المقالات
السياسة
مرافئ للوجد والحنين
مرافئ للوجد والحنين
11-07-2014 12:34 PM

مرافئ للوجد والحنين
بقلم: الدكتور نائِل اليعقوبابي
* (عندما يفقد العاشق القدرة على
النسيان يموت من شدة الإفراط، وتعب
وتوتر الذاكرة..).
- رولان بارت - من كتابه
(مقاطع من خطاب عاشق)
Fragments d un discours
Amoureux
الصادر عام 1978
.. لو أن الزمن يعود قليلاً إلى الماضي، إلى الركن الوديع من شطر قصي من الذاكرة، عندما كانت أحلامنا تسابق الغيوم الخريفية الماطرة، ترسم في أفق الأمسيات الصيفية أحرفاً من قصص حب ترتلها شابات من كل أصقاع الريف على وقع المناجل في حقول القمح.
كنت طفلاً عندما صعدت مع والدي لأول مرة على متن (الحصادة) التي دخلت لتوها حقول المزارعين في منطقتنا، في أوائل سبعينيات القرن الماضي ورأيت كيف كانت تلتهم سنابل القمح في جوفها الكبير، لتخرج منها شلالاً ذهبياً متدفقاً، يتحول بلمحة بصر إلى مجرد أكياس وأكوام صماء من الغلال الوافرة، التي تفتقد في باطنها لرائحة التراب الذي خرجت منه، وأغاني السيرة والدوبيت والمسادير التي كان يسمع العابر هديرها يشق عنان السماء، تحت شمس الصيف، منذ صداح أرتال العصافير حتى غروبها مساء، في كل حقل وقرية على امتداد مساحة الوطن.
كان لفصل الصيف نكهته الخاصة. فيه تكتمل نضرة الحقول، وتقف السنابل شامخة تنظر بشوق عودة الصبايا بأثوابهن المزركشة، ومناجلهن المشحوذة، فيشكلن وهن يغطسن في تلك الحقول لوحات تشكيلية بروعة ألوان مونيه وسيزان.
لم يكن موسم الحصاد مقتصراً آنذاك على مناطق الريف من الجزيرة إلى مشروع المناقل، كما يترافق أيضاً مع حصاد السمسم والذرة في الدالي والمزموم وقلي وجودة والدندر والرهد، إلى عمق الجنوب. كان عرساً وطنياً يعم كل مدينة وقرية.
إنه فصل الخير والعطاء والعمل والأفراح والحب. فيه تملأ المخازن بالغلال، وتضج الأسواق بالعربات المحملة بالمؤن للخريف الذي يليه، وبالبضائع للأسواق الأخرى. وفيه تكثر أفراح الأعراس، كما فيه تنطق العيون بلغاتها، وتنتثر قصائد الحب والشوق على حواف البيادر المقطوفة، في الأمسيات المقمرة.
كنت في آخر صيف أرافق فيه والدي إلى (مزيقيلا) القرية الصغيرة الجميلة، التي تتحول بعد موسم الحصاد إلى يباب مقفر يمتزج بلون الحجارة الداكن الذي يؤطر كنارها وبيارتها، ولهيب الشمس، لتعاود لبوسها الزاهي كما في كل عام مع فصلي الخريف والشتاء.
كان ذلك في صيف 1977، عندما أجادت السماء بأمطارها الغزيرة، كما أجادت هذا العام، فأعطت الأرض غلالاً أدخلت البهجة إلى قلوب الجميع، لأن الخير يعم، كما يقال، خصوصاً في مجتمع يمتهن الزراعة منذ آلاف السنين.
كان الجميع متحلقين حول المنقل يشربون شاي بالحليب مع الزلابية، يتسامرون تحت ضوء البدر في تمام ظهوره، عندما انسحبت خلسة مع بعض الصبية والفتيات لنلعب (سردلابة وغمدت)، بين تلال القمح المحصود لتوه.
كانت مريم تحفر بيتاً في قعر أحد تلك البيادر، عندما لوحت لي بيدها الصغيرة، لأختبئ بمحاذاتها. أدخلت جسدي الصغير الناحل بصعوبة إلى جانبها، فكنا جسدين متوحدين بين سنابل القمح.
فجأة همست بأذني قائلة:
هل تحبني؟
ارتعش جسمي كله. فلأول مرة أسمع هذه الكلمة. كانت عيناها العسليتين تعكسان، مع ضوء القمر الخافت، لجة خليج ساكن تغطيه أشجار البان والنيم الباسقة، وشفتاها الصغيرتان الملتهبتان، تكاد تحرق سنابل القمح التي تؤوينا.
وضعت كلتا راحتيها على وجنتي وهمست مجدداً: أنا بحبك. لا تقل ذلك لأحد. هذا سر بيننا.
لا زلت أذكر بعد كل تلك السنين رائحة تراب (مزيقيلا)، في موسم الحصاد، وعبق بيادر القمح، وطعم قبلة طفولية، أحن عبثاً لما يشبهها.
آه. إنه الزمن.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 553

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الدكتور نائِل اليعقوبابي
 الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة