المقالات
السياسة
تلك الأيام عودة لإبراهيم دقش بعد 10 أعوام
تلك الأيام عودة لإبراهيم دقش بعد 10 أعوام
11-25-2014 02:57 PM


بعض الكتب تسلل إلى الذاكرة وتركن فيها زمنا طويلا، ويخيل إليك أنك نسيتها تماما، ولكن فجاءة تتراءى لك من جديد، وكأنها تجيب عن تساؤلات تحيرك.
لقد انقضت عشرة أعوام منذ أهداني الإعلامي المخضرم الدكتور إبراهيم دقش في العام 2004م، كتابه المعنون (تلك الأيام)، وقراءته حينئذ في جلسة واحدة، ثم اختفى ذلك الكتاب في ركن الكتب المهداة داخل مكتبتي المتواضعة، وإن تخصص ركنا في مكتبتك للكتب المهداة إليك من مؤلفيها سنة حميدة تعلمتها من أستاذنا الجليل البروفسيور يوسف فضل حسن، فهذا الركن عند البروف العلامة يعكس اهتمامه بمؤلفي الكتب من جهة، ويعبر عن سعادته باتساع حركة النشر والتأليف في البلاد من جهة أخرى.
عرفت الصحافة السودانية الدكتور إبراهيم دقش كاتبا صحفيا ضخما، وأحد الناشطين الفاعلين في المجال الثقافي والإعلامي في البلاد منذ مطلع الستينيات، لكن أجد نفسي اليوم في حالة تواصل مع مضمون ذلك الكتاب الذي يقول لنا في 180 صفحة (نحن ناس بنعيش حياتنا الغالية بالنية السليمة).
في (تلك الأيام ـ واحد من جيل الستينيات) نحن أمام رواية واقعية تحررية انقلابية في المفاهيم. رواية يقترب فيها دقش (الرباطابي القح) من طريقة السرد التي تعلمناها من صاحب الفتح الكلي في أدب السيرة الذاتية في السودان القديم الشيخ بابكر بدري. وقد تلمح تميزا لدقش يتمثل في حب التفاصيل التي قد تكون مملة أحيانا. ولعل حب التفاصيل عند دقش ناتج عن مصاهرته لأحدى الأسر العريقة في أمدرمان. ومعلوم أن حب التفاصيل عادة متأصلة لدى الأمدرمانيين. وقد نصحني صديق أمدرماني عريق جدا بعدم الحوار مع الأمدرمانيين في التفاصيل، لأنهم إذا دعوك إلى تناول وجبة إفطار من كسرة بملاح شرموط سيخيرونك بين ملاح الشرموط الأخضر أم الأحمر أم الأبيض أم (البيج).
بإيقاع سريع وحبكة روائية متصاعدة وبشخصيات تضج بالحركة، ولغة سهلة قريبة إلى الأسلوب الصحفي، يعكس كتاب (تلك الأيام) أحداث الحياة السودانية خلال النصف الأخير من القرن الماضي، وليست تلك الميزة الوحيدة للكتاب، إذ يغوص من خلال النص في أعماق شخصيات بسيطة، تمثل الواقع دون رتوش أو مجاملات، فتحس وكأنهم عينات حقيقية تعكس بأمانة وبصدق ما يعتمل في صدر المجتمع السوداني بمدنه وريفه وقراه، وفي نفس الوقت تضعنا في قلب الأحداث.
ويأتي هيكل الكتاب قريبا من شكل الحبكة السينمائية، فالأحداث تتوالى بسرعة وبإيقاع قوي، أعتمد على تصوير الوقائع من خلال الكلمات والوصف، فيجعل القارئ يتخيل ويجسد الشخصيات والأماكن وكأنها شريط متحرك أمامه، لتصبح مطالعتها ممتعة وشيقة. وتمارس نقدا واعيا وإيجابيا للأحداث الجارية وللمجتمع، كل ذلك من خلال حبكة فنية.
ويدور جزء كبير من أحداث (تلك الأيام) في الريف، حيث عكس نضال العمال والمزارعين من خلال كفاح شخصيات الرواية على المستويين الداخلي والخارجي، أي الصراع الدموي مع توفير لقمة العيش والمعرفة للأبناء، والنضال أيضا ضد جزء كبير من العادات والتقاليد البالية التي تنخر بعظام الشعب، فيزيد ضررها أحيانا عن مساوئ الصراع الدموي. ولهذا فقد تم اختيار شخصيات (تلك الأيام) بعناية تامة، بحيث تمثل مختلف شرائح المجتمع.
الشخصية المحورية في (تلك الأيام) هو والد الدكتور إبراهيم دقش، الذي بدا واضحا أنه يدرك قضية أسرته بأبعادها المختلفة، كان يناضل على جبهتين في سبيل توفير الحياة الكريمة (المرفهة) لأسرته من جهة، وفي سبيل إتاحة فرص التعليم لأبنائه حتى لا يقف الجهل حائلا دون تفوقهم في الحياة من جهة ثانية.
إنه إذن التحرر الداخلي والخارجي في آن واحد، والذي لا بد منهما لأجل سعادة أي أسرة. وإضافة إلى الاعتزاز الشديد الذي يبثه دقش لوالده في ثنايا (تلك الأيام)، فهو يستغرق في التفاصيل التي تبين أن طريقة الوالد في التربية اهتمت بغرس قيم الحياء والفضيلة في الأبناء لكي يهتموا باتباع الطرق الشرعية والاخلاقية في حياتهم.
أما الجانب النسوي في (تلك الأيام) فقد تمثل بالعديد من الشخصيات. ورغم أن أبرزهن كانت والدة دقش التي تحملت الكثير من شقاوة وثرثرة الطفل، إلا أن البطلة الحقيقية هي حرمه الدكتورة بخيتة أمين التي تزوجها في حفل محضور شرفه الرئيس الراحل إسماعيل اللأزهري، وتأكد من جدارة العريس لبنت أمدرمان الأستاذ عبد الخالق محجوب. أما الزوجة فهي عالم خاص قد نغوص فيه يوما ما، لكن بعبارة واضحة ربما أغاظت دقش، هي التي تقف خلف الكثير من النجاحات التي حققها ويحققها دقش في الحياة.
وقائع (تلك الأيام) ذات أهمية قصوى ولها قيمة تاريخية وتسجيلية. وقد تترك أثرا بالغا على تطور وازدهار النهضة السودانية ومدها بالحيوية والاستمرارية والغزارة.
ويدعم هذا الرأي أن اسلوب الدكتور إبراهيم دقش يحتوي على ثلاثة عناصر وهي:
أولا: الأصالة في العواطف المعبر عنها.
ثانيا: الوضوح في التعبير عن هذه العواطف.
ثالثا: إخلاص الكاتب المبدع في العواطف التي يعبر عنها.
على أن المهم أن كتاب (تلك الأيام) يحافظ في جميع فصوله على عمق التناول للقضية المثارة وعلى الإبقاء على العلاقة الشخصية والاحترام المتبادل.




[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 792

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1157396 [Saeed]
0.00/5 (0 صوت)

11-25-2014 07:24 PM
مذكرات الأستاذ كامل محجوب أيضاً باسم " تلك الأيام " لماذا هذا التطابق في الأسماء ،أنا اعلم انهما أصدقاء منذ أيام التنمية الريفية في السبعينات .

[Saeed]

#1157389 [الحراس]
1.00/5 (1 صوت)

11-25-2014 07:12 PM
وبعدين يا اخوانا .... التمجيد ده كلو فى دقش ؟؟ دقش الواحد ده واللا واحد تانى ؟؟ عملتو لينا طه حسين وعملت لينا كتابو الباهت دا كأنو ( الايام )

[الحراس]

محمد الشيخ حسين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة