المقالات
السياسة
نيلسون مانديلا.. مناضل في سبيل الحريَّة وزعيم ثورة تفاوضيَّة
نيلسون مانديلا.. مناضل في سبيل الحريَّة وزعيم ثورة تفاوضيَّة
11-08-2014 01:05 PM



"سوف أنبئك عمن بات أعظم أسطورة. لئلا تتمسَّك بالبقاء بعد فوات أوانك. كان منرو ومارلو حظيظين: أي صاحبي حظ وحظوة."

الكونتيسة في "فيدور" لبيلي وايلدر


ليس للشك من سبيل في أنَّ نيلسون مانديلا كان مناضلاً جسوراً لا يُشق له غبار، وذلك من أجل الحريَّة السياسيَّة والكرامة الإنسانيَّة، وكان أول رئيس أسود لجمهوريَّة جنوب إفريقيا، ومؤسساً للجنة الحكماء. أما بالنسبة للملايين من شعب جنوب إفريقيا، فإنَّه كان يُعرف لديهم ببساطة ب"الأب". كان مانديلا شريفاً في قومه، سيِّداً لهم يبثهم من أمره شيئاً، عالماً برعيته، وكان فيهم كأحدهم، يجيبهم إذا سألوه، وينبئهم إذا استنبأوه، عادلاً في قضيَّته، عارياً من الكبر، قبولاً للعذر. ثمَّ كان مانديلا – بعد ذلك كله – منافحاً صنديداً في وجه المحنة التي فيها وجد نفسه، وقاد مقاومة مستميتة ضد عوامل بدت عصيَّة على الهزيمة، وفي نهاية الأمر عفا عن جلاديه برغم مما واجهه من الكراهيَّة الشديدة والتزمت المقيت. وإنَّ تمثاله ليزين ميدان البرلمان في لندن وفاءاً وإجلالاً للأثر العالمي الذي تركته حياته في نفوس الناس. كان مانديلا يجرِّد من بصيرته في الحوادث الجسام عزيمة صارمة، وهو الذي أُعجِب به العدو لأنَّه ما أن مثل أمامه حتى تفزَّع منه في الحِلم، وأجاد التدبير حتى رآه الحسود مطَّلعاً مع النَّجم، كما قال أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي في الهيبة:
يا مَنْ يجرِّد من بصيرته تحت الحوادث صارم العـــــــــــزم
رُعْتَ العدوَّ فما مثلت له إلا تفزَّع منك في الحِــــــــــــــــــلم
أضحى لك التدبير مُطَّرداً مثل اطِّراد الفعل للاســــــــــــــــــم
رفع الحسود إليك ناظره فرآك مُطَّلعاً مع النَّجــــــــــــــــــــم

فمن الناس من يبلغ الثريا من أصول وضيعة كما جرى في الحديث التالي. ففي مأدبة عشاء أُقيمت على شرف الزعيم السوفيتي الأسبق نيكيتا خروشوف (1894-1971م) في هوليوود طفق سبايروس سكوراس مختالاً في حسٍّ وطني في أرض الحُلم الأميريكي بأنَّه سطع نجمه ولمع بريقه من تاجر سجادات إلى رئيس شركة "تونتيث سينشري فوكس" (Twentieth Century Fox) المنتجة للأفلام السينمائيَّة. وما كان من خرشوف إلا أن ردَّ: "حسناً، كنت ابن عامل منجم فحم والآن أنظر إليَّ!" ومن الناس من يُولد وفي فمه ملعقة من فضة، ومن ثمَّ تسير حياته على هذا المنهاج حتى مماته. ومن الناس من له أصول قبليَّة ملكيَّة، لكن اجتهاداته ونضالاته وحب الشعب له هي التي ترفعه مكاناً عليَّاً. وهذا ما كان من أمر مانديلا.
مهما يكن من شيء، فإنَّ الرَّجل، الذي أمسى أعظم مناضل في سبيل الحريَّة في الـتأريخ الحديث، قد بدأ حياته – بطريقة ما – من جذور متواضعة. فقد ولد نيلسون مانديلا في 18 تموز (يوليو) 1918م لوالدين من قبيل الكوسا في قرية "مفيتو" في مقاطعة الكاب في جنوب إفريقيا. وهو كان حفيد نقوبينقكوكا، حاكم شعب ثيمبو في القرن التاسع عشر من الميلاد. وسُمي الطفل المولود "مانديلا" تيمناً بجده من جهة الأب، وكان يُعرف أيضاً باسم العشيرة "ماديبا". وبعد أن بلغ الصبي من العمر سبع سنوات سماه الأستاذ في المدرسة "نيلسون". وفي جامعة فورت هير تعرَّف الشاب مانديلا على الحركة المناهضة للإمبرياليَّة، وصادق زميلاً له وناشطاً هو أوليفر تامبو. وكذلك صادق مانديلا وولتر سيسولو، الذي كان يعمل في تجارة الأراضي، ثم كان ناشطاً في المؤتمر الوطني الإفريقي. هكذا انخرط مانديلا في المؤتمر الوطني الإفريقي هو الآخر، ومن ثمَّ صعد من خلال قواعده.
وفي العام 1948م كوَّن حزبا هيرينقدي الوطني وأفريكانا حكومة إئتلافيَّة في بريتوريا – حاضرة جنوب إفريقيا، وفي نهاية الأمر اتَّحد الحزبان تحت مسمى الحزب الوطني، وذلك في العام 1951م. ومن خلال سياساته العنصريَّة، اشترع الحزب الوطني حزمة قوانين عُرِفت مجتمعة باسم "الأبارتهيد" (سياسة العزل العنصري)، وهي التي أعاقت حقوق الأغلبيَّة السوداء والأثنيات غير البيضاء الأخرى في جنوب إفريقيا، وحرمتهم من حق الاقتراع، وعزلت المجتعات على أساس الأصل العرقي، وظلم النَّفس للنَّفس من أشدَّ أنواع الظلم وأقساها. وإنَّه لمن العسر عسراً أن نحصي جرائم نظام "الأبارتهيد" في هذا السرد العجول، إلا أنَّنا يمكن أن نجملها في الآتي: مصادرة الأراضي، وتهجير وتشريد سكان البلاد الأصلاء، وحظرهم من ممارسة حقوقهم السياسيَّة والمدنيَّة، وقتلهم وتعذيبهم في المعتقلات، والنفي الإجباري وهلمجرَّاً.
فبعد الأعمال البربريَّة الدَّمويَّة التي قامت بها الحكومة العنصريَّة مثل مذبحة شاربفيل، أسَّس مانديلا مع بعض النشطاء "أومخونتو وي سيزوي" (رمح الأمة)، والذي بات الجناح المسلَّح للمؤتمر الوطني الإفريقي، وأخذوا يستهدون بميثاق الحريَّة للعام 1955م، فإبحار بلا هدي انتحار. وفي العام 1962م مثل مانديلا – مع بعض أعضاء المؤتمر الوطني الإفريقي، بما فيهم وولتر سيسولو – أمام محكمة ريفونيا. إذ من خلال هذه المحاكمة قدَّم مانديلا خطبته الشهيرة: "إنِّي لمستعدٌ أن أموت!" وفي 12 حزيران (يونيو) 1964م حُكِم على مانديلا وزملائه بالسجن المؤبَّد مع الأعمال الشاقة، واستاقوهم إلى السجن في جزيرة روبين. كان مانديلا أشجع من مشت به قدمان في العصر المعاصر. ومن قبل كان للعالم من أمر الفيلسوف اليوناني سُقراط (470-399 ق.م.)، الذي "أُعطِي الكأس وهي منيَّة شفتي محبٍّ يشتهي التقبيلا"؛ ومن بعدهما جاء الأستاذ محمود محمد طه في كانون الثاني (يناير) 1984م، وهو الذي وقف شامخاً كالطود متحدِّياً جلاديه في شيء من الشجاعة عظيم، وهو لم يكن يبغي تخذيلاً. هذا ما كان من أمر مانديلا عصرذاك، والحديث عنه يملأ القلوب روعة، ويملأ النُّفوس إكباراً، ثمَّ يزيد من شعورنا نحوه إعجاباً بما ملك من رأي فقضي في سماحته بصائب القول، وصالح التدبير.
فبرغم من الظروف القاسية في جزيرة روبين، استمر مانديلا في تطوير نفسه ومواصلة التعليم. بيد أنَّ الأهم في ذلك الأمر ربما كان تعلُّم مانديلا العفو عن سجَّانيه والذين اضطهدوه في الماضي. وفي السجن أيضاً لم يستسلم هؤلاء القادة، لأنَّ الاستسلام يكلِّف النَّفس شيئاً من العناء؛ ولم يكادوا يبرحون الحُلم والاشتياق إلى الحريَّة، ثمَّ لم يجد الشك إلى نفوسهم سبيلاً، لأنَّ الشك يفسد نشوة الحُلم. فقد يصمت الطير الحبيس، ولكن يظل فؤاده مملوءاً بالحنين الذي يهزُّ روحه إلى آفاق الحريَّة، ولله در محمد المجذوب حين هبَّ ينشد:
فقد يخرسُ الطَّيرُ الحبيس ومِلؤُهُ حنينٌ يهزُّ الرُّوحَ للأفقِ الحرِّ

وفي الحق، فإنَّ الرؤى القوميَّة ذات الأبعاد الذاتيَّة المتينة، والثقافة المتجذِّرة، والهُويَّات السياسيَّة المتنازعة دوماً يُعاد إنتاجها بواسطة الكفاح. إذ لم يعد الأمر مقصوراً على الحقوق الإنسانيَّة فحسب، بل لنجدنَّه يتَّسع اتِّساعاً ليشمل المواطنة والقوميَّة. وفيما نعلم فإنَّ القوميَّة لهي التي أقرَّت وشكَّلت العالم الحديث، وهي التي أشعلت الحروب، وهي التي أسهمت في استقرار أو عدم استقرار الدول، ثمَّ إنَّها لهي التي تحدِّد مسار الحياة السياسيَّة والثقافيَّة حول العالم. وفيما ندري أيضاً فإنَّ الناس ليتماهون من خلال الطبقة والدِّين والجندر والحضارة، لكن القوميَّة أثبتت – بعزم أكيد، وإصرار شديد، وتوغل أكثر قوة من هاتيك العناصر إيَّاها – أنَّها مفتاح الانتماء الوطني. وفي كل هذا نجد أنَّ الحركات التصحيحيَّة تعتبر معالم افتتاحيَّة في النِّضال القومي. والذي ينبغي أن يكون هو الذي يجب أن يصير، وهو ذاك الذي يستلهم ويستلزم افتراض إعادة النظام القديم المندثر ليست بسوءاته بالطبع، ولكن الجزء الناصع منه. ولا يتأتى ذلك إلا من خلال الاجتهاد القومي من أجل الإنصاف، حتى يتحقق استقلال الماضي، وتعود العظمة الثقافيَّة السابقة، أو يتم تجديد الثقافة القوميَّة لتستوعب الكل. ومن ثمَّ يصبح الماضي تجربة نستفيد منها، وثروة قوميَّة نتعايش بها، وحكمة تنتقل بين المجتمع. فللماضي أشخاص، وبه شخصيات، ومعه عقول، وفيه جمال وفيه منغصات. ومن غير شك فإنَّ النِّضال القومي يمكن أن يتمظهر في إنتاج الخلاص التأريخي الذي منه تنبجس فترة مستقبليَّة مزدهرة، بحيث تتراءى في العصر الألفي السعيد. تلك هي التحدِّيات التي جابهها نيلسون مانديلا وزملاؤه في المؤتمر الوطني الإفريقي.
وأيَّاً كان من شأن هذه التحدِّيات، ففي نهاية الثمانينيَّات اجتاحت جنوب إفريقيا احتجاجات دمويَّة عنيفة، فضلاً عن الحظر الدولي، ثمَّ كانت جهود المناضلين من أجل الحريَّة – على سبيل المثال لا حصراً ويني مانديلا، وأوليفر تامبو، وستيف بيكو، وجو سلوفو وزوجه، وكريس هانئ وغيرهم – قد ساهمت في اضمحلال نظام "الأبارتهيد" القمعي. وما أن تشاكلت الجهود المحليَّة، وتضافرت مع الإقليميَّة والدوليَّة حتى ظهرت ثقوب في بنيان السلطة القديمة، وباتت أعمدة هذه السلطة العنصريَّة التعسفيَّة تترنَّح، ولم تكد جدرانها تستقر على حال. فمن خلال العزيمة الذاتيَّة والضغوط المتزايدة داخلياً ودوليَّاً، أصدر أف دبليو دي كليرك – آخر رئيس أبيض لجمهوريَّة جنوب إفريقيا – في 2 شباط (فبراير) 1990م قراراً هاماً بإطلاق سراح نيلسون مانديلا وزملائه من السجن. وفي يوم 11 شباط (فبراير) 1990م خرج مانديلا من سجن فيكتور فيرستر كرجل حر.
ولكن على الذين اعتاشوا على ضواحي الأمل، واقتعدوا ينتظرون، وعلى الذين كانت أياديهم مشدودة على الزِّناد يكافحون، كان لا بدَّ مما ليس منه بد، وفي ذلك تكساب لنضالهم. ففي يوم 9 أيار (مايو) 1994م تمَّ انتخاب مانديلا كأول رئيس أسود يتم انتخابه ديمقراطيَّاً لجمهوريَّة جنوب إفريقيا، ومن ثمَّ شرع في توحيد كل مواطني جنوب إفريقيا فيما عُرف ب"أمة قوس قزح"، وأمست البلاد منارة للحريَّة والدِّيمقراطيَّة والأمل واحتمال الآخر. وكرئيس، ابتدر مانديلا قانون إصلاح الأراضي، وتبنى سياسات كان الغرض منها إغلاق الفجوة في الثروة بين البيض الذين كانوا يرفلون في سعة من الرِّزق وغير البيض الفقراء الكادحين، أي هؤلاء الذين لاقوا عنتاً وقتلاً وتشريداً وحبساً، تجنياً عليهم، وظلماً لهم، وغمطاً لحقوقهم، ونيلاً لكرامتهم. وفي 29 أذار (مارس) 1999م تنحَّى مانديلا رسميَّاً بعد خدمة فترة رئاسيَّة واحدة، لكنه انخرط في دائرة الارتباطات والالتزامات العامة، وظلَّ مستشاراً في القضايا الدوليَّة والإنسانيَّة المختلفة.
وإذا كان لكل شيء إذا ما تمَّ نقصان، فقد أخذ المرض يدبُّ في جسد مانديلا حتى أدخله المستشفى عدة مرات، وشلَّ حركته، وبات قعيد المنزل، ثمَّ كان قد بلغ من العمر عتيَّاً. ففي يوم 5 كانون الأول (ديسمبر) 2013م انتقل مانديلا إلى مثواه الأخير، وبكاه الناس في كل مكان في العالم بكلمات تنم عن حزن دفين ولوعة كامنة، وتمَّ نعيه في عزاء ضخم يناسب عظمة شخصيته التي كانت أيقونة. ووُري جثمانه في قريته الوادعة حيث مدرج طفولته، ومسرح أفراحه، وملتقى أقرانه. فعند وفاته ذُهل الناس، وهالهم الخبر، وعظم عليهم الأمر، حتى اضطربت أمورهم، فمنهم من صمت ولم يبن عن قول، وخلط بعضهم الكلام بغير بيان، وحق لهم أن يضطربوا في أمورهم ويخلطوا في كلامهم، فالرَّزيَّة كانت عظيمة، والمصاب كان جللاً، وفي قلوب الأسى تنداح نار، فالدنيا لُعاعة، أي كالنبات الأخضر قليل البقاء. وإنَّه ليمسي من الحقيقة في شيء عند الإشارة إلى مانديلا بالرَّجل العظيم، لأنَّه امتلك خصالاً عديدة في العقل والشخصيَّة وناصية القول: كان ذا عقلاً راجحاً، وفكراً مستنيراً، ورأياً سديداً، وحكمة رشيدة. وما أن استفعل هذه الخصال – تحت الظروف القاهرة – حتى حقَّق العظمة، وسما عالياً فوق القهر والاضطهاد والحياة المبتذلة التي كان يحيكها أهل المكر السيء من البيض في جنوب إفريقيا. وكان حكمه على البشر والأشياء حكماً حاذقاً رائقاً، ورجوليَّاً في أشدَّ ما تكون الرُّجولة؛ ثمَّ كان – بعدئذٍ – حاسماً في اتَّخاذ القرار، وباسلاً في الفعل.*


* للاطِّلاع على "مانديلا.. شخصيته وسيرته" أنظر كتاب "بطولات وملامح في الأدب الإفريقي" لكاتب هذا المقال. إذ يمكن الحصول على نسخة من هذا الكتاب، وأعمال الكاتب الأخريات، من خلال الاتصال به مباشراً ببريده الإلكتروني أعلاه.




[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 891

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الدكتور عمر مصطفى شركيان
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة