المقالات
السياسة
طلب الحكم الذاتي يكشف تخـبـُّط الحركة الشعبية
طلب الحكم الذاتي يكشف تخـبـُّط الحركة الشعبية
11-20-2014 12:18 AM


طرح وفد الحركة الشعبية الأخير خلال مفاوضات أديس بمنح منطقتي النيل الأزرق وجبال النوبة خيار الحكم الذاتي ؛ كشف بداية عن مدى اليأس السياسي ، والإنهاك العسكري . وفداحة الحصار الغذائي الذي تعرضت له الأراضي التي تسيطر عليها هذه الحركة .....
وكشف هذا الطرح ثانيا عن نوايا قياداته الدفينة ، والوجه الحقيقي الذي كان يختبيء خلف مساحيق ومكياج القومية والمطالبة بالديمقراطية والقضاء على التهميش .. إلخ من دعاوى آمن بها البعض ؛ وصدقناها وتعاطفنا معها حتى الأمس القريب .. ولكن فوجئنا اليوم أن المطلب الحقيقي الذي تسعى إليه هذه الحركة الشعبية إنما هو الإنفصال في نهاية المطاف دون تقدير لمغبة العواقب التي ستنال منهم قبل غيرهم.

إذا كان أمين عام الحركة الشعبية ورئيس وفدها في محادثات أديس أبابا "ياسر عرمان" يراوغ لمنح جنوب كردفان ومنطقة النيل الأزرق الحكم الذاتي بمبرر "خصوصية المنطقتين" ..... فإن معنى ذلك أن يتم منح الحكم الذاتي لكل محلية من محليات السودان . لأن واقع السودان العام هو أنه رقعة جغرافية جامعة لأعراق وثقافات متعددة متباينة في كل كيلومتر مربع منه... لا بل وتمتد هذه الظاهرة الملموسة حتى داخل العاصمة المثلثة ومدن السودان الأخرى.

ونسأل ياسر عرمان هنا وبهذه المناسبة عن ما هية الإرتباط التاريخي والثقافي والعرقي الذي يربط بين أهالي النيل الأزرق من جهة وبين أهالي جبال النوبة ؟ ..
ثم ما هي ملامح هذه الخصوصية التي تجمع بينهما ، وتجعلهما مؤهلتان للحياة معاً مستقبلاً؟
هل يظن ياسر عرمان أنه يستطيع إدخال البغلة في الإبريق بعد تكريس إنفصال المنطقتين عبر بوابة الحكم الذاتي الإقليمي المزعوم؟
واقع الحال فإنهما إن تركتا وحدهما فلن يرضى أحدهما بجوار الآخر لانه ببساطة لايوجد رابط بينهما ؛ سواء في الأرض أو اللغة أو الإثنية أو الثقافة ... أو التاريخ السلمي المنتج ، والحضاري المشترك .

والذي يبحث في التاريخ يكتشف كذلك أنه لايوجد بينهما رابط سوى الكثير من السبي والإختطاف والترويع وحروب الإحتواء التي كانت دائمة الإشتعال طوال الفترة التي سبقت سقوط دولة الفونج على يد إسماعيل باشا وإحتلال مصر للسودان عام 1821م... ولا نرغب هنا أن ننكأ جراح الماضي بالتفاصيل والأسماء ؛ بقدر ونحب بقدر الإمكان أن نتغاباه ونتناساه.

وأما اليوم فإن الرابط الوحيد الذي يجمع بين ما يسمى بالمنطقتين هو حرب الحركة الشعبية ضد حكومة المركز .... وبإنتهاء مسببات ومبررات هذه الحرب سينفض سامرهما ويمضي كل منهما إلى حال سبيله .
ثم أن أهل جبال النوبة من جهة ، وأهل النيل الأزرق من جهة ليس جميعهم أو حتى أغلبهم منضوون تحت راية الحركة الشعبية ... لكن دائما يظل صوت السلاح هو الأعلى والأكثر خرقاً لطبلة الأذن.

ولعل الذي حذر منه كثيرون من حكماء جنوب السودان من أن عقد الجنوبي ستنفرط حباته بعد إنفصاله عن السودان .. لعل هذا الذي حذروا منه ووقع بالفعل اليوم من حرب أهلية بين قبائله ما يؤكد سذاجة طرح ياسر عرمان فيما يتعلق بالنيل الأزرق وجبال النوبة . وأنه حل غير قابل للإستمرار مستقبلاً .
ولأولئك الذين يتباكون اليوم على إنفصال الجنوب . نذكرهم بأن إتفاقية الحكم الذاتي التي توصل إليها جعفر نميري مع جوزيف لاقو عام 1972م ؛ لم نجني من ثمارها سوى إنفصال الجنوب لاحقاً.

ويظل نظام الحكم الولائي الساري هو الوحيد الذي أثبت جدواه في مجال الحكم والإدارة .. وهو على الرغم من عدم وصوله إلى مرحلة النضج بعد إلا أنه يبقى الحل الأمثل ... وغداً حين تتغير الظروف إلى الأفضل ويعم السلام ربوع البلاد سيصبح بالإمكان حتماً تطوير آلية تنصيب ولاته وإنتخاب أعضاء مجالسه النيابية والتشريعية لتصبح أكثر شفافية وديمقراطية بعيدا عن الشمولية والهيمنة المستديمة للحزب الواحد.

لا أحب مجاراة البعض في وصف ياسر عرمان بأنه "غُراب السودان" و "أحمق الحركة الشعبية المُطاع" .......
ولكن إذا كان ياسر عرمان يرغب في حل مؤقت أحمق إسمه "الحكم الذاتي" لحلحلة خلافات وصراع الحركة الشعبية مع حكومة المؤتمر الوطني . فإن الذي يجب على الحركة الشعبية وأمينها ياسر عرمان إدراكه هو أن حكومة المؤتمر الوطني زائلة ... وأن الحركة الشعبية هي الأخرى زائلة لا محالة .. وتبقى أرض السودان الموحد إلى ما شاء الله.

وبدلاً من كل هذه الرعونة في المطلب . فلماذا لا تقدم الحركة الشعبية مقترحات "الخط المستقيم" التي تتمحور في المطالبة بإجراء إنتخابات حرة نزيهة لمناصب الولاة والمجالس النيابية والتشريعية في مناطق الصراع تحت إشراف ورقابة آلية مباشرة منبثقة عن الإتحاد الأفريقي .. وأن تستمر هذه الرقابة والإشراف لأكثر من دورة إنتخابية ؛ إلى أن يتم الإطمئنان تماماً إلى تكريس إستقرار سياسي ومؤسساتية فاعلة عميقة في هذه الولايات الملتهبة خاصة ....
ولا أظن أن حكومة المؤتمر الوطني ستجد مفراً من الإنصياع والقبول مجبرة بمثل هكذا مقترحات لو جرى صياغتها كورقة إضافية لمقررات باريس ؛ ثم تبناها الإتحاد الأفريقي . ولن يجد الشعب السوداني قاطبة غضاضة في ذلك . ولن يعتبره إنتقاص من حريته وسيادته على أرضه ، ولن يثير في النفس حساسية أو عقدة بالنقص طالما كان على يد آلية أفريقية خالصة.... وتحت سقف السودان الواحد.

ومن ثم نرجو أن ينأى ياسر عرمان بعقله ووجدانه عن الإمعان في المواجهة الإنفعالية وممارسة موهبة التحدي ، وشخصنة الخلافات السياسية مع الإخوان المسلمين منذ أن كان طالبا في جامعة القاهرة فرع الخرطوم .. فمثل هكذا تفاعلات نفسية تصبح مدمرة وتدفعه إلى الخلط بين جميع الأوراق ، ونسيان التاريخ ، وإبتسار الحاضر ، والسخرية من المستقبل.

إذا كانت الحركة الشعبية لا تعاني من إنكسار عسكري في مواجهتها العسكرية ضد حكومة المؤتمر الوطني كما تزعم . فلماذا يستعجل وفدها الحل بهذا الأسلوب والتكتيك المبتسر عبر طرح مبدأ الحكم الذاتي لمنطقتين لن يجمع بينهما داخل سلة واحدة مستقبلاً سوى ذلك الذي يجمع بين البيضة والحجر؟

والمضحك أن تتراجع الحركة الشعبية على لسان ياسر عرمان في مطلبها بإعادة ترتيب أوضاع الحكم والإدارة وتوزيع الثروة في عموم أرض السودان ؛ فتنزوي كطفلة عارية يتيمة أصبح أكثر ما تحلم به هو قدم مربع في ركن سحيق ؛ تضع عليه صلبها العاري ، وتضم إلى جسدها الهزيل المنهك يديها وقدميها... ثم تحشر بين ثنايا كل ذلك رأسها.

واقع الحال فإن طرح الحركة الشعبية هذه المرة قد جاء على عكس ما كان يظن فيهم المرء من حصافة وذكاء ودهاء...
ونستغرب أنهم بعد أن صعدوا خلال السنوات الماضية إلى منصة التنظيمات السياسية القومية الفاعلة ؛ التي يشد إليها أمثال الصادق المهدي الرحال ، ويصافحها العتباني ، ويتغزل في سواد عينيها وبياض قلبها الميرغني ........ نستغرب أنهم وما بين عشية وضحاها يتدهورون إلى دوري الليق ؛ وتصنيف التنظيمات الجهوية المحلية.

ثم ويحق لنا أن نتساءل هنا عن مصير إعلان باريس .. وهل كان أعلى سقف فيه هو حصول المنطقتان على الحكم الذاتي أم خلع النظام الحاكم؟
وما هو مصير الجبهة الثورية في حالة أن حصلت الحركة الشعبية لنفسها على الحكم الذاتي في معقلها الحيوي؟
هو إذن طرح يأتي من جانب ياسر عرمان بوزن "لعب عيال".

وفي كل الأحوال يظل المستفيد الوحيد اليوم من هذا الطرح المستجد إنما هو حزب المؤتمر الوطني الذي يستعد لخوض إلإنتخابات ... وأن كل مواطن متردد بالأمس في التوجه لصناديق الإقتراع ؛ سيعيد التفكير اليوم في أمر إحجامه ... لا بل وحتى خياراته.... هذه الخيارات التي ستكون حتما لمصلحة المؤتمر الوطني.

ولولا أن بعض الظن إثم ؛ لذهبنا إلى الظن بن ياسر عرمان وبعض اللصيقين به في الحركة الشعبية قد قبضوا لأنفسهم ملايين الدولارات من خزينة المؤتمر الوطني ثمناً لهذا الطرح المريب في هذا التوقيت بالذات كجزء من حملة الأخير الإنتخابية التي يرجون أن تأتي نتائجها لمصلحتهم كاسحة.

وبالفعل فقد بدا رئيس الوفد الحكومي "إبراهيم غندور" وكأنه قد حصل على خبرة كافية في التفاوض وقطف الثمار ؛ حين إستثمر طرح ياسر عرمان الأحمق لينفي عن الإحوان المسلمين التهمة بتبني مثلث حمدي ، والتدبير لتقطيع أوصال السودان .... وليعطي الرأي العام الإنطباع بأن اليد العسكرية للحركة الشعبية قد أصيبت بالشلل التام ؛ وأن أمعاء الحركة خاوية وتتضور بطنها جوعاً .. ولم يبق من حل أمامها سوى إستبدال السلاح بالطعام.

عرفنا منذ فجر التاريخ "ثورة الجياع" ... ولكننا نسمع في بلادنا اليوم ؛ ونخرج للعالم بأسره غداً بمسمى جديد هو "ســلام الجياع".

مصعب المشــرّف
20 نوفمبر 2014م

[email protected]


تعليقات 10 | إهداء 0 | زيارات 913

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1154554 [الأزهري]
0.00/5 (0 صوت)

11-21-2014 03:19 PM
(وبدلاً من كل هذه الرعونة في المطلب) وقف المفاوضات العبثية والعمل مع الجميع لتضييق الخناق على النظام لإسقاطه أولا ومحاسبة المفسدين واقامة نظام الحكم الديمقراطي سياسيا واجتماعيا واقتصاديا واداريا.

[الأزهري]

#1153949 [علي سنادة]
0.00/5 (0 صوت)

11-20-2014 01:11 PM
لايزال ياسر عرمان متقدم علي اهل الانقاذ فكريا وسياسيا وهم يدركون انهم لا يستطيعون اللعب عليه .
اصرت جكومة الانقاذ علي عدم مناقشة مشاكل السودان عامة واصرت علي مشاكل المنطقتين فقط (جنوب كردفان و النيل الازرق ) فكان الرد الذي لم تفهمه او تغافلته عن عمد .
المطلوب مناقشة كل مشاكل السودان وهذا ما ترفضه الانقاذ .لو تحاورت الانقاذ خول حكم السودان لما انفصل الجب ولكن الانقاذ اصرت علي الجنوب فقط فانفصل الجنوب وظهر جنوب جديد تماما كما قال ياسر عرمان .وهكذا اذا انفصل الجنوب الجديد سيظهر جنوب اجد وبنفس السناريو حتي نصل مثلث حمدي اذا لم يتم كنس الانقاذ .

[علي سنادة]

#1153943 [ادم دلدوم أبكر]
0.00/5 (0 صوت)

11-20-2014 01:09 PM
الم اقل لكم ان من اسباب تخلف السودان هو صغر العقول و من ثم انسدادها. 100 سنه بيعلموطكم الفرق بين السين و الثاء و الى الان نتطقون ( الثودان) و ( الاقاسة) و ( عيد الاستغلال). يار رجل استحى هنالك فرق بين ( الحكم الذاتى) و ( وحق تقرير المصير).


و مشكلتك لا تعرف الحكم الذاتى و لا تعرق حق تقرير المصير فلذا نعفيك عن معرفة الفرق بينهما.

[ادم دلدوم أبكر]

#1153813 [الكوز الفى الزير التحت الراكوبه]
0.00/5 (0 صوت)

11-20-2014 11:10 AM
ياعزيزى ياسر عرمان أسير الكراهيه منذ جامعه القاهره الفرع لم يبارح هذه المحطه الى الآن ويقينى أن السودان سوف يتقسم الى ستين دوله أذا تابعت الحكومه هذا الشخص المشبوهه نواياه وسوف يتم أستخدامه مثلما أستخدمه جون قرنق من قبل بأوهام السودان الجديد هو الحل أو التشرزم هو البديل ومشكله ياسر عرمان أنه حشر رأسه بين هذين الخيارين المقيتين دون أن يضع للشعب السودانى أى خيار أو طريق ثالث ولعمرى هو الكارثه تمشى على قدمين وأبكى يا وطنى الحبيب .

[الكوز الفى الزير التحت الراكوبه]

#1153745 [عود العشر الانحشـر]
0.00/5 (0 صوت)

11-20-2014 10:21 AM
( و لأولئك الذين يتباكون اليوم على إنفصال الجنوب . نذكرهم بأن إتفاقية الحكم الذاتي التي توصل إليها جعفر نميري مع جوزيف لاقو عام 1972م ؛ لم نجني من ثمارها سوى إنفصال الجنوب لاحقاً. )
المشــرف انت من أجهـل الكتاب و لا المام لك بالتاريخ او الجغـرافيا أو أي شــيء و الأدهى انك مسـتمر في الكتابة الفجة و الأفكار الضحلة

[عود العشر الانحشـر]

#1153659 [توتو تيه]
4.50/5 (2 صوت)

11-20-2014 09:19 AM
"ياسر عرمان الأحمق"
والادروج الامرد حيكون شنو ياقنوط يا ق ن ي ......

[توتو تيه]

#1153644 [أبو مهند - دبي]
5.00/5 (1 صوت)

11-20-2014 09:07 AM
كلام عين العقل والصواب، أتمنى أن يقرأ هذا المقال كل الساسة الذين يعتقدون أنهم فطاحلة السياسة وهم يجهلون أبجدياتها.
شكراً لك يا مصعب، كلام صعب ولكنه حقيقة
ودمت

[أبو مهند - دبي]

#1153627 [سنف]
2.00/5 (1 صوت)

11-20-2014 08:52 AM
وتتجلى حقيقة ذلك فى ان الثوارلايعرفون عددالجماهير التى تؤيدهم وذلك فى الخرطوم خاصة وبقية ولايات السودان واصبحوا يعولون عى الجبهة الثورية فقط
وللاسف ياتى احد المناضلين بما لاتشتهى هذه الجماهير .ونتمنى ان لا يكون ذلك بجهل وانبه بخطره ان كان بعلم وووووووووووووشكراومعزرة

[سنف]

#1153561 [ود الاصم]
1.00/5 (1 صوت)

11-20-2014 07:56 AM
كلام عين العقل

[ود الاصم]

#1153507 [نصر الله]
5.00/5 (1 صوت)

11-20-2014 05:49 AM
الحكم الذاتي لجبال النوبة والنيل الازرق تاخر كثيرا كان من المفترض ان يتم ذلك في 1956 مع جنوب السودان الذي لم يطالب باكثر من ذلك -- الا ان المجموعة الحاكمة المنبثقة عن عملاء وسماسرة وخدام وجواسيس المستعمر
لا ترى ولا ترعى الا مصالحها ولا تسمع ولا تعى الا ما يطربها من القول -- باعت وطنها للاستعمار وخدمته وعندما انجلى الاستعمار وجدت نفسها بلا رؤيا ولا قيادة تستوعب مستجدات الوطن فظلت تتداول السلطة الفاشلة لمدة 60 عاما ليحصد الوطن السراب ويكون على وشك الانهيار والخراب وما زال امثالك متمسكا بذات الطريقة الفاشلة وهي اسلوب المستعمر الذي تركه جاهزا وفشل ورثته مدعي الوطنية حتى في تسييره دعك من ابتكار رؤي تحكم وطنا هو الافضل في المنطقة على الاطلاق بمعايير الجيوبلوتيكس

[نصر الله]

مصعب المشــرّف
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة