المقالات
السياسة
في ذكرى تحرير الخرطوم ..تاريخ الامام المهدي "إشكالات المنهج وشح المصادر "
في ذكرى تحرير الخرطوم ..تاريخ الامام المهدي "إشكالات المنهج وشح المصادر "
01-27-2016 09:56 AM

image

تبرز العديد من الإشكالات عند الخوض في دراسة تاريخ الثورة المهدية وبخاصة سيرة الامام المهدي ، منها ما هو مرتبط بالمنهج ومنها ما هو متعلق بالمصادر .
هناك العديد من الملاحظات حول منهج الدراسات التي تناولت الثورة المهدية بصورة عامة وسيرة قائدها على وجه الخصوص .
والشاهد انه قد قدمت الكثير من الانتقادات للمنهج التاريخي على اعتبار انه لا يصمد وحيداً لتقديم أطروحات ذات نتائج تصلح للتعميم حيث لا بد من المزج بينه وبين احد مناهج البحث العلمي المتبعة في الدراسات الاجتماعية او السياسية . ، وان ابن خلدون ( اب التاريخ نفسه ) قد تغلب على مناهج دراسة التاريخ الجامدة والتي لا يمكن أن تعطينا تعميمات بان ابتدع منهج دراسة باطن التاريخ ( para history ) بمعنى عدم الوقوف عند التوثيق والتأريخ للحوادث بل يجب الولوج إلى أسبابها ومسبباتها وذلك بدراسة كل العوامل المحيطة بها سواء داخلية أو خارجية الداخلية المرتبطة بالدراسة الذاتية للاشخاص الفاعلين وكذلك دراسة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والتاريخي .

كثير من الدراسات التي تناولت الثورة المهدية طرحت أفكارها بمنهج تاريخي توثيقي ، وحتى تلك التي حاولت الولوج تحليلاً في أسباب قيامها ونجاحها حصرت العوامل – مع موضوعيتها – في العنف الذي صاحب الغزو التركي للسودان وبخاصة انتقام الدفتردار لمقتل إسماعيل ابن محمد علي حاكم مصر ، إلى جانب الضرائب الجائرة وطريقة جبايتها القهرية ، وللعديد من الممارسات المرتبطة بالعقلية الاستعمارية التركية . أما من جهة النجاح فقد ذهبت جل تلك الدراسات إلى أن العامل الرئيسي هو ضعف الإدارة التركية وفقدانها السيطرة على الأمور وتقليلها من شأن الثورة والتعامل معها في بداياتها.
على الرغم من أن تلك الدراسات تناولت المهدي بوصفه قائد الثورة في إطار التوثيق التاريخي للأحداث التي صاحبت الثورة وتلك المرتبطة بشخصه ، إلا أنها لم تفرد فصولاً لتناول مقدراته الذاتية في تحريك وقيادة الثورة واحتوائه لكل العوامل والظروف وإعادة إنتاجها بصورة تبرز قدراته الذاتية والشخصية وتفجيرها بما حقق له النجاحات الكبرى .
وجدير بالذكر ان منهج الدراسات التي تناولت المهدي كان : إما منهجاً هجومياً حاول نفي صفة المهدية عنه وبذلك تسقط كل دعواه وما أنبنى عليها ، أو منهجاً دفاعياً حاول إثبات صفة المهدية عليه حتى تكون سنداً قوياً لنجاحاته. ولكن كلا المنهجين أضرا بسيرة ذلك الرجل حيث انصرف الباحثون عن دراسة شخصية المهدي وركزوا جل اهتمامهم بالمهدية وأسانيدها وشروطها ومدى انطباقها على الرجل.
وهناك أشكال اخر ارتبط بسيرة الرحل وهو تحول الإمام المهدي من رمز وطني إلى رمز سياسي - في السابق وفي الوقت الحاضر - حيث كان المهدي قائداً لثورة قامت ضد المستعمر ومصالح الجماعات المرتبطة بذلك الاستعمار ولهذا كان من الطبيعي قيام دعاية مضادة له جعلت منه مركزاً لهجوم العلماء واختلاف الناس عليه . ثم صار رمزاً سياسياً لما عرف بابناء البحر وفق التقسيمة الجهوية الضيقة للصراع الداخلي الذي حدث بعد وفاته ، ثم صار المهدي رمزاً لطائفة الأنصار وحزب الأمة . وهذا الأمر صار خصماً على رصيد الرجل من اعتباره رمزاً وطنياً .
لذلك لا بد ان يكون منهج قراءة سيرة هذا الرجل ، لا من واقع تسلسل زمني كيفما درجت الدراسات التاريخية التي تتناول السير الذاتية ، بل من خلال نظرة موضوعية تحاول الربط المنطقي بين المقدمات والنتائج بتحليل علمي للأحداث ووضع كل منها تحت عنوان يكون مقدمة لنتيجة تاريخية حدثت .
وقد ذكر البروفيسور قاسم عثمان نور انه في عام 1981 في فترة الإعداد للاحتفال العالمي بالعيد المئوي للثورة المهدية بحث في مكتبة جامعة الخرطوم وجد أن هناك أربعون كتاباً تتناول سيرة غوردون ولم يجد كتاباً واحداً يتناول سيرة الإمام المهدي .
ولعله من الإشكالات الكبيرة المرتبطة بالمصادر ايضا ً هي عدم وجود معلومات عن المهدي قبل قوله بالمهدية .
وكذلك اعتمدت كثير من الدراسات على مصادر الشفاهة والنقل والحكي الشعبي وهي بذلك تعد مصدر مضطرب في ظل تمجيد الامام المهدي من عامة الناس وسرد حكايات وخوارق عنه .
الأشكال الاخر هو ذلك المرتبط بالوثائق التي غالبا ما كانت مكتوبة في شكل تقارير استخباراتية في ظل واقع حربي وعسكري .
وختاماً لهذا المقال البسيط اذكر حقائق لا بد من استصحابها عند دراسة سيرة الامام المهدي :
أولاً ، تحييد فكرة المهدي المنتظر فالعلمية والموضوعية تقتضي تحييد فكرة المهدي المنتظر للعديد من الاعتبارات:المهدية هي من الأفكار الدينية الصوفية التي تعتمد على الغيبيات والإرهاصات والمعجزات.وهي بذلك لا تصلح أن تكون طريقاً للبحث بموضوعية في خصائص ذلك الرجل. وان فكرة المهدي المنتظر ليس عليها إجماع من قبل المسلمين ومختلف عليها دينياً. إلى جانب أن اعتبار المهدية عنصراً من العناصر الأساسية لنجاح الثورة يقلل من الدور الذاتي والحقيقي للإمام المهدي . وهنا نؤكد على أن هذا التحييد لا يعني إلغاء الفكرة ولا يقدح من أمر دعوته الدينية بأي صورة كانت .
ثانياً : عدم إسقاط معايير الواقع على التاريخ : بمعنى أن نقوم بالنظر إلى كل ما هو مرتبط بهذا الموضوع من خلال الحكم عليه بمعايير زمنه وظروفه ومعطياته لأن الحكم على التاريخ بمعايير الواقع فيه إجحاف وظلم ومجافاة للعلمية .
ثالثاً : أن تعنى الدراسات المرتبطة بالامام فقط بدراسة شخصية الإمام المهدي وهذا يعني أن لا يتعدى أمر الدراسة إلى تناول الدولة التي قامت كنتيجة لإنتصار الثورة حيث أنها لا تعتبر محصلة نهائية حقيقية لمبادئ الثورة وقائدها . وتناولها مع كل الخلاف في التحليل والتقدير والنتائج النهائية يغفل دور هذا القائد لأنها عند التحليل تستبعد دوره أو بالأحرى لا يكون هو محلاً للدراسة لغيابه عنها .

[email protected]



تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2582

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1406729 [ود رفاعة]
1.00/5 (1 صوت)

01-28-2016 10:31 AM
يكفي المهدي انه نجح بتوحيد بلد بحجم السودان كان يفوق السعودية مساحة هذا ليس بالرجل السهل ابدا

واحد يجرب كده في الزمن داك اذا نجح يورينا كما نجح المهدي

الثورة بقائدها

[ود رفاعة]

#1406313 [المندهش]
5.00/5 (1 صوت)

01-27-2016 12:25 PM
مهما كانت الصفات الشخصيه للامام المهدى لا اعتقد انها سوف تكون ذات اثر بالغ فى ظل ظروف صعوبة الاتصال والمواصلات فى ذلك الوقت وقصر الفتره بين بداية الثوره ونجاحها و موت المهدى نفسه . المهدى زار مناطق محدوده فى السودان وقابل اشخاص محدودين مقارنة مع عدد الذين بايعوه ولكن فكرة المهدى نفسها خدمت الرجل وكان لها مفعول السحر اذ كانت كل المجتمعات الاسلاميه فى ذلك الوقت مهيأه للفكره والدليل على ذلك ظهور عدد من المهديين فى عدد من الدول فى ذات الوقت هذا طبعا علاوه على الاسباب التى تفضلتم بذكرها فى مقالكم بخصوص نظام الحكم القائم. ان اقوى الشخصيات التى ساندت المهدى لم تكن معروفه بالتدين ولكن خرافة المهدى المنتظر وقوة تأثيرها جعلتهم يتبعونها لانها تحقق لهم مصالحهم الدنيويه والاخرويه . مقولة تشيرشل دقيقه لحد كبير فى التشبيه بين نجاح المهديه بنجاحات الاسلام الاولى خاصة فى دور مجتمع المهديه مع مجتمع النبوه . تحياتى

[المندهش]

ردود على المندهش
[د. محمد الواثق] 01-27-2016 05:55 PM
كما أسلفت في السابق انه توجد اشكالية في مصادر دراسة شخصية الامام المهدي قبل دعوته حيث لا توجد مصادر دقيقة للرجوع اليها واعتمادها .
ولذلك سأطرح تساؤلاً كبيراً عن ماهية القدرات الذاتية التي توفرت لذلك الشاب المهدوي الذي هز الأرض تحت أقدام جيوش الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وهو مازال في منتصف العقد الثالث من عمره ؟.
وفي إشارات سريعة وفقاً لمقتضيات المقام ، فلكل مقام مقال ، نحاول الإجابة على هذا التساؤل .
قطعاً من الخطأ اختزال نجاح الثورة في دور قائدها ، ولكن من الإجحاف والتجني التاريخي تجاهل دوره المركزي في تحريك العوامل ، هذا هو الذي يفرض عند الإجابة على هذا التساؤل ضرورة تناول دور ذلك الشاب في السيطرة على كل العوامل المتاحة وتحريكها لخلق واقع ضمن له نجاح الثورة التي قادها .

[د. محمد الواثق] 01-27-2016 05:36 PM
كما أسلفت في السابق انه توجد اشكالية في مصادر دراسة شخصية الامام المهدي قبل دعوته حيث لا توجد مصادر دقيقة للرجوع اليها واعتمادها .
ولذلك سأطرح تساؤلاً كبيراً عن ماهية القدرات الذاتية التي توفرت لذلك الشاب المهدوي الذي هز الأرض تحت أقدام جيوش الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وهو مازال في منتصف العقد الثالث من عمره ؟.
وفي إشارات سريعة وفقاً لمقتضيات المقام ، فلكل مقام مقال ، نحاول الإجابة على هذا التساؤل .
قطعاً من الخطأ اختزال نجاح الثورة في دور قائدها ، ولكن من الإجحاف والتجني التاريخي تجاهل دوره المركزي في تحريك العوامل ، هذا هو الذي يفرض عند الإجابة على هذا التساؤل ضرورة تناول دور ذلك الشاب في السيطرة على كل العوامل المتاحة وتحريكها لخلق واقع ضمن له نجاح الثورة التي قادها .


#1406262 [الكامل]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2016 10:52 AM
نعم الامام المهدي رمز لكل الوطن وليس لطائفة او اسرة

[الكامل]

#1406244 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

01-27-2016 10:27 AM
مقال ممتاز
شخصية الامام المهدي كقائد وطني وكاريزمته كمصلح لم تدرس الي الان بالمستوي المطلوب.

[سوداني]

د. محمد الواثق عبدالحميد الجريفاوي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة