المقالات
منوعات
احمد محمد صالح
احمد محمد صالح
11-13-2014 08:36 AM


بسم الله الرحمن الرحيم

لست هنا بصدد كتابة سيرة أحمد محمد صالح او التأريخ له ، وإنما أنا هنا لأعتب على الشباب ، فهم على كثرة ما يكتبون وتنوع ما يكتبون ، لا أجد فيه عناية بالأقدمين من حداة الوعي ورعاته.
أحمد محمد صالح واحد من هؤلاء الأقدمين، كان شاعرا وكاتبا وخطيبا ، لم أعرفه يوم تفتح وعيي لفهم ما أقرأ وإساغته وإن كنت قد عرفت عن البنا وعن العباسي وعن التجاني يوسف وذلك لأن أحمد محمد صالح كما قال عنه عبد الحليم علي طه :
زاهد في الظهور والحكمة زايد جاهـو
حتى كانت حنتوب في سنة 1946 إذ وجدتني مع احمد محمد صالح وجها لوجه ، فقد كان احد نائبي الناظر ، ولا أذكر انه كان يدرس في الفصول ، بيد أني أذكر انه مرة شغل عندنا حصة تغيب استاذها، ولأنه لم يكن معلم الدرس فقد رأى أن يشغلنا بأن يعهد إلينا بترجمة قطعة من الإنجليزية إلى العربية، ثم جمع الكراسات ليصححها حتى تبدو الواقعة كما لو كانت درسا مقررا وليست ملأ فراغ خلقه تغيب الأستاذ المعني بالدرس ،كما تكشف لنا أخيرا .لعلنا كنا في سنتنا الثانية بحنتوب، و لم أعرف او أسمع بعدها أن أحمد محمد صالح دخل أي فصل ليدرس فيه .
غير انه وجد بعض منا عرف عن الشاعر أحمد محمد صالح فأذاع بيننا قصيدتين من شعره ، الأولى كانت عند زيارة علي الجارم للسودان ، والثانية عن نكبة دمشق ، وكنا نتغنى بهما كما نتغنى بقصائد للشابي ـ الشاعر التونسي . أما شعر الشابي فقد كانت فيه أبيات ينفعل بها شعورنا الوطني ، أبيات عن الحرية .. حمراء لها باب بكل يد مضرجة يدق ، كما كانت له أبيات شعر عن تلك العذبة كالأحلام ، كالطفولة ، كاللحن ، كالصباح الجديد ، وأن كل شيئ فيها منغم حتى لفتة الجيد واهتزاز النهود ... هي صور كانت تدغدغ خيال المراهق ـــ وقد كنا ـــ وربما أججت بداخله تلك الرغبة العارمة ، وربما انتهى به كل ذلك إلى شيئ من الراحة والرضى عن نفسه .
هذه القصيدة غناها في مابعد المطرب حسن سليمان ( الهاوي) .
وأما عن علي الجارم فقد كان كاتبا وأديبا مصريا سبقه صيته الأدبي إلى منتديات الخرطوم وكان على صلة ادبية بأحمد محمد صالح . زار السودان فاحتفل به الخريجون في ناديهم وقد كان دار ندوتهم ، ونسي الداعون أحمد محمد صالح.
في قصيدة عرفت بإسم فينوس ـ فقد ورد فيها هذا الإسم ـ وكان مطلعها :
أخلفت يا حسناء وعدي وجفوتني ومنعت رفدي،
كتب يقول:
لما تنـكرودهم جازيتـــهم صدا بصــــد
هاذي اليراعة في يدي لو شئت كانت ذات حــد
لو شئـت سالت علقما سـما يرى عند التــحد
فإذا رضيت فإنها شهد مصـفى أي شــــهد
لي من بيــاني صارم وكتائب العزمات جـندي
لو كان زنـدي واريا لتهيبوا كفي وزنــــدي
او كان لي ذهب المعز لأحسنوا صـلتي وودي
وفي أبيات في آخر القصيدة يخاطب الجارم فيقول له :
يا وارث الأدب التليد وباني الأدب الأجــد
علم شباب الواديين خلائق الرجل الأشـــد
علمهمو ان الخنوع مذلة والجبن يـــردي
علمهمو ان الحياة تسير في جزر ومـــد
علمهمو ان التمسح بالفرنجة غير مجــد
وأبن لهم ان العروبة ركن إعزاز ومجـد
زيارة علي الجارم للسودان أرخ لها حسن نجيلة في كتابه ملامح من المجتمع السوداني ج 1 أو ج 2 .
وأما عن نكبة دمشق، فإن فرنسا كانت قد اجتاحتها قوات هتلر في سنة 1940 وبقيت تحت الإحتلال الألماني حتى حررها الحلفاء سنة 1945 ، ولا أعلم لماذا، ولكن فرنسا رأت ان تجرب بأسها و تؤكده في دمشق بعد ان أخفقت ان يكون لها بأس بإزاء هتلر ، فتداعى شعراء العربية وكتابها يبكون ما حل بدمشق . نكبة دمشق كانت موضوعا لكاتب في صحف الإمارات أعاد فيه ما كُتب عن تلك النكبة، ولم يكن ما كتبه أحمد محمد صالح من بين ما كتبه ذلك الكاتب ، إذ أن ما نشره أحمد محمد صالح كان في صحف السودان، وصحف السودان محدودة الإنتشار حتى في السودان، ومعدومته خارج السودان .
في نكبة دمشق قال أحمد محمد صالح :
صبرا دمشق فكل طرف باك ÷÷÷÷ لما استبيح مع الظلام حمـاك
جرح العروبة فيك جرح دامي÷÷÷÷ بكت العروبة كلها لبـكاك
جزعت عٌمان وروعت بغداد÷÷÷ واهتزت ربى صنعاء يوم أساك
وقرأت في الخرطوم آيات الأسى÷÷وسمعت في الحرمين انة شاك
والزعفران بدت عليه كآبة ÷÷÷÷÷ يوم استبد السيف في مغناك
والروضة الفيحاء روع ركنها ÷÷÷÷ لما تعفر بالثــرى خداك
( الزعفران كان أحد قصور الملك فاروق ملك مصر ـــ وكان على ما أظن ـــ يقيم فيه يومئذ)
وتمضي القصيدة :
مهلا فرنسا فالحوادث جمة ÷÷÷÷÷ والدهر دوار مع الأفـلاك
والله لولا الإنجليز وحلفهم ÷÷÷÷÷ لذهبت غير حميدة ذكراك
هم آزروك فكنت وصمة عارهم÷÷÷÷ يا ليتهم تركوك في بلواك
في حنتوب، كان احمد محمد صالح من اختار لها " الهدهد علامة " ، ولكن بقاءه في حنتوب كان قصيرا و غادرها إلى رئاسة مصلحة المعارف مترقيا ليملأ وظيفة كانت حكرا على البريطانيين . لكن السودنة ، وقد بدأ زحفها، وجدت في أحمد محمد صالح فارسا كان احد الأولين الذين ركبوا سرجها. ومع الإستقلال وتكوين أول مجلس للسيادة ليقوم مقام رأس الدولة كان احمد محمد صالح واحدا من الخمسة الذين تكون منهم المجلس ،وبعدها عزي إليه تأثيره الشعري في تأليف أبيات النشيد الوطني ، وبحكم عضويته، حين كان الدور عليه في رئاسة المجلس الدورية، صار رئيسا لكل السودان .
أحمد محمد صالح ، وقد جلس في أعلى كراسي السلطة في الدولة، قال عنه عارفوه بلسان عبد الحليم علي طه :
لا دهرا معين لا ثروة في دنـيـاهـو
عايش بالكفاف والباقي صارفو نداهو
لأحمد محمد صالح ديوان شعر منشور بإسم" مع الأحرار" وقد طبع مرتين من جهتين مختلفتين .
ألارحم الله أحمد محمد صالح وبارك في ذريته , أحدهم ابنه صلاح الإذاعي والدبلوماسي و شاعر الأغاني ومبتدع "الحقيبة" التي طالما حبت المستمعين"أخلاف نشوتها " ، وكان لها حواريون كثر من المطربين الجدد ، وظلت ـ ولاتزال ـ لأكثر من نصف قرن تقدم لمستمعيها ما فيها من روائع و إمتاع.

صالح فرح ـ أبوظبي
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2512

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1148762 [saeed]
0.00/5 (0 صوت)

11-13-2014 10:48 AM
,وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق "

هذا البيت لاحمد شوقى وليس للشابى

[saeed]

صالح فرح
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة