المقالات
السياسة
الآثار السياسية و الإقتصادية لإنفصال جنوب السودان
الآثار السياسية و الإقتصادية لإنفصال جنوب السودان
11-08-2014 05:30 PM

الآثار السياسية و الإقتصادية لإنفصال جنوب السودان :
"المشورة الشعبية و الديون الخارجية و النفط"
* محمد على أحمد محمد تورشين
* المحاضر بمركز أبحاث دراسات السلام بجامعة نيالا – السودان
[email protected]


المستخلص :
تكمن أهمية منطقتى جنوب كردفان و النيل الأزرق فى أنها مناطق جيواستراتيجية معبراً لدولتى السودان و جنوب السودان حيث انت المنطقتين لها دوراً كبيراً فى الحرب التى دارت بين الشمال و الجنوب حيث تمثل فاصل جغرافى بين دولتى السودان و جنوب السودان . حيث كانت مرشحة لتكون منطقة تمازج و تداخل و تلاقى تساهم فى الوحدة إلا أن هذه الآمال تلاشت بعد الإنفصال و أصبحت المنطقتين بؤرة توتر بشأن عملية المشورة الشعبية التى شهدت الكثير من الخلافات حول مدلول و تفسيرات قانون المشورة الشعبية و ذلك على مستوى حكومتى الولايتين الأمر الذى يوضح حجم الصعوبات و التحديات التى تواجه عملية الإستقرار السياسى و الأمنى فى الولايتين .
أما فيما يتعلق بالجانب الإقتصادى فقد شهد العقد الأخير واحد من أعلى معدلات النمو الإقتصادى التى حققها السودان بمعدل نمو سنوى بلغ فى المتوسط 8% سنوياً مع النجاح بالإحتفاظ بمعدلات التضخم ضمن المدى المخطط مع النجاح فى إحداث إنخفاض مستمر فى عجز ميزان المدفوعات و يعود ذلك بفضل النفط الذى إعتمد عليه الإقتصاد فى السودان ، و بعد الإنفصال تأثر الإقتصاد الأمر الذى قاد إلى تراجع إنهيار ال جنيه مقابل الدولار .
المقدمة :
هنالك الكثير من القضايا العالقة التى لم يتم حسمها بعد إنفصال جنوب السودان حيث لعبت هذه القضايا دوراً كبيراً فى الإستقرار بين البلدين و تعتبر المشورة الشعبية و الديون الخارجية من أهم القضايا التى قادت إلى توتر العلاقات بين الدولتين ، و تعتبر مناطق جنوب كردفان و النيل الأزرق ذات أهمية أمنية و جيواستراتيجية ساهمت بصورة فعالة فى الحرب بين الشمال و الجنوب لذا منحت وضع خاص فى إتفاقية السلام الشامل بأن يكون لهم الحق فى تقرير مصيرها مثل الجنوب بعد الفترة الإنتقالية مقدارها ست سنوات ، تختار هذه المناطق بعدها الطريقة التى تحدد بها مستقبلها فى إ طار السودان .
بسبب التماطل و عدم وضع مفهوم المشورة الشعبية تجدد الصراع فى المناطق بين (9 – 10) التى تحولت إلى الحركة الشعبية قطاع الشمال و بعد جهود توصل الطرفان إلى إتفاق غى أديس أبابا إلا أن الحكومة السودانية رفضت الإتفاق و ما زال الصراع مستمراً ، يمكن أن يساهم النفط بصورة إيجابية فى تطوير العلاقات بين الدولتين بعد الإنفصال للإرتباط الوثيق حيث يحتاج السودان إلى رسوم عبور النفط الذى كان يعتمد عليه الإقتصاد و كذلك الجنوب ليس لديه خيارات تصدير أفضل من السودان فى الوقت الحالى ، لذا تتناول الورقة الآثار السياسية و الإقتصادية للإنفصال من خلال محاور (المشورة الشعبية و الديون الخارجية و النفط) .
المشورة الشعبية :
تكمن أهمية منطقتي جنوب كردفان والنيل الازرق في أنها تمثل أهم بؤر الصراع ذات صلة بمشكلة الجنوب وذلك لأنها تقع علي الشريط الحدودي الفاصل ما بين الشمال والجنوب والذي يمتد بطول 2000 كيلومتر بالإضافة لما تمتاز به المنطقتين من خصوصية بسبب التنوع في مكوناتها العرقية والدينية والثقافية والموارد الطبيعية فضلاً عن المساهمة السابقة لهاتين المنطقتين في الصراع العسكري بين الشمال والجنوب إلى جانب الحركة الشعبية ،وتتمتع منطقتي( جبال النوبة النيل الازرق) بأهمية خاصة إذا أنها تمثل خطأ فاصلاً بين الشمال والجنوب يمتد من الغرب إلى الشرق وهي لا تمثل فاصلاً جغرافيا، بل هي فاصل عرقي وبشري وتموج هذه المناطق بتركيبة إثنية وأجتماعية وثقافية تختلف عما في الشمال وعما في الجنوب علي حد سواء لكن هذه المنطقة أجمالاً ظلت علي استعداد كامل للتعاطي الايجابي مع كل من الشمال والجنوب(1) .
علي ذلك أصبحت مرشحة إلى حد بعيد لأن تكون منطقة تلاقي وتمازج تربط الشمال والجنوب بما يجعلها منطقة ربط ونموذج أندماج يمثل جسراً للوحدة الوطنية في السودان الا أن قلة الموارد وعدم توافر البنية الاساسية وتدهور الخدمات او انعدامها في ظل الكثير من التراكمات السلبية الناتجة عن الأخطاء السياسية، كل ذلك أدي إلى تحول هذه المناطق بمرور الوقت إلى مناطق معزولة أصبحت تدريجياً منطقة عازلة وانتهت لكي تصبح منطقة مواجهة أثناء الجولة الاخيرة للحرب الاهلية في جنوب السودان حيث سعت الحركة الشعبية باستمرار لتوظيف واقع المنطقة في الصراع الدائر بينها وبين الحكومة القومية في الخرطوم(2) .
رغم أن زعيم الحركة الشعبية الراحل د.جون قرنق كان قد أعلن أن هذه المناطق ليست تابعة للجنوب جغرافياً، وأن أرتباط الحركة الشعبية بها هو أرتباط سياسي، فإنه أصر علي مناقشتها في مفاوضات أتفاقية السلام الشامل، وطالب بأن يكون لها الحق في تقرير مصيرها مثل الجنوب بعد الفترة الانتقالية مقدارها ست سنوات، تختار هذه المناطق بعدها الطريقة التي تحدد بها مستقبلها في أطار السودان، وبدأ أن الحركة الشعبية تهدف إلى جعل هذه المناطق مستقلة عن الشمال أو متمايزة عنه علي الاقل وقد تريدها جسراً سياسياً تعبر به نحو الشمال(3) .
فالبرتوكول الخاص بجنوب كردفان والنيل الازرق تضمن الكثير من التفاصيل حيث تم منح الحكومة 55% من مقاعد المجلس التشريعي، و45% للحركة الشعبية علي أن يكون الحاكم في أحدي الولايتين من الحكومة وفي الولاية الثانية من الحركة الشعبية ، ولا يتسلم أي من الحزبين قيادة الحكم في كلتا الولايتين في وقت واحد وأن يخصص منصب نائب الحاكم للحزب الذي لا يشغل منصب الحاكم ، كما نص البروتكول علي الاتفاقية ستكون محل تقييم في العام الرابع من الفترة الانتقالية وأن هذا التقييم سيجري من من خلال مفوضيتين أحداهما تكونها الهئية التشريعية المنتخبة للولاية والأخرى تنشئها مؤسسة الرئاسة وإذا وافق المواطنون علي هذه الاتفاقية من خلال برلمانهم في أي من الولايتين فستصبح بذلك تسوية نهائية للصراع السياسي في تلك الولاية ، أما إذا قرر أي من برلماني الولايتين تصحيح أي خلل في الترتبيات، فيمكنه الشروع في المفاوضات مع الحكومة القومية، وفيما يتعلق بالحدود التي كانت محل الخلاف بين الطرفين إثناء المفاوضات فقد أتفق علي أن تكون حدود ولاية جنوب كردفان السابقة عندما تم تقسيم كردفان الكبرى إلى محافظتين، وأن تظل ولاية الازرق بحدودها الحالية(4) .
شهدت عملية المشورة الشعبية الكثير من الخلافات حول مدلول وتفسيرات قانون المشورة الشعبية وذلك علي مستوي الحكومة الاتحادية وكذلك علي مستوي حكومتي الولايتين الأمر الذي يوضح حجم الصعوبات والتحديات التي قد تواجه عملية الاستقرار السياسي والأمني في الولايتين، فبينما يري حزب المؤتمر الوطني أن (المشورة الشعبية) ما هي الا مجرد أستطلاع رأي غير ملزم بإعتبار أن وضعية هذه المناطق قد سبق أن حسمت في مفاوضات نيفاشا من حيث تبعيتها الجغرافية للشمال ، نجد أن الحركة الشعبية علي النقيض من ذلك حيث تري أن (المشورة الشعبية) تعني منح السكان ولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق الحق في المطالبة بتقرير المصير باعتبار أن المشورة تعني الاستفتاء . في هذا السياق يجادل حزب المؤتمر الوطني بأنه مهما تكن درجة الاختلاف حول تطبيق مفهوم المشورة الشعبية فانها ـ ويعلم الجميع وبما ورد في المعاجم ـ لا يمكن أن تعني بدروها الاستفتاء حيث ترد دائماً بمعني الاستشارة التي تعني بدورها طلب النصحية والرأي ، وأن هذه ما هي الا ألية لفض المنازعات(5) .
بالجلوس لأخذ المشورة والرأي وتأسيساً علي ذلك يري أصحاب هذا التوجه أن قانون المشورة الشعبية لعام 2009م والمأخوذ من أتفاقية السلام الشامل قد عبر بوضوح عن هذه المعاني في المادة الثالثة من هذا القانون، حيث أشار إلى المشورة الشعبية يقصد بها حقاً ديمقراطياً وألية لتأكيد وجهة نظر شعبي ولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق كل علي حدة بشأن أتفاقية السلام الشامل، وتشير المادة الخامسة من القانون إلى معني المشورة بشرحها لأهداف ممارسة حق المشورة الشعبية علي النحو التالي(6) :
أ/ تأكيد وجهة نظر شعبي ولايتي جنوب كردفان والنيل الازرق بشأن أتفاقية السلام الشامل بخصوص أي من الولايتين وعن مدي تحقيقها لتطلعاتهما.
ب/ تسوية نهائية للنزاع السياسي في أي من الولايتين وارساء السلام .
ج/ تصحيح أي قصور في الترتبيات الدستورية والسياسية والادارية والاقتصادية في اطار أتفاقية السلام الشامل بخصوص أي من الولايتين .
يرى الباحث بسبب قضية التسريح والدمج للقوات الحركة الشعبية قطاع الشمال الفرقة (التاسعة والعاشرة) بعد الانفصال وعدم الاتفاق علي التربيات الأمنية والسياسية بعد الانفصال والتوتر الذي حدث في الانتخابات التكميلية لجنوب كردفان وانسحاب مراقبين الحركة الشعبية قطاع شمال من مراكز الاقتراع وأتهام المؤتمر الوطني بالتزوير في الانتخابات وغيرها من الاسباب، أدي إلى اندلاع الصراع المسلح بين الطرفان في ولاية جنوب كردفان واستمرت الحرب بين الطرفين حتى تم توقيع أتفاق أطاري بينها في اديس ابابا في 28/6/2011م (نافع- عقار) وينص الاتفاق علي تكوين لجنة مشتركة بمشاركة اللجنة الافريقية رفيعة المستوي لمناقشة كل القضايا المتصلة بجنوب كردفان والنيل الأزرق بما فيها المشورة الشعبية.
حيث نص الاتفاق على أن تكون الحركة الشعبية حزباً سياسياً ايضاً نصت الاتفاقية بدمج وتسريح قوات الحركة الشعبية، الا أن الرئيس السوداني عمر البشير رفض هذا الأتفاق الأمر الذي قاد إلى تمرد مالك عقار 8/9/2011م، حيث كان للقرار الأممي ( 2046 ) دور كبير في دخول الطرفين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني في مفاوضات تنائية تحت رعاية ثامبو أمبيكي الا أن الطرفين لم يتوصلا إلى حل شامل بسبب تباين وجهات النظر حول القضايا الخلافية ( الترتبيات الأمنية ـ فتح الممرات الانسانية)
الديون الخارجية:
شهد العقد الاخير واحدة من أعلي معدلات النمو الاقتصادي التي حققها السودان وذلك بمعدل نمو سنوي بلغ في المتوسط 8% سنوياً مع النجاح بالاحتفاظ بمعدلات التضخم ضمن المدي المخطط له مع النجاح في أحداث أنخفاض مستمر في عجز ميزان المدفوعات ، وشهد السودان تحسناً في جانب إدارة المالية العامة للدولة فقد تقلص العجز في اداء الإيرادات غيرالضريبية من 8,7% في العام 2008م إلى 7,7% في العام 2009م وتحسن اداء الايرادات الضريبية بشكل ملحوظ أنخفض أداء ميزان المدفوعات في 2009م وبلغ العجز في الحساب الجاري 11.5% من أجمالي الناتج المحلي وأنخفضت الواردات بنسبة 6% كما أن ضعف التحويلات والاستثمار الاجنبي المباشر ألقى بالمزيد من الضغط علي ميزان المدفوعات وأنخفضت قيمة الجنيه أمام الدولار الأمريكي وفقاً لإحصاءات صندوق النقد الدولي(7) .
بالنسبة للتوزيع النسبي للديون الخارجية للسودان فأنها قسمت علي 32% للدول الاعضاء بنادي باريس و37% للدول غير الاعضاء و16% للمؤسسة المالية الدولية و12% للبنوك التجارية و3% للموردين الاجانب وأوضح التقرير المشترك بين صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للعام 2009م ، وأن الديون الخارجية للسودان تمثل284% من الصادرات مقارنة بـ 150% كمؤشر عالمي وتمثل262% من الصادرات مقارنة بـ 250% وبعد تضاؤل دور مؤسسات التمويل الدولية بعد 1989م أصبحت معظم قروض السودان تأتي من الصين والهند ودول الخليج العربي(8) . بعد الانفصال أصدر جنوب السودان عملتـه (الجنيه) كمقدمة لخلق النظام النقدي الخاص به تبعه بفصل البنك المركزي للجنوب وأنشاء حساب خارجي مستقل وحدث ذلك بالفعل للتخلص من اعباء المشاكل النقدية المزمنة للدولة الأم مثل أنخفاض سعر الصرف والتضخم وغيره ، علي الرغم من أن العدد الأكثر من حقول النفط تقع في جنوب السودان الا أن حكومة جنوب السودان ترفض تبني موقف واضح حيال قضية الديون وتفضل حل القضايا الأكثر تعقيداً اولاً أو علي الأقل تجنب التعاطي الاعلامي مع القضية، ومواقفها داخل قاعات التفاوض أتسمت بالتشدد فهي تتحدث مدي عن رفضها لتقاسم الديون وتبرر رفضها بأن هذه الديون أستقلت في حرب الجنوب ضدها وأن الجنوب لم يستفيد منها(9) . في مفاوضات الترتبيات لما بعد الاستفتاء فمفاوضي حكومة جنوب السودان طالبوا بأن يتحصلوا علي أي نسبة من الاصول واحتياطي النقد الاجنبي والذهب إذا رغبت حكومة السودان في أن تشارك حكومة جنوب السودان في تحمل جزء من عبء الديون وتبنت استراتيتجية مفادها أن اقتسام الديون يعني اقتسام الاصول وقد تحقق ذلك في أتفاقية مصفوفة التعاون بين السودان وجنوب السودان 13/3/2013م بالأضافة إلى دفع رسوم استخدام انابيب نقل بترول جنوب السودان إلى ميناء بورتسودان(10) .
يري الباحث أن المعضلة في وضع قاعدة عامة لقسمة الدين العام تأتي من قلة السوابق التاريخية والتباين الكبير بين نمط معالجة كل حالة ، بين الاعتماد علي السكان أو إيرادات الإقليم أو أجمالي الناتج المحلي أو المساحة أو أعفاء الديون او الخيار الصفري الذي يقوم علي عدم مساهمة الدولة الحديثة في الديون، يمكن ان تلجأ حكومة جنوب السودان لهذا الخيار بأعتبارها لم تستفيد من القروض( الديون) البالغ قدرها 430 مليار دولار، لأن المصفوفات الموقعة تم رفضها من حكومة السودان ثم تم قبولها علي الطرفين للجوء للتحكيم الدولي يحق لهما مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة بتكوين لجنة من الخبراء الفصل في النزاع بينهما بخصوص قسمة الديون علي ان ينال فريق التحكيم قبول الطرفين .
أثر النفط على العلاقات الثنائية بين الدولتين :
بداء الإنتاج التجاري للنفط في السودان في عام 1999 وذلك قبل إنفصال دولة الجنوب ، في حدود 150 ألف برميل في اليوم بعائدات صادرات من النفط تقدر بحوالي 275.9 مليون دينار ، وعملت هذه العوائد النفطية على تخلص السودان من فاتورة النفط المستورد الذي يكلف الخزينة العامة للدولة حوالي 400 مليون دولار سنوياً والتي كانت تساوي 80% من عائدات الصادر. وعقب إستفتاء حق تقرير المصير وإنفصال جنوب السودان ، أصبح النفط يشكل إداة توتر وعدم إتفاق بين حكومتي السودان وجنوب السودان ، وذلك لعدم الإتفاق على تقسيم العوائد النفطية ، والإختلاف حول تبعية الحقول البترولية لأي من دولة السودان وجنوب السودان(11) .
ومعظم إنتاج النفط السوداني(70-80%) يأتي من حقول جنوبية ، وتعتبر أبيي من أكبر الحقول لإنتاج النفط في السودان ، ويمثل النفط عصب الاقتصاد السوداني ، حيث يمثل 90% من حجم الصادرات السودانية ، كما يمثل 50-60% من إجمالي الموارد العامة لموازنة دولة السودان ، ويمتاز السودان بامتلاكه للمصفاة الوحيدة لتكرير النفط بجانب خطوط تصدير النفط عبر ميناء بشاير على ساحل البحر الأحمر، أما حكومة الجنوب تمتلك حوالي 73% من إجمالي النفط السوداني ، بعوائد تقدر بنحو 4 مليار دولار ، بمعدل 500 ألف برميل يومياً وإستثمارات تقدر بأكثر من 9 مليار دولار ، ولا يعرف لحكومة جنوب السودان مورد اقتصادي أخر غير النفط عدا بعض المداخل الضعيفة من الرسوم الجمركية بنسبة 2% من إجمالي موازنة الحكومة ، بمعنى ان النفط يشكل 98% من جملة صادرات دولة جنوب السودان ، ودلوة الجنوب تمتلك الحجم الأكبر من حقول النفط ولكن السودان يمتلك كافة البنى التحتية لخدمات البترول(12) .
يرى الباحث أن قسمة عائدات النفط ، فقد أوضحت إتفاقية نيفاشا التي تم التوقيع عليها في يناير 200 إلى أن يتفق الطرفان على اساس الإطار المحكم المتفق عليه لتنمية قطاع البترول خلال الفترة الإنتقالية يتضمن إستغلالاً مستداماً للبترول كمصدر طبيعي غير متجدد متفقاً مع المصلحة القومية والصالح العام ومصلحة الولايات ومصالح السكان المحليين في المناطق المتأثرة ، كما أشارت الإتفاقية للإهتمام اللازم لتهيئة المناخ المناسب لتدفق الإستثمارات الأجنبية و تهيئة مناخ اقتصادي كلي مستقر يعزز على إستقـرار قطاع البترول ، على أن يتفق الطرفان على تشكيل مفوضية مستقلة للنفط خلال الفترة الإنتقالية تتخذ قراراتها بتوافق الأراء، واشارت الإتفاقية لقسمة عائدان النفط مناصفة بين حكومة الشمال وجنوب السودان بعد خصم 2% هو نصيب الولايات المنتجة مقابل .
وبعد الإنفصال لم يتم إتفاق حول تقاسم العوائد النفطية بجانب الإختلاف على تبعية بعض حقول البترول في منطقة أبيي لأي من حكومة الشمال أو دولة الجنوب ، وقد كانت مشكلة أبيي حجر عثرة في التوصل إلى غتفاق سلام بين طرفي التفاوض في نيفاشا ، وقد قبل الطرفان إعلان المبادي المقدم من السناتور دارنفورث على أن أبيي هي جسر بين الشمال والجنوب ، ومؤخراً حسمت محكمة العدل الدولية في لأهاي في يوليو 2009 النزاع حول ترسيم حدود أبيي والذي قضى بتقليص حدود أبيي من 850 كلم إلى 10 ألف كلم وعليه باتت الحدود الشمالية للمنطقة عند خط العرض 10 درجات ، وقد منح هذا الترسيم الجديد حوالي 12.10 كلم من جملة 16 ألف لحكومة الشمال .
لكن حكومة دولة جنوب السودان وقفت موقفاً رافضاً بعد الإنفصال ، و أتهمت دولة السودان بالمماطلة والنكوص عن تسديد الرسوم التي بلغت 727 مليون دولار ، وبدلاً من الإتفاق والإقرار بمستحقات السوادن تعمل حكومة جنوب السودان للبحث عن خيارات اخرى لتصدير النفط إلى الأسواق العالمية عبر مؤاني كينيا ، ويرى المحللون صعوبة ذلك نسبة لعدة صعوبات تتمثل في التكلفة العالية والتضاريس الوعرة حسب التكوين الجغرافي(13) .
ومن الواضح أن صراع النفط بين السودان وجنوب السودان هو جزء من الصراع الأميركي الصيني غير الظاهر للإستيلاء على الموارد في أفريقيا ، ولهذه القوى الغربية لها مصلحة في إنفاذ بعض الأجندة الخاصة بها خاصة الولايات المتحدة التي تعمل لمصلحة اليمين المسيحي المتطرف ومن خلفه شركات البترول التي تسعى لإستعادة حقها المسلوب من بترول الجنوب والتي تدعي ملكيته لأنها قامت باكتشافه ، كما أن الولايات المتحدة تعهدت بدفع كل منصرفات الفجوة المتعلقة بإيقاف النفط عبر الأراضي السودانية لمدة خمس سنوات قادمة وساهمت بنسبة 40% لبناء الخط الجديد الناقل للبترول عبر ميناء لامو في كينيا(14) .
يرى الباحث أن كل من حكومتي السودان وجنوب السودان لا تتحملان وقف البترول وان أختلفت درجات التحمل ، ومن المحتمل أن يتوصل المفاوضون في أديس ابابا في هذه الفترة إلى حلول ترضي الطرفين بعد إيقاف ضخ البترول الجنوبي عبر خط الأنابيب السوداني ووصلت القضية إلى مرحلة الأزمة بين الطرفين ، وعليه هنالك سناريوهات يمكن أن يلعبهما النفط باعتباره مورد اقتصادي في التأثير على طبيعة العلاقات الثنائية بين الدولتين :
أولاً: أن يكون النفط وسيلة تعاون واتفاق وتقارب بين الدولتين لأن دولة الجنوب دولة حبيسة وكل البنى التحتية لتسويق النفط موجودة في السودان ، بجانب إحتياج السودان للعائد المادي جراء تصدير نفط الجنوب للمحافظة على الإستقرار السياسي والاقتصادي . وعليه سوف يتفق الطرفان في هذه الحالة على إجراءات قانونية على العوائد النفطية بصورة مرضية لكل من الطرفين .
ثانياً: يكون النفط وسيلة توتر وإختلاف وبالتالي يقود إلى حرب ثالثة بين الطرفين، نسبة لعدم التوصل إلى صيغة ترضى الطرفين في المفاوضات بشأن العوائد النفطية، وهو مسبعد لدرجة ما لأن حكومة السودان وجنوب السودان وقعا على اتفاق التعاون بينهما .
الخاتمة :-
تناولت الورقة "الآثار السياسية و الإقتصادية للإنفصال" حيث تطرقت لأهمية مناطق جنوب كردفان و النيل الأزرق حيث كان التماطل فى حسم ملف الترتيبات الأمنية و السلطة و الثروة كان له دور فى تجدد الصراع فى المنطقتين لذا الإعتراف بالحركة الشعبية قطاع الشمال و تحويلها إلى حزب سياسى يمثل مخرجاً لحل أزمة جنوب كردفان و النيل الأزرق و لقد لعب القرار 2046 دوراً مهماً فى الإستقرار النسبى الذى شهدته المنطقة . بالرغم من أن قضية الديون الخارجية لم يتفق عليها حكومتى البلدين يمكن أن يسعى الطرفين بإقناع الدول الدائنة بإعفاء الديون و الإستفادة من التعاون فى مجال النفط لتحقيق التكامل بينهما ، و من خلال الدراسة توصل الباحث للآتى :
1/ التماطل فى تنفيذ المشورة الشعبية و عدم وضوح مفهومها كان له دوراً كبيراً فى تجدد الصراع بين منطقتى النيل الأزرق و جنوب كردفان .
2/ قلة السوابق التاريخية وراء عدم حسم قضية الديون الخارجية بين السودان و جنوب السودان بالإضافة إلى عدم وضوح رؤية دولة جنوب السودان .
3/ يمكن أن يكون النفط مصدراً للتعاون و الإستقرار بين البلدين .
و من خلال الدراسة يوصى الباحث بالآتى :
1/ تسوية الصراع فى جنوب كردفان و النيل الأزرق فى إطار التسوية الشاملة الأمر الذى يحقق المواطنة و الحقوق و الواجبات .
2/ اللجوء إلى الأمم المتحدة حتى يتثنى للأمين العام تكوين لجنة لحسم قضية الديون الخارجية بين دولتى السودان و جنوب السودان و قبل هذا توفر الإرادة بين الطرفين.
3/ العمل على وضع إتفاقية واضحة النقاط للتعاون بين دولتى السودان و جنوب السودان فى مجال النفط .



قائمة المصادر :
1/ عبد الوهاب البشير ، المشورة الشعبية و مستقبل العلاقة بين الشمال و الجنوب ، مجلة السياسة الدولية ، العدد 183 ، يناير ، 2011م ، ص 169 .
2/ عوض أحمد سليمان ، المشورة الشعبية فى ولاية النيل الأزرق ، (الخرطوم مركز الراصد) 2015م ، ص 173 .
3/ المصدر نفسه ، ص
4/ محمد على أحمد محمد ، آثار الإنفصال على حاضر و مستقبل العلاقات بين جمهورية السودان و جنوب السودان ، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير فى العلوم السياسية من جامعة أمدرمان الإسلامية " غير منشورة" ، 2014م ، ص 137 .
5/ المصدر نفسه ، ص 140 .
6/ عبد الوهاب البشير ، مصدر سابق ، ص 171 .
7/ المصدر نفسه ، ص 174 .
8/ أحمد رمزى عدوى ، الديون الخارجية ، ورقة قدمت ضمن مؤتمر الجمعية السودانية للعلوم السياسية ، فى الفترة : 28 – 29 نوفمبر 2011م الخرطوم ، ص43 .
9/ المصدر نفسه ، ص 45 .
10/ المصدر نفسه ، ص 47 .
11/ ريم محمد موسى ، ضروريات التعاون الإقتصادى بين السودان و جنوب السودان و إمكانية تحقيق التكامل ، ورقة قدمت ضمن مؤتمر دول حوض النيل ، محتويات التنمية و مستقبل التعاون ، القاهرة فى الفترة من 28 – 30 يونيو 2012م ، ص 94 .
12/ المصدر نفسه ، ص 97 .
13/ أحمد رمزى عدوى ، مصدر سابق ، ص58
14/ المصدر نفسه ، ص 61.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6682

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد على أحمد محمد تورشين
محمد على أحمد محمد تورشين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة