المقالات
منوعات
سناريات - قلب حماد أبو رقعة
سناريات - قلب حماد أبو رقعة
11-09-2014 07:25 AM

سناريات - قلب حماد أبو رقعة

*(الحياة قصيرة. ولا وقت لدينا على الإطلاق
لنفرّح قلوب أولئك الذين يقطعون الطريق معنا،
لذلك على كل منا أن يكون سريعاً إلى الحب لئلا
يفوته الوقت..).
- القس جسي جاكسون -
.. كان حماد أبو رقعة يعمل حمالاً، رجل في الخامسة والأربعين، وإن بدت هيئته تدل على أنه أكبر من ذلك بكثير، ذلك أن مأساة تفصح عن نفسها تسكن ملامح وجهه القاسي. وهو رجل قوي يستطيع أن يرفع من الأحمال ما لا يقدر عليه اثنان أو ثلاثة حمالين مجتمعين.
ويجلس ساهماً، شارد الذهن على أحد الأرصفة في سوق الموردة بسنار المدينة، وهذا هو مركز عمله، يطلب أحياناً كوباً من الشاي... من بائعة الشاي، أو يضيفه به أحدهم فيتقبله بامتنان صامت، قليلاً ما يتباسط مع أحد في الحديث، مع أن أهل السوق يعرفون قصته التي كان يروي أجزاء منها باقتضاب لهذا أو ذاك دون أن يسردها كاملة، إلاّ أن أجزاء القصة قد اكتملت لديهم حين تعاونوا على جمع تلك الأجزاء.
في زمن أبو رقعة لم تكن الركشة أو البكاسي أو السوزوكي معروفة، وكان بعض الحمالين يستعملون الحمار لتلك المهمة، وبعضهم يمتلك الكارو. وهو عربة خشبية يجرها حمار أو حصان.
والبعض كان يعتمد على قوة جسمه وعضلاته وكان أبو رقعة واحداً من هؤلاء.
وحين يأتيه الزبون ليتفق معه على الحمل والمكان المراد إيصاله إليه، يستمع أبو رقعة بهدوء ثمّ يطلب المبلغ الذي يقدره لهذه المهمة، وكانت المساومة على المبلغ حالة مألوفة لدي الجميع وغالباً ما كان حماد أبو رقعة يقبل بأي مبلغ كان، حيث كانت الريالات والخمس قروش وأبو قرشين سائدة آنذاك لتلك الخدمات.
كان أبو رقعة يأخذ وضعية القرفصاء، حيث يعطي ظهره للحمل إن كان ثقيلاً ثمّ يشده جيداً ثمّ يتناول الحبل من طرفيه بيديه الاثنتين، ثمّ يشده جيداً، بعد ذلك يربط طرفيه ببعضهما ويسند على جبهتيه ويهب واقفاً ليبدأ مسيرته.
وإليكم أيها الأفاضل قصة حماد أبو رقعة فقصته تستحق الرواية.
لم يفت يوم واحد على أبو رقعة دون أن يزور أخته التي كانت ترقد في مستشفى سنار الحكومي لإجراء عملية جراحية، حيث تعرف هناك على مريضة شابة ترقد إلى جانب سرير أخته تلك وهي تعاني من مرض عضال.
وكان يبدو على ملامح وجهها أثر جمال غطاه المرض المزمن، وبما يحمل أبو رقعة في قلبه من إنسانية كبيرة، بدأ اهتمامه بها، فمرّة يحمل لها العصير، ومرة الفواكه وأخرى يشتهي لها الطعام، ثمّ بدأ يكتشف أن بعض الأدوية التي تحتاجها غير متوفرة في المستشفى فكان يأخذ الوصفة الطبية (الروشته) ليأتيها بالدواء المفقود.
وقد فهم من بعض الممرضات أنها بحاجة إلى زمن طويل من العلاج، كما أنها مقطوعة من شجرة ولا أحد يأتي لزيارتها، فلم ينقطع أبو رقعة عن زيارتها في المستشفى بعد أن غادرته شقيقته معافاة.
أخذ أبو رقعة مع الأيام يشعر بمسؤوليته حيال المريضة الشابة ولعل عواطفه أيضاً كان لها أثر في الموضوع وقد عرف أن بقاءها في المستشفى ليس مجدياً وأن الأدوية التي يأتيها بها هي الوسيلة التي ربما يكون لها دور في الشفاء إضافة إلى الغذاء الجيد، وليس طعام المستشفيات.
فاتحها أبو رقعة في الموضوع، وقد رأى أن يعقد قرانه لتستطيع السكن معه في منزله في حي (فنقوقه)، ولأن الامتنان يحمل شيئاً من المشاعر فقد وافقته، وتم الأمر.
بعد أشهر قليلة أخذت الصبية تتماثل للشفاء وبدأت النضارة تعود إليها، لتستعيد جمالاً كان المرض قد غيبه، ولعل حماد أبو رقعة آنذاك لم يكن ليحسد شاه إيران أو امبراطور الحبشة فالسعادة كانت ترفرف عليه مع زوجة رائعة بعد أن عافاها الله.
زمن مرّ على أبو رقعة حين أخذ يلاحظ تغيراً يصاحبه بعض النفور من قبل زوجته الجميلة التي أصبحت مستاءة من شكل ومهنة ولقب زوجها العتال إلى أن ضبطها متلبسة في غرفة الجالوص مع شاب من الجوار فما كان منه إلاّ أن غادر منزله بما فيه هائماً على وجهه ولم يقترب بعد ذلك من الحي أو المنزل أو يحاول رؤية زوجته التي أعاد إليها الحياة.
سأله مرة أحدهم: كم من الزمن مضى على تلك الحادثة؟
أجاب: تسع سنوات ألح السائل بالسؤال: أولا تفكر بالعودة لترى زوجتك أو لتستعيد منزلك، فهو ملك لك؟
أجاب: لا.. عاد الرجل ليسأل: هل أنتَ مستعد للتضحية ثانية لو التقيت بإمرأة أخرى، أم أنك لن تلدغ من جحر مرتين؟ ودون تردد أجاب أبو رقعة لن أتردد بالتضحية....
ولعل كان يود القول إن القلب الكبير المفعم بالحب أو المشرعة نوافذه على العالم، لا يستطيع كائن أن يوصد فيه تلك الأبواب.
[email protected]

- - - - - - - - - - - - - - - - -
تم إضافة المرفق التالي :
نائلكوف 064.jpg


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 648

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1162350 [Reem Yousif]
0.00/5 (0 صوت)

12-03-2014 10:12 PM
حكاية ولا أروع برغم الالم ومثال رائع للتضحية وما اقسى الخيانة ممن نحب ...
تسلم اناملك الرائعة لهذا التصوير ... دمت بود

[Reem Yousif]

#1145689 [محمد علي العوض]
0.00/5 (0 صوت)

11-09-2014 03:36 PM
كتابة ابداعية جميلة دكتور وأنت تجيد فن الحكي

[محمد علي العوض]

الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة