المقالات
السياسة
تعقيب على التحقيق: بيت الميرغني ... هل حانت ساعة الغروب السياسي؟ (1/2)
تعقيب على التحقيق: بيت الميرغني ... هل حانت ساعة الغروب السياسي؟ (1/2)
11-12-2014 08:35 PM

تعقيب على التحقيق: بيت الميرغني ... هل حانت ساعة الغروب السياسي؟ (1/2)

تابعتُ باهتمامٍ التحقيق الذي أجراه ستة من صحفيي الغراء التيار حول بيت الميرغني وتساؤل المحققين عما إذا حانت ساعة الغروب السياسي لذلكم البيت. وقد وقفتُ بالطبع على بعض المعلومات المحققة التي رأيتُ أنها جديرة هي الأخرى بالتحقيق اعتماداً على المصادر التاريخية التي تناولتها، ففي الحلقة الأولى المنشورة بتاريخ الأحد 19 أكتوبر 2014م، العدد (1127) ورد ما يلي : (لم تبزغ شمس السياسة في بيت الميرغني إلا مع تولي مولانا السيد محمد عثمان الميرغني الملقب بالأقرب والد مولانا علي الميرغني قيادة الطريقة الختمية في السودان في العام ()...). وأقول إن شمس السياسة ــ بمعنى موالاة الحكام والاستعانة بهم ــ بزغت مع دخول الميرغني الأكبر إلى السودان بعد أن سمح له محمد علي باشا باستباق الحملة التركية إلى السودان لنشر طريقة شيخه أحمد بن إدريس وذلك نظير خدماتٍ قدمها الميرغني للباشا باصطحاب ابنه إبراهيم إلى الجزيرة العربية والقضاء على الحركة الوهابية التي مثلت بُعبعاً لأشراف الحجاز آنذاك. والغريب في الأمر أن المؤرخين السودانيين لا يتطرقون إلى هذه الحقيقة فيضيفوا الميرغني الأكبر إلى مجموعة علماء المالكية والشافعية وغيرهم الذين صحبوا الحملة، لا لشيء إلا لأنه دخل بلاد السودان قبلهم وعلى طريقته. وفي هذا الصدد، فالسؤال للإخوة المحققين وغيرهم: لماذا شقَّ الميرغني طريقاً صحراوياً إلى وسط كردفان ليلقي عصاه في بارا والأبيض ومن ثم واصل سيره إلى سنار فكسلا فمصوع فسواكن ثم عَبَرَ البحر الأحمر إلى الحجاز؟ فلو كنتَ محللاً فطناً لبدا لك أنه كان يؤدي دور مهندس المساحة، فهذه الحيثيات المكانية كانت هي أوتاد المسَّاح التي بنيت عليها أعمدة الإمبراطورية التركية في السودان بعيد الغزو التركي وقبل أن يمتد الغزو لاحقاً إلى الأحراش الإستوائية.
وقف الإخوة المحققون أمام العام الذي تولى فيه محمد عثمان الأقرب قيادة الطريقة الختمية وتركوه غُفلاً بين معقوفتين هكذا ()، ونفيدهم بأنه العام 1869م عام وفاة محمد الحسن الميرغني، فالحسن ولد في بارا عام 1819م وتوفي في ضاحية الختمية بكسلا متأثراً بالحمى في العام المذكور (انظر كتاب ــ تاريخ الطريقة الختمية ــ لمؤلفه جون أوبرت فول، ترجمة د. محمد سعيد القدال). وجاء في التحقيق (... فقد كُتب على محمد عثمان الأقرب أن يشهد ظهور الدولة المهدية وبزوغ فجرها الباكر.. فناصبها العداء كغالبية شيوخ الطرق الصوفية في ذلك الوقت.. ولم يكتف بمعارضة الداخل بل سافر إلى مصر لمقابلة المسؤولين هناك، لكن الموت عاجله فأسبل الجفن بعد ثلاثة أيام من وصوله في 15 يناير 1886م ودُفن في منطقة باب الوزير...). لكن الحقيقة ــ حسب نعوم شقير ــ (... ورأي السيد محمد عثمان أن الخطب قد تفاقم إلى حد لا يمكن ملافاته إلا إذا جاء المدد من مصر فلم يجيء المدد من مصر وخاف إذا بقي أن يقع في الأسر فيُهان ويُذل فقرَّ رأيه على الخروج من الخاتمية فخرج في 6 رمضان 1301هـ 30 يونيو 1884م قاصداً مصر فشيعه العربان الذين كانوا مجتمعين عليه إلى الدقا وتفرقوا إلى أماكنهم أما السيد فإنه بقي في الدقا مدة ثم ذهب إلى مصوع فمصر فأقام في مصر بضعة أيام ثم توفي إلى رحمة ربه السبت في 10 ربيع الآخر 1303هـ ودفن في باب الوزير ومقامه مشهور)، المصدر، جغرافية وتاريخ السودان، طـ 1967م، صـ 909.
جاء في التحقيق (ولكن وللتاريخ ولتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة لم يبلغ العداء بين البيتين ــ بيت المهدي وبيت الميرغني ــ أن جاء مولانا علي الميرغني في ركب جيش كتشنر الغازي ــ كما درج البعض على الترويج لذلك، فمولانا علي الميرغني رجع إلى السودان في العام ــ 1902 أي بعد حوالي أربع سنوات من سقوط أم درمان في يد الاحتلال الثنائي). إذن كيف نوفق بين هذه المعلومات التي تتأرجح بين الإثبات والنفي وبين ما جاء في المقدمة التعريفية في التحقيق داخل المربع التي تقول في نهايتها (... وبعد رحيل والده في مصر تولى علي الميرغني تسيير شؤون الطائفة واتخذ من سنكات بشرق السودان سكناً له حتى غروب شمس الدولة المهدية حيث حضر إلى الخرطوم في العام 1902م). نفهم من هذا أن علي الميرغني ــ الحاضر الغائب ــ ظل موجوداً في سنكات وليس مصر أثناء المهدية، علماً بأن أنصار الشرق كانوا يطوقون تلك المنطقة آنذاك، فكيف له أن يكون في مصر وسنكات في آنٍ معاً؟ وللحقيقة أن العداء لم يكن سببه مجيء علي مع كتشنر بل هو سابق لذلك منذ بداية المهدية، ولكن مجيء علي الميرغني مع الإنجليز خلق ما يشبه الحرب الباردة بينه وبين الأنصار في ظل المهدية الثانية المُروَّضة بزعامة عبد الرحمن المهدي (1885م ــ 1959م) لأن كلا السيدين كانا يعيشان تحت ظل قوة محتلة نجحت في استغلالهما لصالح الموازنة السياسية جرياً على التعبير الإنجليزي play one off against the other لذا لا غرو أن شاهدناهما عام 1919م وهما يقلان سفينة واحدة للإبحار إلى إنجلترا لتهنئة جلالة الملك جورج الخامس لانتصاره على تركيا. وهنا تكمن المفارقة، فالعقلية الانتهازية أرغمت علي الميرغني على العزوف عن تأييد تركيا التي كان أبوه وجدُّه وجدُّ أبيه مدينين لفضلها عليهم بدخول السودان ونشر طريقتهم فيه، فأبوه كما ذكرنا كان يقاتل إلى جانب حامية كسلا التركية ضد أنصار المهدية إلى أن خرج منها مرغماً إلى مصر، فقد ورد في كتاب "طائفة الختمية" للدكتور أحمد محمد أحمد جلي: (واكب دخول الختمية في السودان بدايات الحكم التركي المصري "1821م ــ 1881م" ومن ثم حظيت هذه الطائفة دون غيرها من الطوائف برعايته، ومال الأتراك إلى إيثار طائفة الختمية على غيرها من الطوائف. ونشأت من ثم علاقة متميزة بين الفريقين. وقد لاحظ المؤرخون هذا الارتباط وحاولوا إيجاد تفسير له ومن بين هؤلاء هولت: الذي يذكر في هذا الخصوص، أن وفود محمد عثمان الختم إلى السودان كان مقارباً زمنياً للغزو التركي المصري للسودان، وفي نظر كثير من السودانيين أن الحدثين مرتبطان. وبعد أن استقر النظام التركي المصري في السودان ازدهرت طائفة الختمية بشكلٍ ملحوظ إذ إن النظام التركي لم يجد لغة مشتركة يتفاهم بواسطتها مع السلطة القديمة في السودان أو مع رؤساء الأسر الدينية الذين اعتبرهم مشعوذين وجاهلين، ولم يكن الحال كذلك بالنسبة لأسرة الميرغني المتعلمة ذات الأصول الشريفة والتي جاءت من مكة وتحمل من العادات والتقاليد وأساليب المعيشة والحياة ما قربها إلى الأتراك وإنشاء علاقة وثيقة بينهم وبين الحكام. وكما أدى ذلك إلى ازدهار الطريقة وانتشارها، فإنه قاد إلى نوع من التوتر بين الختمية وغيرها من الطوائف والأهالي الذين اضطهدهم الأتراك وأذاقوهم الأمرَّين) اهـ ، طائفة الختمية، دار خضر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ص 20 و21. بل إن علي الميرغني تنكر حتى لمصر التي آوته ورعته بعد وفاة أبيه وأصبح ممالئاً للإنجليز في السودان، وليس أدلَّ على ذلك من حديثه لسير ونجت باشا الحاكم العام للسودان حين قال له: (لماذا أنتم أيها الإنجليز مندهشون لموقف المصريين المتصفين بكل العقوق والخيانة؟ ـــ فهم عنصرٌ من الرقيق، ولن يكونوا أبداً أفضل من ذلك، فشخصيتهم شخصية خسيسة، وبعد كل شيء فإن اللوم يقع عليكم أنتم لأنكم منحتموهم تعليماً فوق قدراتهم ومجَّدتموهم، والآن اكتشفتم أن وثنكم المعبود يقف على أقدامٍ من طين)، السودان تحت إدارة ونجت، غابريال ووربيرج.
السودانيون ــ خلا الأنصار ــ حساسون جداً إزاء ذكر مجيء علي الميرغني مع حملة كتشنر وصداقته للسير ريجنالد ونجت وعرفانه للورد كرومر الذي منَّ عليه بوسام القديسين جورج ومايكل C.M.G ومنحه لقب السير. وعوداً على بدء، فما هي الغرابة في مجيء الميرغني مع كتشنر؟ هذا رجلٌ وجد فرصته الذهبية التاريخية فانتهزها بعد أن رفضها الزبير رحمه باشا الذي دلّ المخابرات الإنجليزية على وجوده في مصر، وفي هذا يقول عبد الماجد أبو حسبو في الجزء الأول من مذكراته ــ جانب من تاريخ الحركة الوطنية في السودان ــ (عندما تقرر إعادة الفتح كان من رأي الانجليز والمصريين على السواء أن يكون مرافقاً للجيش الفاتح رجل من رجال الدين المتبوعين في شمال السودان وخاصة أن حملة الفتح اتخذت سيرها عن طريق دنقلا. وكان الزبير وقتها منفياً في مصر فاستشير في الأمر، فرشح السيد علي الميرغني ليكون رجل الدين الذي يرافق الجيش ... وقد وافق السيد علي الميرغني على ذلك حتى يستطيع جمع شمل أتباعه الذين كان قد أرهقهم الحكم المهدوي وفرَّق شملهم...)، المذكرات، صـ 81. رواية أبوحسبو تدحض فرية رجوع الميرغني عن طريق سواكن كما تدحض تاريخ عودته في عام 1902م، فهو بحكم موافقته على اصطحاب الجيش فقد عاد منذ 1896م. وفي تقديري كان علي الميرغني يريد جمع شمل نفسه قبل أتباعه تماماً مثلما يفعل نجله اليوم.
يقول التحقيق في المقدمة التعريفية للميرغني الأكبر وبنيه: (ومكث محمد عثمان الختم أو الأكبر الليالي ذوات العدد في بلاد النوبة، ثم شد الرحال إلى غرب السودان، وهناك أناخ رحله في الأبيض وبارا تباعاً وهناك اقترن بسيدة فضلى وأنجب منها ابنه الحسن الميرغني الملقب بالحسن أبوجلابية الذي أسس مدينة كسلا فيما بعد وأسهم في استمالة قلوب شتى إلى الطريقة الختمية. وتزوج الحسن أبوجلابية اثنتين إحداهما كريمة الشيخ خوجلي أبو الجاز صاحب القبة الشهيرة بحلة خوجلي وأنجبت له محمد عثمان الميرغني الملقب بالأقرب). فالتي اقترن بها الميرغني الأكبر في بارا هي امرأة من الدناقلة يقال لها ورقية بت محمود جلاب ــ وهي رقية عند بعضهم ــ (انظر كتاب صراع السلطة والثروة في السودان لمؤلفه تيم نبلوك، ترجمة الفاتح التيجاني ومحمد علي جادين). والحسن لم يؤسس مدينة كسلا بل أسس أبوه ضاحية الختمية الكائنة قرب كسلا حيث حاصرها الأنصار فيما بعد وأخرجوا منها محمد عثمان الأقرب ومن بعده ابن عمه بكري جعفر محمد عثمان، والأخير فر إلى الحجاز بعد أن كاد يفتك به عوض الكريم كافوت الجعلي من أهالي التاكا الذي بايع المهدي في شكا بدارفور وعاد إلى كسلا أنصارياً متحمساً. أما القول بأن السيد الحسن تزوج بكريمة الشيخ خوجلي أبو الجاز ففيه مفارقة تاريخية لأن الشيخ خوجلي ولد عام 1055هـ ــ حسب هوامش الطبقات ــ ما يوافق عام 1646م وأن السيد الحسن ولد عام 1819م أي بفارق 173 عاماً، لكن ربما تزوج إحدى حفيداته، وهذا يحتاج لتحقيق أكثر.
جاء في الحلقة السادسة بتاريخ 28 أكتوبر 2014م تحت عنوان "الصدمة الثانية": (لم تمض سنوات قليلة على رحيل مولانا أحمد الميرغني حتى شاءت إرادة الله أن تنتقل إلى رحابه السيدة مريم حرم مولانا السيد محمد عثمان الميرغني، كانت تلك الصدمة الثانية التي أثرت كثيراً على وجدان مولانا محمد عثمان، وربما على صحته أيضاً). الصحيح أنه لم يمض عامٌ واحد على وفاة السيدة مريم حتى شاءت إرادة الله أن ينتقل إليه أحمد الميرغني، فقد توفيت مريم أولاً في سبتمبر 2007م ثم تلاها أحمد الميرغني الذي توفي في 2 نوفمبر 2008م ــ أي بعد 14 شهراً من وفاتها. وفي العنوان الفرعي من ذات الحلقة "على مدار الساعة" يقول المحققون: (حسب المقربين من مولانا محمد عثمان الميرغني أنه يعمل في اليوم 25 ساعة، قليل الراحة والنوم، منذ أن اختار الخروج من السودان والسير في درب النضال السياسي الوعر ظل مهموماً بملفات ثقال أثرت كثيراً على صحته). كان حرياً بالإخوة المحققين أن يقولوا (في درب المعارضة السياسية الوعر) بدلاً عن (درب النضال السياسي الوعر)، فالميرغني لم يكن مناضلاً لمصلحة أحد أو لمصلحة الوطن بل كان معارضاً للنظام الحاكم بسبب غبائنه الشخصية، أما الملفات الثقال التي ظل مهموماً بها ــ إن كانت هناك ملفات ــ فلا تعني المواطن في شيء. والنقطة الثالثة في هذه الحلقة هو مؤتمر المرجعيات الذي أشار إليه المحققون والذي عقد في القناطر بمصر عام 2004م، ففي تقييمي أن ذاك المؤتمر ولد ميتاً ولم يجد من يحنطه بل كان مجرد تظاهرة شارك فيها إخوة من الداخل وعادوا بخفي حنين وأكثر شخص خسر فيها بسبب عدم وفاء الميرغني كان هو الراحل عبد الماجد بشير الأحمدي الذي بعثه الميرغني إلى الليبيين للحصول على دعم مالي للمؤتمر، وقابل الأحمدي ــ الذي عمل سفيراً في ليبيا من قبل ــ أبوبكر يونس وأخبره بطلب الميرغني، ولكن أبوبكر جابر هاتف الميرغني بمكالمة فحواها إننا نعلم أن القاهرة دعمت مؤتمركم لوجستياً ففيم تريدون دعماً مالياً منا؟ فرد عليه الميرغني: ومن الذي قال إننا نريد منكم دعماً مالياً؟ فأجاب المسؤول الليبي: هو مبعوثكم الأحمدي. وكانت المفاجأة أن قال له: أنا لم أرسله لكم. وحزَّت الإجابة في نفس المرحوم الأحمدي فعاد إلى السودان غاضباً وأعلن انضمامه إلى حزب المؤتمر الوطني بيد أنه لم يعمّر طويلاً بعد ذلك.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 1 | زيارات 1338

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1148464 [ملتوف يزيل الكيزان]
0.00/5 (0 صوت)

11-13-2014 01:11 AM
الملابس عموما ليست وسخة ، لكن عندما يلبسها احدهم و يهمل في تنظيفها تصبح وسخة كذلك السياسة.

[ملتوف يزيل الكيزان]

سيف الدين عبد الحميد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة