المقالات
السياسة
قصة حياة اليوزباشي عبد الله عدلان (2)
قصة حياة اليوزباشي عبد الله عدلان (2)
11-11-2014 03:32 PM

قصة حياة اليوزباشي عبد الله عدلان (2)
كما رويت للمفتش البريطاني جورج ريتشارد بريدن
The Life-story of Yuzbashi ‘ Abdullah Adlan
As told to G. R. F. Bredin
ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذا هو الجزء الثاني من ترجمة وتلخيص لمعظم ما ورد في مقال للإداري البريطاني جورج ريتشارد بريدن (1899 – 1983م) عن قصة حياة اليوزباشي عبد الله عدلان. وعمل السيد بريدن في السلك الإداري في مختلف مناطق السودان مثل كوستي (مديرية النيل الأبيض) والنهود وأبو زبد والأبيض (مديرية كردفان) والفاشر (مديرية دارفور) والجزيرة (مديرية النيل الأزرق) والخرطوم منذ عام 1921 وحتى تقاعده في عام 1948م. وتحتفظ مكتبة السودان بالجامعة البريطانية درام بمذكرات هذا الإداري عن سنوات عمله بالسودان ومكاتباته العديدة.
ونشرت القصة في مجلة "السودان في مذكرات ومدونات" Sudan Notes and Records في عددها الثاني والأربعين والصادر في عام 1961م.

المترجم
********** ********** ********** **********

عند الفجر قام قائد فرقتنا بتقسيمنا إلى وحدات صغيرة لمهاجمة القلعة وذلك بعد إرسالنا لهم رسائل نطالبهم فيها بالاستسلام. وأجابنا اثنان من البامبشية المصريين بموافقتهما على الاستسلام، بينما رفض ثالثهما (واسمه عبد الرضي) أن يفعل ذلك، بل بعث برسائل لبقية أفراد الحماية أخبرهم فيها بأنه يفضل الموت على أسوار القلعة على أن يسلمها للدراويش. ولهذا رفض جميع الجنود في القلعة الاستسلام عدا البمباشيين المصريين. وبدأ جيش الدراويش في الهجوم علينا، وكانت مقاومة جنود القلعة عنيفة جدا، إلا أن اكتظاظ القلعة بالنساء والطفال واللاجئين صعب من مهمتهم. ولم نشأ نحن الذين كنا جنودا في جيش الخديوي أن نقاتل زملائنا السابقين، فأبعدنا عن تلك المعركة ولم نشارك فيها. وظل جنود القلعة يقاومون ليومين كاملين، غير أنه أتى في اليوم الثالث للقتال مدد لجيش المهدي بقيادة عثمان دقنة فعجز المدافعون عن القلعة عن الصمود لقلة عددهم فأستسلم من بقي حيا منهم. ثم قام الجيش باستباحة المدينة.
وسمح لنا، نحن الجنود الذين قدمنا مع الجيش من أمدرمان، والذين كنا نعمل سابقا في حامية كسلا بالاستقرار مع عائلاتنا شريطة أن نكون على استعداد للعودة لصفوف الجندية خدمة للمهدية..
وبعد شهرين أو ثلاثة في كسلا سمعنا بأن هنالك جنودا ايطاليين في طريقهم إلى كسلا لإنقاذها. وعندما وصلوا لأطراف المدينة علموا أنها سقطت بالفعل. وأرسلنا لنقاتلهم فوجدناهم مدججين بالأسلحة، وخضنا ضدهم معركتين فقدوا فيهما عددا كبيرا من الرجال. وأتانا في المعركة الثانية مدد كبير من عثمان دقنة فنجحنا أخيرا في طرد الايطاليين وتابعناهم حتى حدود ما يعرف الآن بأريتريا، ولم نرهم مرة أخرى.
وأمر قائدنا أبو عنجة ، نحن الجنود السابقين في جيش الخديوي، بأن نكون تحت قيادة جيش عثمان دقنة في هجومه على سواكن. وكنا قد سمعنا من قبل بأن معركة كانت قد دارت بين عثمان دقنة وبيكر باشا انتصر فيها عثمان دقنة. ثم حاول نائب لعثمان دقنة السيطرة على سواكن ولكنه لم يفلح في ذلك، وأرسلنا كمدد عسكري لقواته المقاتلة من أجل السيطرة على تلك المدينة. وكانت تلك القوات مكونة من ثلاثة كتائب وما بين الفين إلى ثلاثة آلاف من جنود الدراويش على ظهور الخيول. وأمرنا بإقامة تحصينات حول سواكن ومحاصرتها، واستولينا على عدد من الآبار حولها في مناطق تاماي والتب وهندوب وجميزة. وكنا نتسلل ليلا نحو أسوار سواكن ونرى من بعيد أضواء تلك المدينة، فقد كان الضباط البريطانيون يتناولون طعامهم ليلا على سور المدينة تحت أضواء الشموع. وكنا لا نهاجمهم نهارا، ولكننا كنا نحاول من وقت لآخر أن نطلق الرصاص عليهم من مسافة بعيدة وتحت جنح الظلام، على أمل أن نصيب منهم أحدا.
وكانت حامية سواكن جيدة التحصين من جهة البر، وكان الجنود فيها يسكنون في خيام، وكانت لديهم قلاع صغيرة متناثرة حول الآبار. وفي ذات ليلة جمعنا كل قواتنا وقمنا بهجوم عليهم، غير أنهم صدونا. وبعد أيام وقعت مجموعة من جنودنا وهم على ظهور الإبل والخيول تحت مرمى نيران البريطانيين فأحدثوا فيهم خسائر كبيرة.
وأرسل نائب عثمان دقنة رسالة عاجلة لأميره كي يبعث بمزيد من الجند إذ أن عدد جنوده لم يكن كافيا للاستيلاء على سواكن. ووصل عثمان دقنة بنفسه لمعسكرنا لاستطلاع المكان بعد أن ترك من معه من الجنود على مسافة قصيرة خلفه، وقرر بعد أن تعرف على الأوضاع أن ينسحب ومعه كامل جيشه من الدراويش، وعقد اجتماعا تشاوريا مع قادته تقرر بعده تركنا نحن جنود جيش الخديوي السابقين وحيدين في مواجهة قوات سواكن. وفي تلك اللحظات، وبفضل من الله هبت رياح شديدة أعقبها نزول أمطار غزيرة، وسال وادي بالمياه فصلنا عن بقية جيش الدراويش. وقال لنا ضباطنا إن تلك هدية من السماء أتت لنا كي تسهل هروبنا. وبالفعل، وعند منتصف الليل بدأنا عملية الهروب فسرنا ليومين متتابعين حتى وصلنا عقيق على شاطئ البحر الأحمر. وهنالك توقفنا وعسكرنا لعدة أيام تحت ظلال بعض الأشجار. وفي تلك الأثناء سمع عثمان دقنه بهروبنا من الخدمة العسكرية فأرسل خلفنا فرسانه ليعيدونا. وقمنا في معسكرنا بعقيق بإقامة زرائب لعائلات كل كتيبة، وأخذنا وضع الاستعداد عن أنفسنا حتى النهاية. ثم رأينا ذات يوم سفينة بريطانية صغيرة تحمل مدفعا تمر ليس بعيدا جدا عنا فقام أحد ضباطنا، واسمه اليوزباشي سليم أفندي كركر (وكان ضابط إشارة ويتكلم الإنجليزية) بإرسال رسالة لتك السفينة مستخدما مرآة عادية كـ "هيلوغراف"، وأخبرهم بأننا جنود للخديوي هجرنا جيش المهدي. وفي تلك الأثناء كان جنود الدراويش يقتربون بسرعة من زرائبنا. فطلب إلينا قائد تلك السفينة الحربية أن نخلي الزرائب ممن فيها حتى لا يقع أحد منا أو عوائلنا في مرمى نيرانه. وفعلنا ذلك وتفرقنا بقرب الشاطئ. وما أن دخل الدراويش الزرائب حتى أطلق عليهم البريطانيون نيران مدفعهم فسقط بعضهم وأنسحب من بقي حيا. بعد ذلك أرسل لنا قائد السفينة إشارة تفيد بأنه يرغب في مقابلة قائدنا. ويجب هنا أن نتذكر بأننا كنا نرتدي جبب الدراويش المرقعة، ولعله كان يود التأكد من صدق روايتنا. وقربت السفينة من الشاطئ ومد سلم بينها وبين الشعب المرجانية ليتمكن خمسة من قادتنا من الصعود على ظهر تلك السفينة. وعادوا بعد قليل لينظمونا في هيئة مفارز صغيرة. وفي تلك الأثناء بعثت السفينة برسالة إلى سواكن تطلب تدبير أمر ترحيلنا إلى الميناء. وبالفعل أخذتنا سفينة في اليوم التالي إلى سواكن. وهنالك استبدلنا ملابسنا بزي جيش الخديوي، وصرفت لنا مرتبات ثلاثة أشهر، وأعطينا راحة لمدة اسبوعين كاملين. ثم أبحرنا نحو السويس، والتي وصلناها بعد خمسة أيام. ثم أخذنا بالقطار، كتيبة بعد أخرى، إلى معسكرات الجيش بالعباسية. حدث هذا في مايو 1885م.
وزارنا بعد أسبوع من وصولنا للمعسكر الخديوي توفيق ومعه الجنرال البريطاني قرينفيل باشا وجنرال بريطاني آخر في صحبة علي باشا شريف. ووقف جنودنا في طابور طويل مر عليه موكب الخديوي، وكان الموكب يتوقف قليلا في بعض الأحايين ليسأل الخديوي الضباط بعض الأسئلة. وأصدر الخديوي أمرا بأن تدفع لنا رواتبنا منذ اليوم الذي وقعنا فيه في أسر المهدي. وكنا في ذات الأيام نحصل على مؤنتنا المعتادة من المواد الغذائية لنا ولعائلاتنا. وقمنا بالفعل بعد 18 يوما بصرف متأخرات رواتبنا، وكان جزء منها بالجنيهات المصرية، وجزء آخر بالجنيهات الذهبية مع قطع معدنية متنوعة. وعدنا لثكناتنا في انتظار صدور الأوامر. وظللنا لا نفعل شيئا لثلاثة أشهر، وقررت في اثناء تلك الشهور أن أتزوج مرة ثانية. ثم أتانا مندوب من وزارة المعاشات ليخبرنا بأن أمرا قد صدر بتسريحنا من الخدمة شريطة أن لا نعود للسودان.
وفي تلك الأيام كان البريطانيون يقومون ببناء جيش مصري جديد عوضا عن ذلك الجيش الذي هزمه الدراويش، وكان من رأيهم أن يضم ذلك الجيش بعض أولئك الجنود الذين تم إجلائهم من السودان لمصر.
وتم كذلك الانسحاب من قاعدتي هنسيت وأماديب وسلما إلى ممثلي الحبشة. وألحقت حامية القلابات بقاعدة هنسيت، وعاد جنود تلك الحامية إلى مصر بعدنا بستة شهور، وتم تسريحهم بنفس الطريقة التي سرحنا بنا. وحدث ذات الشيء لجنود حاميتي دنقلا وبربر. وشكل جنود الحاميتين الأخيرتين الكتيبة السودانية 14 في الجيش الجديد، وأرسلوا لسواكن. وعينت أنا في رتبة الباشاويش في الفرقة الموسيقية في كتيبة التدريب. وبعد نحو ستة أشهر بعثت كمعلم في الكتيبة السودانية 13 والتي كونت في أسوان. وكان ذلك في أكتوبر 1886م. وبعد أشهر قليلة، وفي بدايات سنة 1887م سافرنا بالبواخر نحو وادي حلفا وكونا هنالك جزءً من حرس الحدود المكلف بصد أي هجوم محتمل للدراويش. وبعد فترة قصيرة بلغ قائدنا أن الدراويش يخططون لغارة على مصر فطلب من قيادته في القاهرة مددا من الجنود، فبعث له بالكتيبة السودانية 9 وانضمت إلينا في حلفا. وبعد ذلك أرسلت لنا كتيبتان مصريتان للمشاة، وفيلق هجانة وبعض الفرسان. وقمنا بتقوية دفاعات المدينة وبنينا حولها سورا، وحفرنا خندقا حولها، وأقمنا كذلك خمسة قلاع خارج دفاعاتنا الرئيسة. وفي تلك الأيام قدم لحلفا وودهاوس قائدا علينا، وكان الدراويش حينها يتقدمون نحو صرص ووصاول إلى قاماي بالقرب من أمكا. فأرسلنا كتيبتين إلى خور موسى باشا الذي يقع على بعد مئات الياردات جنوب حلفا، وهي تحت حراسة بواخر مزودة بمدافع. وكنا في تلك الأيام ننام وسلاحنا في أيدينا فوق الأسوار، ولم يكن مسموحا لنا بالعودة للمعسكر.
وفي تلك الظروف كنت قد رقيت لأصير ضابطا محاربا في الكتيبة السودانية 12. وفي يوليو 1890م عينت كصول لفرقة وادي حلفا الموسيقية، وكنت أجد العمل مرهقا جدا. وكان اثنان من الضباط البريطانيين (أحدهما قائد الكتيبة 12) من المغرمين بالموسيقى، وكانت تأتيهما مع كل رسالة بريدية قطع موسيقية جديدة فأقوم بتدوينها في نوتة موسيقية وأعلمها لأعضاء فرقتي لتعزفها لهما. وكانا يصران على أن تقوم فرقتنا بالعزف لهما لحنا عسكريا (مارشا) جديدا وقطعة فالس جديدة كل مساء. وكان برنامج الحفلات (والذي كنت أشرف على تنظيمه) مزدحما، إذ كان التنافس على حفلاتنا الموسيقية من جميع الميزات قويا جدا. ومع الأيام وجدت أنه ليس بمقدوري الاستمرار في ذلك العمل بتلك الطريقة وقدمت شكوى رسمية لقائدي، إذ أنني كنت أقضي نهاري في تدريب أعضاء الفرقة، وفي المساء كنت أقوم بتدوين الأعمال الموسيقية (الجديدة) استعدادا لحفلات قادمة. وفي الواقع كان ذلك هو ما أضعف بصري حتى اليوم. ووصلت شكواي لكتشنر باشا فأمر بترقيتي إلى رتبة ملازم ثاني. وهنأني قائد الكتيبة 12 على الترقية وسألني إن كنت أرغب في الخدمة في كتيبته فوافقت وتم تعييني على الفور.
ووصلت الكتيبة المصرية السابعة فأرسلت على الفور إلى قلعتنا المتقدمة، وهنالك هاجمتهم ليلا قوة من جنود الدراويش بقيادة عثمان أزرق. وعندما بلغ قاتنا نبأ ذلك الهجوم أرسل سرية من كل من الكتيبتين التاسعة والكتيبة 12 (والتي كنت أعمل فيها) لتعزيز الكتيبة المصرية السابعة. وعندما وصولنا للقلعة وجدنا أن الدراويش كانوا قد اقتحموا القلعة واشتبكوا بالأيادي مع جنود الكتيبة السابعة. ومع وصولنا تفرق الدراويش وانسحبوا. وعند الصباح تبين لنا أن نحو 60 أو 70 من المصريين كانوا قد قتلوا بينما قتل من الدراويش نحو 40 أو 50. وبعد تلك الحادثة سحبت الكتيبة المصرية وحللنا محلها في تلك القلعة. ولما سمع عثمان أزرق بأن خور موسى باشا صار يحرسه الآن جنود سودانيين انسحب على الفور إلى مركز قواته في صرص. ولم يحدث شيء لنحو شهرين. وبعد ذلك تقدم جيش الدراويش مجددا ونجح في القضاء على مجموعة من فيلق استكشافي للهجانة في جيشنا. لذا صدرت الأوامر للكتيبة التاسعة بالتقدم لصرص، وأجبر جنود الدراويش على الانسحاب إلى فركة. وتجمعت قواتنا في صرص وبلغ عدد أفرادها فيها 10 كتائب. وفجأة وفي يوم جمعة قام عثمان أزرق بالالتفاف حول التلال ودخل إلى وسط السوق في دبروسة (وهي القرية التي ولد بها خليل فرح بدري. المترجم) خلف خطوطنا. ودقت أجراس الإنذار فخفت قواتنا إليها ولكننا وجدنا أن الدراويش كانوا قد انسحبوا منها بعد أن قتلوا عددا من السكان. وحاول بعضهم الهرب فتزاحموا في مركب على النيل فغرقت بهم.
ثم هدأت الأحوال بعد ذلك لعدة شهور، ثم عاود الدراويش الهجوم علينا... هذه المرة في كوروسكو وقتلوا ضابطا اسمه أحمد بيه العبادي مع مجموعة من خفر الهجانة.
وفي عام 1888م كانت الكتيبتان السودانيتان 11 و12 قد ضمتنا لكتيبتنا. وفي العام التالي تحرك ضدنا الأمير ود النجومي وتقدم على الضفة الغربية للنيل نحو مصر. فحركت قواتنا بواخر مزودة بمدافع لمتابعة مسيرة جيشه وهي في طريقها نحو "أبو سمبل". ووضعت قواتنا في بواخر لتنزل أمام قواته في نقطة في الشمال اتخذت لها فيها مواقع دفاعية، وصنعت لها فتحات في حيطان البيوت الطينية التي تحصنت فيها. وبدأنا في الدخول في مناوشات مع جنود الدراويش لنحو أسبوعين كاملين. وبعد ذلك أرسل قرينفيل باشا طالبا المدد من مصر فأرسلت لنا الكتيبتان الأولي والثانية، ووصلتا لنا مع وصول الكتيبة 11 السودانية تحت قيادة ماكدونالد بيه. ووضع معظمنا في بواخر للعودة إلى فريك (Fereik) والتي كان جنود الدراويش قد انتقلوا إليها. وكانت قواتنا مكونة من ست كتائب. وذات مساء سمعنا من على البعد أمباية الأمير النجومي وأصوات رجاله وهم يتحركون. فبدأنا تحركنا في الثانية صباحا وواصلنا المسير حتى منتصف النهار لتعقب جيش النجومي، وتوقفنا عند تلال بالقرب من توشكي. وكان على جانب جيشنا الأيسر فرقة هجانة وبعض المدافع البريطانية، والتي بدأت في إطلاق نيرانها على الدراويش عند الواحدة ظهرا ولم تتوقف إلا بعد ساعتين. وفجأة رأينا ناقة وفرسا يجريان أمامنا دون أن يكون على ظهريهما أي راكب. وقال لنا بعض رجال القوات الصديقة (friendlies) أنهما للأمير ود النجومي. وبعد ذلك علت أصوات تنادي بوقف إطلاق النيران فتوقفنا. وتقدمنا لنجد الأمير وسبعة من رفاقه على الأرض ميتين. وعلمنا أن أخ لود النجومي اسمه حسن قد نجا وانسحب من أرض المعركة فتعقبته دون فائدة قوة مسلحة بقيادة هنتر باشا حتى المساء. وأمر قائدنا بوضع جثة الأمير على نقالة لتنقل معنا إلى حلفا بالباخرة. وتم أسر نحو ألف من الدراويش مع نسائهم وأطفالهم ووضعوا في مراكب مضت بهم إلى مصر. وبعد نصف عام في الأسر أعيدوا جميعا إلى حلفا ومنها إلى صرص حيث أطلق سراحهم ليعودوا إلى ديارهم. وبعد ذلك سادت فترة أخرى من الهدوء.
وفي عام 1891م نقلت كتيبتنا من أسوان إلى سواكن، وسافرنا عن طريق الأقصر، ثم قطعنا الصحراء إلى كوسير على شاطئ البحر الأحمر. ومن هناك استلقينا السفينة إلى سواكن. وفي تلك الأيام كان عثمان دقنة وجنوده يعسكرون بطوكر. فتقدمنا لمهاجمته في تلك البلدة بالمشاة في المنتصف، والفرسان على الجانبين، وهاجمناهم من محاور ثلاث. وأفلح عثمان دقنة في الفرار، ولكن قتل غالب من كان معه من الأمراء والجنود. وعقب ذلك الانتصار رجعنا لأسوان بنفس الطريق الذي كنا قد سلكناه من قبل.
وبعد تلك المعركة عاد قائدنا قرينفيل إلي بلاده وتولى السردار كتشنر القيادة. وكان كرومر في مصر.
ولعامين كاملين ظل السردار كتشنر يجوب المنطقة في جولات تفتيشية، وأتى معه في إحدى الجولات الخديوي توفيق نفسه في عام 1892م. وكانت فرقتي كثيرا ما تعزف له في حلفا. وبعد مرور شهور قليلة على تلك الرحلة توفي الخديوي توفيق وخلفه عباس حلمي. وقد زار الخديوي عباس هذا حلفا في 1893م ووصل حتى صرص. وفي تلك الأيام كان سلاطين قد نجح في الهرب من أسر الخليفة وعاد لمصر. وفي عام 1896م كان كل جيشنا مركزا في حلفا.
وفي ذلك العام تحركت طليعة الجيش ببطء إلى الأمام نحو صرص ومنها إلى عكاشة. ورافقتهم في ذلك الزحف الكتيبة 12 التي كنت بها. وغادرنا حلفا في مارس، وعند وصولنا لعكاشة وجدنا فيها أربع كتائب أخرى. وخطط السردار لمهاجمة فركيت، وهي آخر نقطة في جهة الشمال لجيش الدراويش. وتحركنا ليلا مع فيلق الهجانة وبعض مدافع المكسيم، وكان يقودنا السردار نفسه وهو في رفقة وينجت باشا. وقمنا بعملية التفاف واسعة في الصحراء طوال ذلك الليل في أرض صعبة التضاريس. وعند الفجر أمرنا بالتوقف عند طرف خور، وأخذ مواقعنا بين جانبي المدافع والتي نصبت في المنتصف. وكان على يسار تلك المدافع فرقة من الفرسان. وعند الخامسة والنصف صباحا أطلقنا إشارة لبدء الهجوم لبقية جنود جيشنا الذين كانوا يتقدمون نحو مواقع الدراويش وهم في بواخر على النيل. وكنا نسمع أصوات الرصاص يطلق من بعيد. ثم أمرنا أن نطلق قذائف مدافعنا. ولم يستطع جنود الدراويش الصمود أمام قوة نيراننا المنهمرة عليهم من أكثر من اتجاه. وعثرنا لاحقا على جثتي أميرهم (وأظن أن اسمه كان إدريس حمودة) وأخته، وهما على "فروة" الصلاة. وكان ذلك الرجل من أقرباء والدتي ومن نفس قبيلتها. غير أني كنت جنديا محترفا في جيش الخديوي وكان يجب علي أن أقاتل مع بقية الجنود الآخرين. ونجح عثمان أزرق في الفرار مع مجموعة صغيرة من فرسانه، إلا أن بقية جيشه كانت قد قتلت أو أسرت. وتم تسليم الجرحى من الأسرى للمستشفى المرافق للجيش، بينما أرسل البقية إلى سجن حلفا. وفي صبيحة اليوم التالي وعند التاسعة صباحا أرسلنا، وتحت قيادة هنتر باشا، لتعقب الفارين من تلك المعركة. وقضينا النهار كله وجزء من الليل في تمشيط المنطقة إلى أن وصلنا عند منتصف الليل إلى صواردة (مسقط رأس محمد وردي. المترجم) فعلمنا أن حسن ود النجومي (شقيق الأمير عبد الرحمن النجومي) كان مختبئا بها، ولكنه عندما سمع بأننا في طريقنا إليه وضع سلاحه في مركب على النيل وعبر إلى الضفة الغربية من النيل. ودخلنا على معسكره المهجور في صواردة ووجدنا فيه الكثير من المؤن، غير أننا منعنا من أخذ أي شيئ معنا سوى القليل مما نستطيع أكله. وعند منتصف النهار أتت بقية قواتنا فأقمنا لنا معسكرا يبعد قليلا عن معسكر الدراويش وصنعنا لأنفسنا عشش صغيرة من جريد النخل وبقينا بذلك المعسكر لمدة ثلاثة اشهر كاملة. وفي تلك الشهور كان المهندسون في حلفا يبنون بواخر لتحمل المدافع، وسميت اثنان من تلك البواخر "الفاتح" و"ناصر". وظلت الكتيبة العاشرة مسئولة عن حراسة الأسرى، بينما كلف جنود الكتائب المصرية ببناء المعسكرات وخط السكة حديد.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1237

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ترجمة وتلخيص: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة