لذلك الصراع في غضون سنوات حكم نميري، خاصة فيما يتعلق بالإخوان المسلمين والأنصار والطرق الصوفية. وسنتطرق إلى مدى تأثر عودة نميري للإسلام (السياسي) بالقوى السياسة الإسلامية الأخرى في السودان، والمواقف الإيديولوجية لمناصري نميري، ومدى الخلاف في مواقفهم تجاه إقامة "دولة إسلامية".
الطوائف والأحزاب
كان قيام الدولة المهدية أكبر عامل أدى لتدهور واضمحلال القيادة الصوفية والقبلية. إلا أن طائفة صوفية واحدة (ظهرت فقط في القرن التاسع عشر) أفلحت في أن تبقى وتنتشر في أصقاع البلاد بصورة واسعة، ألا وهي الختمية (والتي تسمى أحيانا بالميرغنية، على اسم مؤسسها). وتزامن إنشائها مع أول عهد بالاستعمار تحت قيادة الحكم المصري – التركي. ويعزى نجاح تلك الطائفة لتعاونها مع حكام السودان الأجانب بين عامي 1821 – 1885م. لذا فإن المهدية كانت (وبقيت) خصما لدودا للختمية. وظل الختمية يناصرون رعاتهم الأتراك ضد الحركة المهدية حتى النهاية المرة. وبعد سقوط الخرطوم في 1885م فر كثير من الختمية (وعلى رأسهم عائلة الميرغني) مع سادتهم إلى المنفى في مصر. وازداد أوار الصراع والخصام بين المهدويين والختمية في سنوات الاستعمار الثنائي (1899 – 1956م) وذلك لأن الختمية آبوا للسودان مناصرين هذه المرة للنظام الاستعماري الجديد. وعلى الجانب الآخر كان المستعمرون البريطانيون يرون في الأنصار المهدويين تهديدا خطيرا لتقدم السودان ورفاهه، ويجب اجتثاهم. ولا عجب إذن أن كان السيد علي الميرغني هو أول زعيم سوداني يمنح وساما بريطانيا رفيعا، فقد منحته الملكة فيكتوريا وسام القديس مايكل والقديس جورج (CMG) عرفانا لخدماته وتعبيرا عن الثقة فيه، بينما ظل بقية زعماء الصوفية الآخرين في نظر البريطانيين مجموعات تؤمن بالخرافات وهم دوما محل شك وريبة. وفي ذات الوقت بقي السيد عبد الرحمن المهدي تحت مراقبة لصيقة من جانب البريطانيين في قسم المخابرات.
وبعد السنوات التي أعقبت الحرب العالمية الأولى غدت تلك العلاقة أكثر تعقيدا. فقد تحالفت تركيا مع المانيا في تلك الحرب، وأعلنت الجهاد ضد بريطانيا العظمى وحلفائها. ورغم أن تأثير ذلك الجهاد كان موضع تساؤل، إلا أن بريطانيا العظمى سعت جاهدة للحصول على تأييد ومناصرة أكبر عدد ممكن من قادة المسلمين في مستعمراتها. وكان من نتائج تلك السياسة تغير موقف البريطانيين من السيد عبد الرحمن المهدي، والسماح له بالطواف على مدن السودان وقراها للدفاع عن بريطانيا وحلفائها ضد الأتراك. ولم يكن ذلك أمرا عسيرا بالنظر إلى العداء التاريخي والكره المتبادل بين المهدويين والأتراك. ومع تغير السياسة البريطانية تجاه السيد عبد الرحمن ظهر تحالف جديد للقوى في السودان، فمال الختمية بقيادة السيد علي الميرغني نحو مصر، وصار الأنصار بقيادة السيد عبد الرحمن المهدي يعدون بريطانيا حليفتهم الطبيعية ضد الاستعمار المصري الجديد، والمتخفي تحت شعار "وحدة وادي النيل".
ولم يكن حكام السودان البريطانيون سعداء حقا بذلك التحالف الجديد، فهم لم يكونوا أبدا يثقون في الأنصار أو في مهديتهم الجديدة، لخشيتهم من تعصبهم وأصولية دعوتهم الدينية. ويبدو أن كثيرا من المسئولين البريطانيين لم يدركوا أن "المهدية الجديدة" بقيادة السيد عبد الرحمن المهدي كانت قد بدأت وبالتدريج في التحول لقوة تحديث عصرية تنبذ العنف. فظل البريطانيون يلومون السيد عبد الرحمن المهدي وأنصاره لطموحاتهم الطائفية - السياسية، بينما أنقسم مسلمو شمال السودان لفسطاطين: طائفة الختمية أو طائفة الأنصار. صحيح أن طائفة الأنصار شكلت قوة سياسية ذات توجه أصولي، إلا أنها سعت جاهدة كي تحقق أهدافها بطرق سلمية. وظل السيد عبد الرحمن المهدي يجاهد ليحصل من البريطانيين على اعتراف بمهديته الجديدة قوة سياسية مسالمة وقانونية، وظل ملتزما أشد الالتزام بكل ما أصدره الحكام البريطانيون، فأدان، وبشدة، قادة حركات التمرد التي أعلن قادتها المهدية أو النبوة، والتي ذاعت في الربع الأول من القرن العشرين. وبقي السواد الأعظم من الختمية في المدن، بينما تركز الأنصار في الأرياف، خاصة في الجزيرة وغرب السودان.
وتسابق الزعيمان الطائفيان على كسب ود وتعاون الطبقة المتعلمة التي برزت بعد عقود قليلة من الغزو البريطاني – المصري لإدراكهما لأهميتها، وبذلا جهدهما لتثبيط كل المحاولات التي بذلها الخريجون لإنشاء منظمات وأحزاب مستقلة خاصة بهم، ونجحا في شق صف مؤتمر الخريجين (والذي أنشئ في 1938م) إلى مناصرين للختمية ومناصرين للأنصار. ونشأت أحزاب سياسية في الأربعينيات تحت "رعاية" الزعيمين الطائفيين، ولم يكن لتلك الأحزاب من سبيل لنيل شعبية وسط الجماهير دون دعم وتأييد الزعيمين الطائفيين واسعا النفوذ. ونتج عن تلك الصلة بين الصفوة المتعلمة والطائفتين الدينيتين ظاهرة فريدة ذات تأثير بعيد المدى على التطورات المستقبلية في السودان. فمن ناحية خلقت تلك الصلة وضعا صارت فيه القرارات السياسية تعتمد على قيادة الطائفتين الدينيتين، ودفعت من ناحية أخرى بعض أفراد الصفوة المتعلمة الناشطين سياسيا والرافضين للانضمام لإحدى الطائفتين الدينيتين إلى تكوين جماعات راديكالية. ولهذا تكون الحزب الشيوعي السوداني في سنوات الحرب العالمية الثانية، بينما تكونت جماعة الإخوان المسلمين في عام 1954م، وكانت عضويتهما من الشباب المثقف الرافض للطائفية السياسية. ولم يحرز أي منهما نجاحا جماهيريا كبيرا، إلا أن عضويتهما المتعلمة وقيادتهما المثقفة الفاعلة وذات الصوت الأعلى في الساحة السياسية لعبوا أدوارا هامة على هامش المشهد السياسي السوداني، وفي قليل من الأحايين قاموا بأدوار قيادية لمواقفهم المناهضة للطائفية.
وكانت أبرز الأدوار التي لعبها الشيوعيون والإخوان المسلمون معا هي ما حدث في سنوات الحكم العسكري . ففي ثور أكتوبر 1964م لعب الإخوان المسلمون والشيوعيون أدوارا بارزة في جبهة الهيئات، والتي قادت الثورة التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبود. وأيد الشيوعيون الحكم العسكري الثاني بقيادة جعفر نميري وضباطه الأحرار في بدايات سنوات حكمهم، خاصة في سعيهم لتدمير طائفة الأنصار. ولكن كان الأمر مختلفا في انتفاضة أبريل 1985م التي أطاحت بالنظام المايوي، فقد كان نميري قد أعتقل لفترة قصيرة كثيرا من قيادات الإخوان المسلمين قبيل تلك الانتفاضة بعد سنوات عامرة بالتعاون الوثيق. ولم يفلح الشيوعيون في استعادة تأثيرهم وقوتهم التي فقدوها بعد انقلاب هاشم العطا في 1971م. غير أن نجاح المهنيين في قيادة تلك الانتفاضة (وجلهم من اليساريين أو اليمينين) يجعلنا نفترض أن المواقف السياسية لقادة اليمين واليسار كانت متوافقة حيال تلك الانتفاضة.
وعند تسنم نميري للسلطة في 25 مايو 1969م، بدا أن السودان سيتخذ سياسات علمانية – وطنية وذات طابع يساري. ووضع النظام الجديد في مقدمة أهدافه تدمير القوى الطائفية – السياسية. وكان ثاني أهدافه هو إيجاد حل مقبول لمشكلة الجنوب والتي أدخلت البلاد في حرب أهلية منذ عام 1955م.
وبدأ النظام في تنفيذ أول الهدفين في 27 مارس 1970م حين قصف معقل الأنصار في الجزيرة أبا وقتل أو جرح آلاف الأنصار. وقتل إمام الأنصار بعد ذلك القصف بقليل (وهو في طريقه إلى أثيوبيا)، بينما نفي الصادق المهدي زعيم حزب الأمة لمصر. غير أن السنوات القادمة أثبتت فشل خطة تدمير طائفة الأنصار فشلا تاما. فبين عامي 1972 و1976م قام أفراد تلك الطائفة (مع آخرين) بالاشتراك في عدة ثورات وانتفاضات ضد نظام نميري. وربما كان ذلك هو ما دعا نميري لتغيير سياسته حيالهم في 1976م. أما الهدف الثاني (حل مشكلة الجنوب) فقد تم إنجازه في فبراير من عام 1972م بتوقيع اتفاقية في أديس أبابا منحت الجنوبيين حكما ذاتيا. وظل ذلك الإنجاز، ولأكثر من عقد من الزمان، هو الانجاز الأهم لنميري ونظامه. ويزعم كثيرون أن تأييد الجنوب وأهله لنميري هو ما أبقاه في الحكم في غضون سنوات السبعينيات. بيد أن كل ذلك تغير للأسف في بداية الثمانينيات حين تجدد العدائيات في الجنوب، وعادت الحرب الأهلية من جديد.
البحث عن دستور
كان الجنوب (وغالب سكانه من غير العرب ومن غير المسلمين) يمثل عاملا مهما في السياسة السودانية كلما أثير أمر دستور السودان، وأمر العلاقة بين الإسلام والدولة. غير أن الطبيعة السياسية للإسلام كانت قد عملت، ولأكثر من مرة، ضد محاولات إخراج الطوائف الدينية خارج حلبة السياسة، وضد العثور على حلول توافقية مستقرة لمشكلة الجنوب. وكان المناقشات المستمرة حول الدستور والنظام القانوني للبلاد تعبيرا صادقا عن مركزية ذلك الأمر وأهميته.
وظل أمر اختيار دستور يكون إسلامي الأساس، وفي ذات الوقت يكون تعدديا ومتسامحا عند التطبيق في جنوب البلاد أمرا يشغل بال الساسة السودانيين حتى قبل نيل البلاد لاستقلالها. وفي ديسمبر من عام 1955م أقتنع ساسة الجنوب بالقبول بالتصويت لصالح سودان موحد بعد وعود قاطعة تلقوها من الساسة الشماليين بأن لجان الدستور سوف تنظر بعين الاعتبار لمقترح الفيدرالية (والذي يضمن المساواة بين العربية والإنجليزية، والإسلام والمسيحية في شطري البلاد). غير أن الأغلبية المسلمة في البرلمان رفضت في ديسمبر 1957م مطالب الجنوبيين بحكم ذاتي إقليمي. وبناء على تلك النتيجة قرر الجنوبيون خوض الانتخابات التالية (في فبراير 1958م) بشعارات تطالب بالحكم الذاتي الإقليمي، وحصلوا بذلك على تأييد غالب الجنوبيين. إلا أن أغلبية نواب حزب الأمة في الجمعية التأسيسية وافقت على دستور جديد مما أضطر نواب الجنوب لمقاطعة تلك الجمعية بدءاً من يونيو 1958م مخافة عمليات التعريب والأسلمة. ثم أتى انقلاب الفريق عبود في 17 نوفمبر 1958م ففرض – رغم مقاومة متعلمي الجنوب -سياسات التعريب والأسلمة على الجنوب، ومنع تدريس الإنجليزية في المدارس، وفتح كثيرا من المدارس العربية الإسلامية. وأخيرا قامت الحكومة العسكرية في يوم 22/ 2/ 1964م بطرد كل المبشرين المسيحيين من البلاد. وظل الجنوبيون يرفعون مطلب الحكم الإقليمي الذاتي إلى أن سقط نظام عبود بعد ثورة أكتوبر في نفس العام، وكانت مشكلة الجنوب هي إحدى مسببات سقوط ذلك النظام.
وواجهت الحكومة المدنية في 1965م ذات المعضلة. فقدم مشروع دستور لم تتم اجازته. وكتب رئيس الوزراء محمد أحمد المحجوب عن تلك القضية في مذكراته التي صدرت في 1974م ما يلي:
"لم يكن من الواجب أبدا أن يشب خلاف حول هوية الدستور، وهل يجب أن يكون إسلاميا أم علمانيا. وكان يمكن أن يكون للسودانيين الحصول على دستور لا يسمونه "دستورا إسلاميا"، ومع ذلك يمكن لهم أن يمارسوا عقيدتهم الدينية وأن يعملوا مبادئ التسامح المتمثلة في مبادئها. كان من شأن ذلك أن يتيح لنا عمل دستور دائم دون كثير مشاكل".
وجاء في المادة الثالثة من مسودة الدستور (والذي قامت بإعداده لجنة للدستور بالجمعية التأسيسية مكونة من 44 نائبا من أحزاب مختلفة) أن الإسلام هو دين الدولة، وأن اللغة العربية هي لغتها. ولم تأت تلك المادة على أي ذكر للجنوبيين من غير العرب وغير المسلمين. ونصت المواد 113 – 115 على أن الإسلام هو المصدر الرئيس للتشريع، وأن كل القوانين المخالفة للشرع الإسلامي سوف تتم مراجعتها. وكان الرأي الرسمي هو أنه، وبحكم أن معتقد غالبية السكان هو الإسلام (وهو معنى شامل ينتظم شؤون الحياة جميعا) فإنه من المنطقي والمعقول أن يتم تدوين ذلك وإنفاذه في الدستور. ولتطمين الجنوبيين ولإزالة مخاوفهم تم التأكيد على أن الإسلام، وبما أنه دين ديمقراطي ومتسامح، فلن تكون هنالك في نصوص الدستور قيود على التعبير أو الأفكار. وفيما يتعلق بتطبيق الشريعة، فإنه كان من المفترض، وكما ذكر الفقيه الدستوري المصري دكتور عبد الرازق السنهوري في تقريره عن مسودة الدستور، أن تجرى "مزيد من الدراسات حول تلك المسالة الفقهية ... حتى تكون مقبولة في كل زمان ومكان.. وعندها سيصير من اليسير تطبيق القاعد العامة و- وبحرية- ، وستغدو الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع والقوانين في البلاد".
وبينما كانت تلك المسودة تحت الإعداد، كان هنالك تنسيق وتعاون كامل بين حزب الأمة (بقيادة الصادق المهدي) وجبهة الميثاق الإسلامي (بقيادة الدكتور حسن الترابي). غير أن الدستور لم يجز (في الوقت المحدد) بسبب نشوب خلافات حزبية وطائفية عديدة.
وقبيل انقلاب مايو 1969م تكون حلف جديد من حزب الأمة (بعد توحد جناحيه) والحزب الاتحادي الديمقراطي (الجناح السياسي لطائفة الختمية) كان ينادي بدستور إسلامي وبقيام جمهورية رئاسية برئاسة الإمام الهادي المهدي زعيم طائفة الأنصار. غير أن بنادق نميري وجنوده كانت أسرع، فقام – بتعضيد من الشيوعيين واليساريين والعلمانيين الآخرين- بالانقلاب على النظام، وتوقفت بذلك كل عمليات التخطيط لوضع دستور دائم للبلاد. وبذا يمكن اعتبار أن الصراع الدستوري كان عاملا مهما أدى سقوط الديمقراطية البرلمانية.
والتفت نميري ومن معه إلى مسألة الدستور بعد الضربة التي وجهوها للطائفية في بدايات حكمهم، وبعد فك ارتباطهم مع الحلفاء الشيوعيين واليساريين السابقين، فتم في سبتمبر – أكتوبر 1973م انتخاب "مجلس الشعب" بغرض صياغة دستور جديد ودائم للبلاد. وفي ذلك الدستور ورد أن السودان "... دولة وحدوية وديمقراطية واشتراكية ذات سيادة ... وهي جزء من العالمين العربي والإفريقي" وورد فيه أيضا أن قوانين السودان مصدرها " القوانين الإسلامية والأعراف وكريم المعتقدات..." وأن لغير المسلمين في البلاد الحق في أن "يحكموا بقوانينهم الشخصية الخاصة بهم". وذكر الدستور في مادته السادسة عشر، على سبيل تطمين وإرضاء غير المسلمين بالبلاد أن "الإسلام هو دين غالبية السكان في السودان، وأن المسيحية هي ديانة عدد كبير من المواطنين فيه".
ويبدو أن نميري ورفاقه كان يعيشون تحت وهم أنهم بتخليصهم للبلاد من التأثير الطائفي - السياسي كان يمكن لهم البدء في خلق مجتمع سوداني لاطائفي جديد. وتمثل ذلك الوهم في قيام ما أسماه مجلس قيادة الثورة "ثورة ثقافية" في صيف عام 1972م بغرض "إعادة تشكيل المجتمع من كل النواحي... في التوجهات والقيم والممارسات والمهارات...". ويا لها من مهام صعبة! وفي المناقشات التي دارت حول تلك النقاط كان التركيز على التحديث والعلم والتقنية أكثر من الحديث عن الدين. وعبر دكتور جعفر محمد علي بخيت (أحد من ساهموا في صياغة ذلك الدستور) عن آراء ناقدة لنظام القيم الإسلامية التقليدية التي يتبناها السواد الأعظم من السودانيين، وطالب بـ "هز المجتمع السوداني التقليدي" وإرساء قيم جديدة معاصرة. وبالطبع لا يمكن تصور أن تكون تلك هي ذات القيم التي يتبناها رجل مثل الصادق المهدي. وكان بروفيسور عبد الرحمن العاقب أكثر صراحة من دكتور بخيت حين عرف "الثورة الثقافية" بأنها تعبير عن ... "سخط من جميع الموروثات التي عفا عليها الزمن.... ودعوة للمجتمع كي يغير ما يتبناه من آراء وأفكار".
+++++
alibadreldin@hotmail.com


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 958

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1142451 [Out of Africa]
5.00/5 (1 صوت)

11-05-2014 11:42 AM
Well done

Dig as more deeper as possible

[Out of Africa]

#1141918 [محجوب عبد المنعم حسن معني]
5.00/5 (1 صوت)

11-04-2014 09:12 PM
الف شكر استاذ بدر الدين، ومجهود بحق مقدر، لقد ازلت عن عيوننا كثير من القشاوة
مع مودتي

[محجوب عبد المنعم حسن معني]

ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة