المقالات
السياسة
لعاب إبليس - قصة مترجمة - خوليو كورتاسر
لعاب إبليس - قصة مترجمة - خوليو كورتاسر
11-21-2014 02:17 PM


لُعَاب إبليس
خوليو كورتاسر

Las babas del diablo
Julio Cortazar


ليس في مقدور أي أحد أبداً معرفة كيفية سرد هذه القصة . هل يجب أن تسرد على لسان المتحدث أو المخاطب ، أو بإستخدام الجمع الغائب أو عبر الدأب على اختراع تراكيب لغوية جديدة لا تخدم غرضاً ؟ كمثل أن نقول : أنا هم قد شاهدوا القمر الذي سوف يشرق ، أو أن نقول : قعر عيني عيونكم يؤلم ، بل أكثر من ذلك أن نقول : أنتَ الشقراء كانت السحابات التي ظلت تتسابق أمام وجـــــهي وجـهـكـ وجـوهنا وجوهـكم وجوهــهم ..... يا للهراء .

وحيث أننا لا زلنا في بداية القصة ، لكان ، خروجي لتناول جعة عند المنعطف ، بينما تستمر الطابعة في العمل ذاتياً ( لأنني أكتب على آلة كاتبة ) ، نوعاً من الكمال . هذا ليس مجرد هذر كلام . كمال ، نعم ، لأنه هنا تماماً ، تكمن نقطة الضعف ، أن تسرد قصة بالتشارك مع آلة ( من نوع آخر ، كونتاكس 1.1.2) ، ولكان من الأفضل أن تعلم آلة عن الآلة الأخرى أكثر مما أعرف أنا أو أنت أو هي أو الشقراء أو السحابات . لكن كل المتاح هو مجرد حظٌ أبله. فـأنا أعلم بأنه حال مغادرتي ، ستبقى هذه " الريمينغتون " كالصخرة على سطح المنضدة ، محاطة بهواء أسكن بمرتين مما هو عليه حينما تكون القطع المتحركة ساكنة . إذن علي أن أكتب . على أحد من بيننا الكتابة ، إن كان لا بد من سرد كل هذا الأمر . ليتني كنت ميتاً ، ليتني كنت أقل تصميماً من الآخرين ؛ أنا الذي لا يرى شيئاً إلا السحابات ، و الذي يفكر دون تشويش ، والذي يكتب دون تشويش (ها هي واحدة أخرى تمر ، ذات حافة رمادية ) والذي يتذكر دون تشويش ، أنا الميت ( والحي ، ليس في الأمر خدعة ، و سيتضح ذلك عندما تحين اللحظة المناسبة ، ولأنه كان علي أن أبدأ من بداية ما ، بدأت من هذه النقطة ، التي هي من الماضي ، والتي هي البداية ، والتي هي ، فوق كل شيء ، أفضل النقاط ، كلما أردت سرد قصة).

فجأة تعجبت لم علي أن أقول هذا ، ولكن إذا بدأنا في التعجب حول دوافع قيامنا بفعل كل ما قد فعلنا ، إذا تساءلنا ببساطة ، عن سبب قبولنا لدعوة غداء ( الآن تطير بالقرب حمامة ، حسبتها دوري ) ، أو عن سبب شعور كالدغدغة يسرح في البطن كلما يلقي أحدهم على أسماعنا نكتة جيدة ، شعور لا يهدأ إلا بعد أن نذهب بدورنا إلى المكتب المجاور ونلقيها على الآخرين ؛ وحال ما يحدث ذلك نشعر بالتحسن ، وبالغبطة ، فنعود إلى مكاتبنا لاستئناف عملنا . ومبلغ علمي فإنه لا أحد أبداً قد فسر ذلك ، لذا فإن أفضل شيء هو أن نتغاضى عن الرتوش و نسرد القصة محضة ، حيث أنه بعد أن أصبح الأمر في الماضي ، لن يكف أي شخص عن التنفس أو عن ارتداء نعله ، من شدة حرجه . هنالك أشياء أنت تفعلها ، وحينما يحدث أمر غريب ، حينما تجد عنكبوتاً في حذائك أو حينما يراودك إحساس بوجود زجاج مكسور ، كلما استنشقت الهواء ، عندها يجب عليك أن تتحدث بالأمر ، أن تخبر به الرفاق في العمل أو الطبيب .آه ، أيها الطبيب ، كلما تنفست....أفصح دوماً عن الأمر ، تخلص دوماً من تلك الدغدغة المزعجة ببطنك.

وبما أننا أخيراً سنسرد القصة ، دعنا نرتب الأشياء قليلاً ، دعنا ننزل على درج هذا المنزل ، نهار الأحد، السابع من نوفمبر ، قبل شهر مضى . ننزل خمسة طوابق يوم أحد ، ونقف تحت شمس غير متوقعة في نوفمبر باريس ، ولدينا رغبة عظيمة للتجوال ، للفرجة ،لإلتقاط الصور ( لأننا كنا مصورين ، أنا مصور ) . أنا أعلم بأن أصعب الأشياء سيكون إيجاد طريقة لسرد واقعة ، ولست خائفاً من تكرار نفسي . سيكون الأمر صعباً لأنه لا أحد يعلم يقيناً حقيقة الراوي ، أهو أنا أو هو ما حدث واقعياً أو هو ما أشاهده ( سحابات ، وحمامة بين الفينة والأخرى ) أو أنني ببساطة أروي حقيقة هي حقيقتي وحدي ، لذلك هي ليست بحقيقة بمعزل عما تشكله الحقيقة لمعدتي ، لأن رغبتي في الاندفاع عبر الباب وانهاء هذا الأمر ، على نحو ما ، لا تقاوم أياً كانت العواقب.

سنبدأ في سرد الواقعة رويداً ، وسنرى ما يحدث بينما أنا أكتب . وإذا ما تم استبدالي ، إذا لم يعد بجعبتي ما أضيفه ، إذا امتنعت السحابات عن المرور ، وانطلق شيء آخر (لأنه من المستحيل أن يدوم هذا ، السحابات تعبر بإستمرار وحمامة بين الفينة والأخرى ) ، إذا ما انطلق شيء من كل هذا ...وبعد هذه الـ " إذا " ماذا أضيف ، كيف يمكنني إنهاء جملتي بصورة صحيحة ؟ ولكنني إذا ما شرعت في طرح الأسئلة ، سوف لن أروي أي شيء على الإطلاق ، ربما أن القصة ، ستكون هي الإجابة ، على الأقل لمن يطلع عليها .

روبرت مايكل ، مترجم فرنسية - تشيلية ، ومصور هاو في فراغه ، غادر المبنى رقم 11 ، ريو مونسيور- لي- برنس الأحد ، السابع من نوفمبر من السنة الجارية (الآن هناك إثنتان صغيرتان تعبران ذواتا خطوط فضية ) . هو كان قد أمضى ثلاثة أسابيع منكباً على النسخة الفرنسية من مقالة " العوائق والطعون " لجوزيه نوربيرتو ألليندي ، المحاضر بجامعة سانتياغو .من النادر أن تهب الرياح في باريس ، ومن الأشد ندرة أن تهب رياح مثل هذه التي تدور حول الزوايا وترتفع لتجلد الستائر الخشبية الفينسية ، حيث خلفها النسوة المندهشات يتحادثن بتعليقات مختلفة حول تقلبية الطقس في هذه الأعوام القليلة الأخيرة. لكن الشمس أيضاً كانت مشرقة ، تمتطي الريح وتصادق القطط ، لذلك لم يكن هنالك شيء يمكن أن يمنعني من التقاط صور لمعهد الموسيقى و ولكنيسة القديسة سانت- تشابيليه. كانت العاشرة وشيكة ، وخمنت بأنه عند بلوغ الحادية عشرة سيكون الضوء جيداً، ذلك أفضل ما يمكنك الحصول عليه في الخريف ؛ لقتل بعض الوقت قمت بالدوران حول جزيرة القديس لويس وبدأت في المشي على امتداد رصيف الدانجو النهري ، حدقت لبرهة في فندق لاوزون ، رددت مقاطعاً من أبولينيري ، تلك التي تطل برأسي دوماً كلما عبرت أمام فندق لاوزون ( وعند ذلك كان يجب أن أتذكر الشاعر الآخر ، إلا أن ميشيل شحاذ متعنت ) ، وعندما هجعت الرياح دفعة واحدة في سكون تام وخرجت الشمس أكثر صلابة بمرتين على الأقل ( عنيت أشد دفئاً ، لكن في الواقع الأمر سيان) ، جلست على المتراس وشعرت بفرح مريع في صباح الأحد .

من بين أساليب مقاومة العدمية، وأفضلها ، يعتبر التصوير، نشاط يجب تعليمه للأطفال في سن مبكرة . فهو يقتضي إنضباطاً ، ومراناً جمالياً ، وعيناً جيدة ، وأصابعاً واثقة .لن تكون مهمتك مجرد التسكع في انتظار كذبة ، مثل بعض المراسلين ، أو قنص لتلويحة غبية من مسؤول كبير خارج الداونينغ ستريت رقم 10 . على كل حال ، عندما يكون الشخص بالخارج وبيده كاميرة ، فهو ملزم تقريباً ، بأن يكون متحفزاً ، كي لا يفلت ذلك الإنعكاس المفاجئ والبهيج لأشعة الشمس بعيداً عن صخرة عتيقة ، أو تلك الضفائر المتطايرة لطفلة صغيرة تركض إلى المنزل بيدها قطعة خبز أو قارورة حليب . عرف مايكل دوماً ، بأن المصور كان يتصرف بالتعديل على رؤيته هو شخصياً تجاه العالم ، أكثر فأكثر منذ أن تواشج مع كاميرته شيئاً فشيئاً ( الآن سحابة عريضة تسبح بالقرب ، سوداء تقريباً ) . مع أنه لم يكن يشكك في هذه الحقيقة ، لكنه يعلم تماماً بأن في مقدوره مغادرة المنزل بدون الكونتاكس ، وبذلك يتحرر من الرنين المشوش ، ومن كآبة النظرعبر الإطار ، وتلقي الضوء عبر حجاب أو غطاء ينغلق بسرعة 1 إلى 250 . الآن تحديداً ( يا للكلمة ، الآن ، يا للكذبة الغبية ) كنت قادراً على الجلوس بهدوء على المتراس فوق النهر أراقب إبر الصنوبر الأسود والأحمر وهي تعبر في الأسفل ، دون أن يدفعني ذلك المشهد إلى التفكير حوله فوتوغرافياً ، تاركاً لنفسي الحبل على الغارب منسابة مع سائبية الأشياء ، هائمة بسكون في تيار الزمن . وكانت الريح ساكنة.

بعدها ، تجولت على امتداد شارع " كواي دي بوربون " وصولاً إلى طرف الجزيرة ، حيث يقع الميدان الحميم ( حميم لأنه كان صغيراً ، ليس لأنه كان خفياً ، فهو يعري صدره بالكامل في وجه النهر والسماء ) ، واستمتعت ، كثيراً . لم يكن هنالك شيء سوى عاشقين ، وبالطبع ، حمائم ؛ ربما أن بعض تلك التي تطير عابرة الآن ، تريدني أن أراها . قفزة إلى الأعلى واستقريت فوق المتراس ، ثم تركت نفسي تستدير حتى أمسكتني وسمرتني أشعة الشمس ، مانحاً لها وجهي وأذنيا ويديا (احتفظت بقفازيا في جيبي ) .لم تكن لدي أية رغبة في إلتقاط صور ، فأشعلت سيجارة لأفعل شيئاً ؛ أعتقد بأنها كانت اللحظة التي أوشكت فيها الشعلة على ملامسة التبغ ، حينما رأيت الصبي المراهق للمرة الأولى .

ما كنت قد حسبته عاشقين ، يبدو الآن أكثر شبهاً بمراهق مع والدته ، رغم أنني أدركت في الوقت نفسه بأنه لم يكن صبياً ووالدته ، وأنهما كانا عاشقين بالمفهوم الذي نسبغه دوماً على العشاق حين نراهم متكئين إلى المتاريس أو متعانقين على المقاعد بالساحات . وبما أنه لم يكن لدي أي شيء آخر لأفعله ، كان لدي وقت أكثر من كافي للتساؤل حول عصبية المراهق ، مثل مهر يافع أو أرنب ، واضعاً يديه في جيبيه ، ثم منتزعهما في التو ، واحدة بعد الأخرى ، ممشطاً شعره بأصابعه ، مغيراً وقفته ، وبالخصوص لماذا كان يبدو مذعوراً ، حسناً ، يمكنك تخمين ذلك من جميع إيماءاته ، ذعر مكتوم وراء خجله ، تراجعه بحدة خلفاً ، انفراد جسده وكأنه على حافة إقلاع ، متباعداً إلى الوراء في احترازأخير بئيس.

كل هذا كان بيناً للغاية ، على بعد عشرة أقدام – وكنا لوحدنا متكئون على المتراس عند رأس الجزيرة – وكان ذعر الصبي هو ما حجبني بداية عن رؤية الشقراء جيداً . الآن ، أفكر في الأمر مجدداً ، أراها بصورة أفضل كثيراً عند تلك الثانية الأولى عندما قرأت وجهها ( لقد استدارت ملتفتة فجأة ، متأرجحة مثل مؤشر رياح معدني ، والعينان ، العينان كانتا هنالك ) ، وعندما فهمت بصورة غامضة ماذا يمكن أن يكون واقعاً على الصبي وخمنت بأن الأمر يستحق عناء البقاء والمراقبة ( كانت الرياح تعصف بكلماتهما بعيداً وكانا يتحدثان في همهمة خفيضة ). أعتقد بأنني أعرف النظر ، إن كان ذلك ثمة ما أعرف ، وكذلك بأن كل مظهر مخادع ، لأنه هو ما يلقي بنا خارج أنفسنا كأبعد ما يكون ، بلا أدنى الضمانات ، ولا أين يمكن تلمسها ، أو ( لكن مايكل أهذى لنفسه بسهولة كافية ، وما من ضرورة لتركه يواصل وعظه بهذه الطريقة ) في كل الأحوال ، إذا كان من الممكن التنبؤ بعدم الدقة ، يكون من الممكن إعادة النظر مرة أخرى ؛ ربما كان كافياً أن نختار بين المظهر والحقيقة التي ننظر إليها ، لتعرية الأشياء من جميع أثوابها غير الضرورية.إلى جانب ذلك ، قطعاً أن كل ذلك صعب.

بالنسبة للصبي أنا أتذكر صورته قبل جسده الحقيقي ( سيوضح ذلك نفسه لاحقاً ) ، بينما أنا الآن متأكد بأنني أتذكر جسد المرأة أفضل بكثير مما أتذكر صورتها .لقد كانت نحيفة ورشيقة ، كلمتان غير منصفتان لتوصيف ما كانت عليه ، وكانت ترتدي معطف فرو أسود تقريباً ، فارعة تقريبا ، جميلة تقريباً . كل الرياح الصباحية ( الآن أصبحت بالكاد نسيماً ولم تكن باردة ) هبت خلال شعرها الأشقر الذي تقشر بعيدا عن وجهها الأبيض الكئيب – كلمتان غير منصفتان – ووضعت العالم تحت قدميها معزولاً بصورة مرعبة أمام عينيها القاتمتين ، عيناها تنقضان على الأشياء مثل صقرين ، قفزتان في العدم ، نفثتان من اللعاب الأخضر. أنا لا أصف الأمر . و قلت نفثتان من اللعاب الأخضر .

لنكن منصفين ، الصبي كان ذو هندام جيد بما يكفي وكان يرتدي قفازين أصفرين واللذان يمكنني أن أقسم بانهما كانا ملك أخيه الأكبر ، طالب قانون أو اجتماع ؛ وقد كان لطيفاً رؤية أصابع القفازين تبرز من جيبي بذلته . لمدة طويلة لم أرى وجهه ، بالكاد بملمح جانبي ، ليس غبياً – طائر مذعور ، ملاك فرا فليبو ، أرز بالحلوى والحليب – قفا مراهق يتخذ وضعية الجودو لخوض معركة أو إثنتين دفاعاً عن فكرة أو عن شقيقته . يبدو في الرابعة عشر ،و ربما الخامسة عشر من العمر ، يمكن لأحدهم أن يخمن بأنه لا يزال يكسى ويطعم من والديه بلا درهم في جيبه ، مضطراً للجدال مع رفاقه قبل أن يقرر شراء فنجان قهوة أو كأس كونياك أو علبة تبغ . وهو من الممكن أن يتجول عبر الطرقات متفكراً في بنات صفه ، وفي كيف أنه من الرائع أن يذهب إلى السينما لمشاهدة أحدث الأفلام ، أو شراء الروايات أو ربطات العنق أو قوارير الليكيور التي تحمل ديباجة الأخضر بالأبيض .أما في المنزل ( سيكون منزلاً محترماً ، بغداء يفرش عند الظهر و براري رومانسية على الجدران ، بمدخل مظلم ومظلة من الماهوقني تنتصب وراء البوابة ) فهنالك سيكون التساقط البطيء للوقت ، للمذاكرة ، و ليكون أمل أمه ، و ليبدو شبيهاً بأبيه ، و ليخط رسالة إلى خالته بأفيغنون. ولكي يكون هنالك الكثير من التجوال ، فالشوارع ، وكل النهر ملكه ( ولكن بلا درهم ) ومدينة ذوي الخمسة عشر ربيعاً الغامضة ، بعلاماتها على البوابات ، وقططها المخيفة ،حيث شريحة البطاطس المشوية بثلاثين فرانكا ، ومجلة الجنس مطوية أربع طيات ، حيث التحية تلقى مثل الخواء في جيوبه ، يكون الشوق إلى الكثير ، ذاك الذي هو عصي على الاستيعاب ولكنه مشع بحب شامل ، وبالمتاحية مثلما الريح والشوارع .

هذه كانت سيرة الصبي ، وأي صبي آخر أياً كان ، لكن هذه تحديداً والآن ، يمكنك أن ترى بأنه كان معزولاً ، محاصراً فقط بحضور الشقراء التي كانت تواصل حديثها معه .( لقد تعبت من الإصرار ، ولكن إثنتان مشققتان طولياً للتو عبرتا بالجوار ) ذاك الصباح أعتقد بأنني لم أتطلع نحو السماء ولا مرة واحدة ، لأن ما كان يجري للصبي وللمرأة بدا عاجلاً ، ولم يكن بإستطاعتي فعل أي شيء سوى النظر إليهما والانتظار ، النظر إليهما و....) لأختصر الأمر ، كان الصبي مستثاراً وبإمكان الواحد أن يخمن بلا عناء كبير ما قد حدث للتو قبل دقائق قليلة منصرمة ، أوعلى أبعد تقدير قبل نصف ساعة . فالصبي قد جاء إلى رأس الجزيرة ، وعندما شاهد المرأة بدت له في حسبانه رائعة . بينما كانت المرأة تتوقع ذلك ، لأنها كانت هناك في انتظار ذلك ، أو ربما يكون الصبي قد وصل قبلها ورأته من إحدى الشرفات أو من سيارة فخرجت لملاقاته ، مبتدئة للحديث بأي أمر كان ، ومن البداية هي كانت متأكدة من أنه سيذعر وسيرغب في الفرار بعيداً ، وأنه ، بالطبع ، سيبقى ، متصلباً متجهماً ، متظاهراً بالدراية والاستمتاع بالمغامرة. بقية الأمر كانت سهلة لأنها كانت تحدث على مرمى عشرة أقدام مني ، وأي شخص كان بإمكانه قياس مراحل اللعبة ، والمبارزة التنافسية المضحكة ؛ ولم يكن أكثر ما يجذب في الأمر هو أنه كان يحدث ولكن في توقع انفراجته . كأن يحاول الصبي إنهاء الأمر بالتظاهر بأنه على موعد غرامي ، أو لديه إلتزام ، أو أي أمر كان ، ويبتعد متعثراً مرتبكاً ، متمنياً لو أنه كان يمشي ببعض الثقة ، لكنه عاريا تشيعه النظرة الساخرة التي كانت لتتبعه حتى يغيب عن النظر. أو ربما الأرجح ، أن يحاول البقاء هناك ، مفتوناً أو ببساطة مسلوباً من القدرة على المبادرة ، ولبدأت المرأة في لمس وجهه بلطف ، ونفش شعره ، وهي لا تزال تتحدث إليه بلا صوت ، وسرعان ما تأخذه من ذراعه لتقوده إلى ما يجب فعله ، ما لم يقم هو ، بعدم ارتياح بالبدء في إظهار حد الشهوة ، وحتى حصته في المغامرة ، هي أن يستثار ليضع ذراعه حول خصرها وأن يقبلها .أي من هذا كان يمكن أن يحدث ، رغم أنه لم يحدث ، وبصورة ملفتة ، تربص مايكل ، جالساً على المتراس ، وهو يقوم بالإعدادات تقريباً بدون النظر إلى الكاميرا ، جاهزاً لإلتقاط منظر طبيعي لركن من الجزيرة به عاشقين أحدهما إلى الآخر دون مشترك يجمعهما للحديث .

غريب كيف أن المشهد ( تقريباً لا شيء : هنالك رقمان غير متوافقين في شبابهما ) كان يتخذ هالة مقلقة. اعتقدت بأنني كنت أتهيئوها ، وأن صورتي ، إذا إلتقطتها ، ستعيد الأشياء إلى بلادتها الحقيقي . كنت لأتمنى أن أعرف ما كان يفكر فيه ، رجل ذو قبعة رمادية يجلس خلف مقود سيارة مركونة على الرصيف المفضي إلى جسر المشاة ، وهل كان يقرأ الصحيفة أم أنه كان نائماً . لقد إكتشفته للتو لأن الناس حينما يكونون داخل سيارات مركونة يميلون إلى الاختفاء ، يضيعون بداخل ذاك القفص البائس منزوع الجمال الذي يكتسيه عند الحركة والمخاطرة .ورغم ذلك ، فالسيارة كانت موجودة هناك طوال الوقت ، مشكلة جزءاً ( أو مشوهة لذلك الجزء ) من الجزيرة . سيارة : كمثل القول مصباح طريق مضاء و مقعد حديقة . وليس أبداً كالقول رياح ، ضياء شمس ، تلك العناصر دائماً جديدة على البشرة وعلى الأعين ، وكذلك الصبي والمرأة ، فريدين ، وضعا هناك لتغيير الجزيرة ، كي أشاهدها بصورة مغايرة . أخيراً ، ربما يكون ذاك الرجل حامل الصحيفة بدوره ، بسبب إدراكه لما كان يجري لكان ، مثلي ، يشعر بتلك الإثارة الماكرة لانتظار كل شيء ليحدث .

الآن قامت المرأة بالدوران بنعومة ، واضعة الصبي اليافع بينها والجدار ، وقد رأيتهما جانبياً تقريباً ، وهو كان أطول ، لكن ليس أطول بكثير ، رغم ذلك فهي كانت تسيطر عليه ، وبدا الأمر وكأنها تحلق فوقه ( ضحكتها ، دفعة واحدة ، كرباج من الريش ) ، تحطمه بمجرد وجودها هناك ، مبتسمة ، يد واحدة تتهادى عبر الهواء . لم الإنتظار أكثر ؟ الفتحة على ستة عشر ، وزاوية لا تشمل السيارة السوداء المريعة ، ولكن نعم ، تلك الشجرة ، ضرورية لكسر الفضاء الرمادي الضافي.
رفعت الكاميرا ، وتظاهرت باختبار مشهد لا يشملهما ، وانتظرت أراقب الأمور لصيقا ، بالقطع فإنني سأمسك بالتعبير الفاضح ، ذاك الذي سيلخص كل شيء ، الحياة مدوزنة على الحركة ولكن لقطة جامدة تدمرها ، تأخذ الزمن بصورة مقطعية ، ما لم نختر الشظية الأساسية اللامرئية منه . لم يكن علي الإنتظار طويلاً .

كانت المرأة مستمرة في مهمة تقييد الصبي بنعومة ، نازعة عنه ما تبقى من حريته شعرة فشعرة ، في تعذيب بطيء ولذيذ بصورة مذهلة . تخيلت النهايات المحتملة ( الآن تظهر سحابة صغيرة زغبية ، وحيدة تقريباً في السماء ) ، رأيت وصولهما إلى المنزل ( شقة تحت أرضية محتملاً ، والتي قامت هي بملئها بالأرائك الوثيرة وبالسنانير ) وهي قد خمنت ذعر الصبي وتصميمه اليائس على اللعب ببرود والإنقياد متظاهراً بعدم جدة الأمر بالنسبة إليه . أغضمت عينيا ، إن كنت قد أغمضتهما فعلاً ، رسمت المشهد : القبلات المثيرة ، تقوم المرأة بنعومة بصد اليدين التين تحاولان تعريتها ، مثلما يحدث في الروايات ، على سرير يغطيه لحاف ليلكي اللون ، ومن ناحية أخرى تقوم هي بنزع ملابسه ، تلاعبه لعبة الأم والإبن تحت انسكاب ضوء أصفر حليبي ، وكل شيء ربما ينتهي كالمعتاد ، ولكن محتمل أن يسير كل شيء خلاف ذلك ، وأن لا يقوم المراهق بالمبادرة ، هي لن تدعه أن يبادر ، بعد مقدمة طويلة من الإرباكات ، المداعبات المحنقة ، من يعلم إلام سيفضي تمرير اليدين على الجسدين ، إلى افتراق ومتعة فردية ، إلى رفض عدواني تشوبه ممارسة فن الانهاك والاحباط القصويين على البراءة المسكينة . ربما سارت الأمور على ذلك النحو ، ربما سارت الأمور تماماً على ذلك النحو ؛ تلك المرأة لم تكن ترى في الصبي عشيقا ، وفي نفس الوقت كانت توجهه نحو مصير يستحيل فهمه إن لم تتخيل الأمر كلعبة قاسية ، الرغبة في الرغبة دون اشباع ، لإستثارة نفسها لأجل شخص آخر ، شخص لا يمكن لذلك الصبي أن يكونه بأية حال من الأحوال.

مايكل هو المذنب في صناعة أدب ، متميع في الأخيلة المصطنعة . لا شيء يرضيه أكثر من تخيل كل شذوذ عن قاعدة ، مسوخاً خارج الأنواع ، وليس دائما ، وحوشا كريهة . لكن تلك المرأة قد استدعت التأمل ، ربما بإعطائها مفاتيحاً كافية للخيال حتى يتمكن من إصابة كبد الحقيقة . وقبل أن تقوم بالمغادرة ، وهي ستكون شاغلاً لخيالي لأيام عديدة ، ولأنني قد أخذت بالتأمل، قررت أن لا أفقد أية برهة مزيداً . حصرت كل شيء خلال فتحة النظر ( بما في ذلك الشجرة و المتراس وشمس الحادية عشر ) ثم أخذت اللقطة . لوهلة كافية لأدرك بأنهما معا قد تنبها ووقفا هناك يتطلعان نحوي ، الصبي مندهشاً وكأنه يتساءل ، لكنها كانت منزعجة ، وجهها وجسدها انتصبا بصورة عدائية ، تشعر بانه قد تمت سرقتها ، وبخساسة دمغت على صورة كيميائية صغيرة .

كان بمقدوري أن أتحدث عن ذلك بتفاصيل أوفى بكثير لكن الأمر لا يستحق العناء . قالت المرأة بأن لا أحد يملك حق التصوير بدون استئذان ، وطلبت مني تسليمها الفيلم . كل هذا بصوت جاف وواضح ذي لكنة باريسية جيدة ، تلك التي تنمو لوناً ونغمة مع كل جملة . من جانبي ، لم يكن يهمني كثيراً حصولها على بكرة الفيلم من عدمه ، لكن أي أحد يعرفني سيخبرك ، بأنك إذا كنت تريد مني أي شيء ، فعليك الطلب بلطف . بالنتيجة فقد حصرت نفسي في صياغة رأي مفاده بأن التصوير في الأماكن العامة لم يكن غير ممنوع فحسب ، بل كان ينظر إليه بعين التفضيل ، سواءاً من العامة والرسميين. وبينما كان هذا يقال ، لاحظت خلسة كيف كان الصبي يقع وراءاً ، كنوع من المساندة النشطة عبر عدم الجمود ، وفي لحظة ( يبدو أمراً لا يصدق ) فقد استدار وطفق يركض ، الطفل المسكين ، كان يظن بأنه يمشي مبتعداً وفي الواقع هو كان في طيران كامل ، يركض إلى جانب السيارة ، مختفياً مثل خيط حريري من بصقة ملاك عبر نسيم الصباح.

لكن خيوط بصقة الملاك تسمى أيضاً ببصقة الشيطان ، وكان على مايكل أن يحتمل لعنات خاصة ، أن يسمع مناداته بالمتطفل والمعتوه ، متحملاً لألام عظمية وهو يحاول الابتسام وأن يهدأ بابتسامة وإيماءات من رأسه ، أمر صعب الابتلاع . وحينما كنت قد بدأت أتعب ، سمعت باب السيارة وهو يصطفق . الرجل ذو القبعة الرمادية كان هناك ، ينظر إلينا . حينها فقط أدركت بأنه كان يلعب دوراً في هذه الملهاة .

وقد بدأ في السير بإتجاهنا ، وهو يحمل الصحيفة التي كان يتظاهر بقراءتها . وأفضل ما أتذكر هو تلك التكشيرة التي لوت فمه بصورة مائلة ، و غطت وجهه بالتجاعيد ، وغيرت بطريقة ما موضعها وشكلها لأن شفتيه كانتا ترتعشان وتدحرجت التكشيرة من طرف فمه إلى الطرف الآخر وكأنها تنزلق على دواليب ، مستقلة ولا إرادية.أما البقية فقد ظلت ثابتة ، مهرج ذو وجه مطلي بالطحين أو رجل بلا دماء ، دمية جافة الجلد ، العينان الأعمق ، المنخران مظلمان ومرئيان بصورة ملفتة ، أشد إسوداداً من الحاجبين أو شعر الرأس أو ربطة العنق السوداء . يمشي بحذر لكأنما حجارة الرصيف تؤذي قدميه ؛ رأيت حذاءاً لامعاً ذا نعل رفيع يحتم عليه أن يشعر بأدنى خشونة على الرصيف . لا أعلم لم ترجلت عن المتراس ، ولا حتى بشكل أفضل لم قررت عدم إعطائهم الصورة ، رافضاً لتلك الرغبة مراهناً بحدسي على خوفهم وجبنهم .المهرج والمرأة تشاورا في صمت : لقد صنعنا مثلثاً مثالياً وغير محتمل ، شعرت بشيء قد كسر بفرقعة سوط . ضحكت في وجهيهما وبدأت في السير مبتعداً ، بصورة أكثر بطئاً ، يخيل إلي ، من الصبي .عند مستوى البيوت الأولى ، بقرب جسر المشاة الحديدي ، استدرت وراءا للنظر إليهما . لم يكونا يتحركان ، لكن الرجل ألقى صحيفته ؛ وبدا لي أن المرأة ، وظهرها إلى المتراس ، تجري بيديها على الحجارة في تلميحة تقليدية وممجوجة لشخص ملاحق يبحث عن مهرب .

ما جرى بعد ذلك حدث هنا ، تقريباً الآن ، في حجرة بالطابق الخامس . مضت أيام عديدة قبل أن يحمض مايكل الصور التي إلتقطها يوم في يوم الأحد ؛ لقطاته لمعهد الموسيقى ولكنيسة سانت شابل كلها كانت كما يجب . بعدها وجد صورتين أو ثلاث تجريبيات كان قد نسيها ، محاولة يائسة لتصوير قط جاثم بأعجوبة على سقف متهالك لمبولة عامة ، وكذلك صورة المرأة الشقراء والمراهق .كان النيجاتف جيداً للغاية مما دفعه إلى تكبير اللقطات ؛ وكان التكبير جيداً جداً مما حدا به إلى عمل آخر كبير للغاية ، تقريباً في حجم البوستر . لم يخطر له ( الآن أحدهم يتعجب ويتعجب ) بأن صور الكنيسة وحدها استحقت كل هذا الجهد الكبير .من بين جميع اللقطات ، كانت اللقطة على طرف الجزيرة هي الوحيدة التي جذبت اهتمامه . قام بتثبيت التكبير على حائط بالغرفة وفي اليوم الأول أمضى بعض الوقت محدقاً إليه ومستذكراً ، تلك العملية الكئيبة من أجل مقارنة الذكرى بالواقع المنقضي ؛ ذكرى هامدة ، مثل أي صورة ، حيث لا شيء منتقص ، ولا حتى ، وبالأخص ، العدم ، المالئ الحقيقي للمشهد .
كانت المرأة هناك ، كان المراهق موجوداً ، الشجرة جامدة فوق رأسيهما ، السماء ساكنة مثل حجارة المتراس ، السحب والحجارة انصهرت في خليط واحد غير قابل للفصل ( الآن واحدة ذات أطراف حادة تعبر بالقرب ، مثل نذير العاصفة ) .خلال أول يومين تقبلت كل ما قمت بإنجازه ، بدءاً من إلتقاط الصورة نفسها ثم تكبيرها وتثبيتها على الجدار ، ولم أتساءل حتى عن الدافع الذي كان ليدفعني عند كل سانحة إلى مقاطعة ترجمة عقد خوزيه نوربيرتو ألليندي لأعاود النظر إلى وجه المرأة والبقع الداكنة على المتراس . يا لي من أحمق ؛ لم يكن ليخطر لي أبداً بأننا عندما ننظر إلى صورة من الأمام ، تقوم أعيننا بإعادة تمثيل وضعية ورؤية العدسات تماماً . هذه هي الأمور التي تؤخذ كمسلمات، ولا يمكن أن يخطر ببال أي أحد أن يعيد التفكير فيها .من على مقعدي ، حيث الآلة الكابتة أمامي بالضبط ، نظرت إلى الصورة المثبتة على بعد عشرة أقدام مني ، وصدف أن كنت من على مقعدي أنظر من زاوية العدسات تماماً . لقد بدت جيدة للغاية من هذه الزاوية ؛ لا شك ، أنها كانت أفضل طريقة لتقدير صورة ، على الرغم من أن النظر إليها قطرياً ،بلا شك له فتنته وربما يفضح جوانباً مغايرة . بعد كل دقائق معدودة ، على سبيل المثال عندما كنت غير قادر على إيجاد صيغة فرنسية جيدة لأقول ما يقوله خوزيه نوربيرتو ألليندي بلغة إسبانية ناصعة ، كنت أرفع عيني وأنظر إلى الصورة ؛ كانت المرأة أحياناً تجذب نظري ، أحياناً المراهق ، أحياناً الرصيف حيث سقطت ورقة جافة ، بصورة تدعو إلى الإعجاب ، واستقرت لتزين الفراغ المحيط . بعدها أخذت استراحة من عملي ، وانغمست مرة أخرى بسعادة في ذلك الصباح الذي كانت الصورة فيه مغمورة للتحميض ، تذكرت بسخرية ، الوجه الساخط للمرأة وهي تطلب مني تسليمها الصورة ، الهروب السخيف ومحزن للمراهق ، دخول الرجل ذو الوجه الأبيض إلى المشهد .في دواخلي كنت راضياً عن نفسي ؛ لم يكن دوري مميزاً ، وبما أن الفرنسيين موهوبين في الردود المفحمة ، لم أفهم تماماً لماذا آثرت الانصراف دون أن أقوم باستعراض كامل للحقوق والامتيازات والحقوق الحصرية للمواطنين . الشيء المهم ، الشيء المهم حقاً كان هو مساعدتي للمراهق على الفرار في الوقت المناسب ( هذا في حال أن تنظيري كان صائباً ، وهو لم يتم برهنته بصورة كافية ، ولكن حادثة الفرار نفسها جعلته يبدو كذلك ) بحشريتي المباشرة ، منحته فرصة ليستفيد أخيراً من طاقة ذعره ويحقق شيئاً مفيداً ؛ الآن سيكون نادماً على ذلك ، تحت وطأة الشعور بالإهانة وبالرجولة المهدرة.لكن ذلك كان أفضل من البقاء تحت نظرات المرأة ، التي كانت تسلطها عليه في الجزيرة .كان مايكل متديناً نوعاً ما في بعض الأحيان ، فهو يؤمن بأنه لا يجوز إغواء شخص بالقوة . في قرارة نفسه كانت هذه الصورة عملاً صالحاً .

لكن لم يكن نظري إليها خلال عملي بين فقرة وأخرى لكون أنها كانت عملاً صالحاً . في ذلك الوقت لم أكن أعلم لم كنت أعاود النظر إليها ، ولا لم قمت بتثبيت النسخة المكبرة على الجدران . لربما كانت هذه هي طريقة وقوع كل الأحداث المصيرية ، لربما كان هذا هو شرط تحققها . لا أعتقد بأن الارتعاشة وشيكة الاثمار لأوراق الشجرة قد كانت كافية لتشتيت انتباهي ، عن متابعة جملة كنت قد بدأتها وأنهيتها بصورة بديعة . العادات تشبه عطارة كبيرة ، وفي نهاية الأمر ، فإن تكبيراً بمقدار ثمانين في ستين سنتميتراً مثل شاشة عرض ، حيث على طرف جزيرة تظهر إمرأة تحادث مراهقاً بينما شجرة تهز أوراقها الجافة فوق رأسيهما .

لكن أياديها كانت قد تجاوزت الحد في كثرتها . للتو قمت بترجمة العبارة : " في تلك الحالة ، فإن المخرج الثاني يكمن في الطبيعة الجوهرية لصعوبات المجتمعات التي..." – لحظة أن رأيت كف المرأة وقد بدأ ينقبض بطيئاً ، إصبعاً إثر إصبع. لم يتبقى مني شيء ، فقرة بالفرنسية ربما لن أكملها أبداً ، آلة طابعة على الأرض ، كرسي يصدر صريراً وهزة ، بقعة ضباب. قام المراهق بإحناء رأسه مثل ملاكم خارت قواه ينتظر الضربة القاضية ؛ كان قد رفع ياقة معطفه وبدى أشبه بسجين أكثر من أي وقت مضى ، الضحية المثالية التي تساعد على حلول مصيرها . الآن المرأة تهمس في أذنه ، وبسطت كفها مرة أخرى لتضعها على خده ، لتداعبه وتداعبه ، حتى تلهبه، على مهل . كان المراهق مشدوهاً أكثر من كونه مرتاباً ، مرة أو إثنتان قام بالتحديق من أعلى كتف المرأة ، واستمرت هي في حديثها ، تتحدث عن أمر جعله يعاود النظر كل بضع دقائق تجاه تلك المنطقة حيث ، ومايكل كان يعلم يقيناً ، كانت السيارة والرجل ذو القبعة الرمادية ، محذوفين بعناية من إطار الصورة لكنهما حاضرين في انعكاس عيني المراهق ( كيف يمكن لأحد أن يشكك في هذا الآن ) وفي كلمات المرأة ، في يدي المرأة ، وفي الحضور الخفي للمرأة .

عندما شاهدت الرجل قادماً ومتوقفاً إلى جانبهما ، حاشراُ يديه بجيبيه وهيئته توحي بحالة بين الإشمئزاز والرغبة ، رجل يوشك على الصفير لكلبه بعد أن أكمل جولته بالميدان ، لقد فهمت ، إن كان هذا مما يمكن فهمه ، ماذا كان يجب أن يحدث ، ماذا كان يجب أن يكون قد حدث ، ماذا كان ليجب أن يحدث في تلك اللحظة ، بين هؤلاء الأشخاص ، تماماً عندما قمت بحشر أنفي لتخريب مجريات أمور مقررة ، متدخلاً ببراءة في مجريات ذاك الحدث الذي لم يقع بعد ، ولكنه الآن وشيك الحدوث ، الآن وشيك التحقق . و كان ما تخيلته آنفاً أقل فظاعة من الحقيقة بكثير ، تلك المرأة ، التي لم تكن هناك لأجل نفسها ، لم تكن تداعب أو تغوي أو تلهث من أجل متعتها الذاتية ، من أجل استدراج الملاك الأشعث والتلاعب بذعره ولهفته . وقد كان السيد الحقيقي ينتظر ، مبتسماً بغيظ ، وهو مطمئن إلى سلامة العملية. هو لم يكن أول من يستخدم أمرأة طعماً ، لتجلب له صيدها مقيداً بالأزهار . فالبقية ستكون غاية في السهولة ، السيارة ، منزل بمكان ما ، مشروبات ، لمسات مثيرة ، دموع متأخرة ثم الاستيقاظ في الجحيم . هذه المرة لم يكن هنالك ما يمكنني أن أفعله ، هذه المرة لم يكن بمقدوري فعل أي شيء على الإطلاق . كانت كل قوتي في صورة ، هذه ، هناك ، حيث سيقومان بالانتقام مني ، بعرض ما كان سيحدث وشيكاً ، بيناً .لقد تم إلتقاط الصورة ، والوقت قد مر ؛ وكنا مفرقين للغاية عن بعضنا البعض ، الجريمة قطعاً قد اكتملت ، والدموع قد سكبت ، وبقية الحدس والحزن . وفجأة انقلبت المجريات ، كانوا أحياءاً ، يتحركون ، يقررون ويمشون ، لقد كانوا يتوجهون نحو مستقبلهم ؛ وأنا على هذه الناحية ، حبيس لزمن آخر ، لغرفة على الطابق الخامس ، لجهلي عمن كانت تلك المرأة ، ذاك الرجل وذاك المراهق ، لكون أني أصبحت لا شيء أكثر من عدسات كاميرتي ، شيء ، جامد ، عاجز عن التدخل .

كانت سخريتهما مني ، هي الأفظع ، كانا يسخران مني بإرتكاب الأمر أمام عيني العمياوتين ، بجعل الفتى المراهق تارة أخرى ينظر إلى المهرج ذي الوجه الطحيني ، وبجعلي أفهم بأنه كان على وشك الموافقة ، وأن العرض كان يحتوي على نقود أو حيلة ، وبأني لم أستطع أن أصيح فيه محذراً للفرار، أو لأقوم ببساطة بتمكين هروبه من جديد بواسطة لقطة أخرى ، بتدخل صغير ومتواضع للغاية يمزق حوله شبكة اللعاب والعطر . كل شيء كان مقدماً على حل نفسه هناك تماماً ، في تلك اللحظة ؛ كان هنالك صمت مطبق ولا علاقة له بالصمت الحسي . كان صمتاً يتمدد ويتسلح . أعتقد بأنني صرخت ، صرخت بصورة مريعة ، وحدث ذلك تماماً في اللحظة التي أدركت فيها بأنني بدأت في الإقتراب منهم ، عشرة سنتمترات ، خطوة ، خطوة أخرى ، كانت الشجرة في الواجهة تتمايل بأغصانها برتابة ، وطفحت البقعة التي على المتراس خارج الإطار ، ودار وجه المرأة تجاهي ، وكأنها تباغتت ، كان يتضخم . وعندها انحرفت قليلاً – أعنى بأن الكاميرا قد انحرفت قليلاً – ومن غير إفلات المرأة من المشهد ، بدأت في تقريب الرجل ، الذي كان يحدق تجاهي بالفجوتين السوداوتين التين كانتا في مكان العينين ، مذهولاً وغاضباً معاً ، بدى ، وكأنه يرغب في دقي بالمسامير إلى الهواء . وفي تلك اللحظة ومن خارج البؤرة تمكنت من مشاهدة طائر ضخم وهو ينقض دفعة واحدة من أمام المشهد ، ثم إنحنيت تجاه حائط غرفتي وكنت فرحاً للغاية لأن المراهق كان قد أفلت هارباً للتو ، رأيته وهو يعدو ، ثم مجدداً في البؤرة ، يعدو وشعره يرفرف مع الريح ، أخيراً قد عرف كيف يحلق فوق الجزيرة ، ليصل إلى جسر المشاة ، قافلاً إلى المدينة . لقد تمكن للمرة الثانية من الفرار منهما ، لقد ساعدته للمرة الثانية على الهرب وأرجعته إلى فردوسه الزائل . بأنفاس حبيسة ، وقفت أمامهم ؛ لم تكن هنالك أية حاجة للإقتراب بعد قيد أنملة ؛ فاللعبة قد انتهت . بالكاد يمكن لأحدهم رؤية كتف المرأة وجزءاً من شعرها ، وقد بتره اطار الصورة بوحشية ؛ لكن الرجل كان في المركز تماماً ، فمه نصف مفغور . وهناك بداخل فمه ، رأيت لسانه الأسود يتأرجح ، وهو يرفع يديه بطيئاً ، إلى الأمام ، وكانت اللحظة لا تزال في قبضة البؤرة تماماً ، ثم أصبح كله بقعة تبتلع الجزيرة ، الشجرة ، ثم أغمضت عيني ، لم أكن راغباً في رؤية المزيد ، غطيت وجهي وأنفجرت باكياً كالأبله .

الآن تعبر بالجوار سحابة بيضاء عريضة ، كما كان يحدث طوال هذه الأيام ، طوال هذا الوقت اللامحصى . ما بقي ليقال هو دائماً سحابة ، سحابتان ، أو ساعات طوال من سماء ناصعة الصحو ، مستطيل شفاف مثبت بالدبابيس على حائط غرفتي . هذا ما شاهدته عندما فتحت عيني وجففتهما بيدي : سماء صافية ، ثم سحابة تأتي من الناحية اليسرى ، تعبر برشاقة وسكينة ثم تختفي في الناحية اليمنى . ثم تلتها واحدة أخرى ، وأحياناً يصبح كل شيء رمادياً ، كل شيء هو سحابة واحدة هائلة ، وفجأة قطرات مطر تتهشم على الأرض ، ولوقت طويل يمكنك رؤيتها تمطر على الصورة ، وكأنما تعويذة البكاء قد انعكست ، وشيئاً فشيئاً ، يصبح الإطار صافياً ، وربما تشرق الشمس ، وتارة أخرى تبدأ السحب في الظهور ، فينة زوجياً ، وفينة ثلاثياً . وحمائم تحلق من وحين لآخر ، أو عصفور وحيد .

ترجمة : إبراهيم فضل الله

2014/11/12 م
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 829

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




ترجمة : إبراهيم فضل الله
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة