المقالات
السياسة
عين على السودان
عين على السودان
12-05-2014 10:07 AM




دور العسكرة والتجييش والتجهيل فى تفكيك أوصال المجتمع وانفصام وحدته:

قبل فترة وجيزة نشرت فى صحيفة الراكوبة الغراء مقالة طرحت فى صدرها سؤالين: السؤال الأول حول الأزمة التى تمسك بتلابيب النظام وهل فى استطاعة النظام الخروج من تلك الأزمة وفك العزلة التى تحاصره محلياً وإقليمياً وعالمياً؟
السؤال الثانى يتعلق بقوى المعارضة إن كانت تمتلك القدرة على إسقاط النظام فى ظل غياب الوحدة بين القيادات السياسية المعارضة وغياب النشاط المنظم للحركة الجماهيرية التى برهنت على أنها على استعداد لمجابهة النظام وتحمل نتائج ما يترتب على ذلك النشاط بدليل أن انتفاضة سبتمبر التى قدمت أكثر من مائتي شهيد من الشباب لفتت أنظار العالم وأعادت إلى الذاكرة أمجاد الشعب السودانى مفجر الثورات. الشعب الذى لا يعرف الاستكانة ولا يرضى بالذل والهوان والتخلى عن عزته وكرامته.
الهدف من وراء الأسئلة التى طرحتها المشاركة فى حوار يسلط الأضواء على عمق الأزمة وتفاصيلها والبحث عن المخرج الذى يفتح الآفاق أمام نهوض الحركة الجماهيرية ويكشف عن جوانب الضعف والقوة التى تلازمها. فى هذا السياق لابد من المصارحة وكشف جوانب الضعف والقصور فى عمل ومواقف قيادات المعارضة السياسية الملتزمة بالتصدى لعسف واستبداد النظام الذى لم يتراجع يوماً واحداً عن الطريق والنهج الذى اختاره.
وضوح الرؤى وتكامل التكتيكات يشكل العامل الحاسم المؤدى الى نجاح استراتيجية النضال الهادف إلى اسقاط النظام وإقامة البديل.
مما لاشك فيه أن فشل المشروع الحضارى وعجز نظام الإنقاذ عن إدارة البلاد وحل قضايا المجتمع الأساسية من اقتصاد وصحة وتعليم وسبل كسب العيش أدخل الحزب الحاكم فى نفق لن يستطيع الخروج منه إلا إذا حدثت معجزة. ما نقوله ليس من صنع الخيال إنما هو تعبير عن واقع معاش يتحرك أمام الجميع من أفراد الشعب السودانى الذين أصبحت السياسة جزءاً لا يتجزأ من حياتهم اليومية.
فى هذا الخصوص أسوق مقطعاً مما جاء فى مقابلة تلفزيونية أجرتها قناة الميادين الفضائية أمسية الحادى عشر من شهر نوفمبر الماضى عندما استضافت الأستاذ عبد الرحيم على الأمين السابق للجبهة القومية الإسلامية فى برنامج "إسلاميون" تجدر الإشارة إلى أن نفس البرنامج استضاف الاستاذ غازى صلاح الدين والبروفسير حسن مكى وهما كما هو معلوم من دعاة الإصلاح والمؤسسين لحزب الإصلاح الذى يضم فى قيادته الدكتور الطيب زين العابدين الذى يعتبر أحد مفكري الحركة الإسلامية البارزين.
جاء فى حديث الاستاذ عبد الرحيم على أن المشكل الاقتصادى يشكل التحدى الأكبر الذى يجابه الحكومة وأن الحكومة لا تملك برنامجاً واضحاً وتعمل برزق اليوم باليوم كما أشار إلى أن الظروف العالمية التى تحيط بالنظام تجعل الوضع الاقتصادى اكثر صعوبة.
هنا يجدر القول أن السيد عبد الرحيم على قد لمس كبد الحقيقة فيما قاله عن الوضع الاقتصادى الذى ينذر بكارثة تلوح فى الأفق تهدد حاضر ومستقبل البلاد. ما هو أهم من توصيف الحالة الاقتصادية اليوم هو من المسئول عن هذا الوضع؟ ما هي الأسباب التى أدت إليه؟
حسب الاحصائيات المتوفرة ينتج السودان سبعة ملايين طن من الحبوب فى حين أن المواطن فى العاصمة الخرطوم لايجد ما يكفيه من خبز. الحكومة اصبحت عاجزة عن توفير الامكانيات الضرورية لجمع الحصاد وترحيله وتسويقه سواء كان فى الأسواق المحلية أو العالمية وعليه يلجأ الى الوسائل التقليدية لحفظ الحبوب كالمطامير بدلاً عن توفير الصوامع الحديثة التى تعتمد عليها معظم دول العالم.
الشعارات الخالية من المضمون والمصداقية التى تروج لها الحكومة ووسائل اعلامها محلياً وعالمياً: نأكل من ما نزرع ونلبس مما نصنع!! السودان سلة غذاء العالم!! كلها راحت أدراج الوعود الزائفة التى مازالت تطلق والعالم ينظر الى الحالة المتدنية التى وصل اليها المجتمع السوداني.
لكن والحقيقة تقال لابد من قولها ان هنالك من يأكل الى حد التخمة ويلبس افخر الملابس المستوردة ويركب آخر موديلات السيارات ويقتنى افخر المساكن.. انهم الفئة التى استولت على السلطة وامتلكت الثروة والمال والسلاح كما أن المحظوظين الذين اصبحوا جزءاً من البطانة نالوا نصيبهم من الثروة المهدورة.
الاعتماد على الخارج سواء كان من جانب المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية اقفلت الابواب امامها لأن النظام فى السودان اضحى عاجزا عن تسديد ديونه البالغة ثلاثة واربعون مليار دولار. المؤسسة المالية اصبحت عاجزة عن توفير المال لكوتة الدقيق الذى يستورد من الخارج لسد الفجوة التى يحدثها الانتاج المحلى. فى هذا المقام استحضرت احدى مقولات كتاب القذافى الاخضر الذى يقول فيه "لا خير فى شعب يأكل من وراء حدوده!!"
أثناء الحوار الذى أشرت إليه سابقاً مع السيد عبد الرحيم على حول فكرة لجوء الجبهة القومية الإسلامية للإنقلاب العسكرى.
أجاب الاستاذ أن الجبهة القومية الإسلامية توصلت بعد دراسة عميقة الى أنها لن تصل الى السلطة إلا عن هذا الطريق ولذلك قامت بالإنقلاب. فى مقطع آخر من نفس المقابلة ورد سؤال حول احتمال وإمكانية اسقاط النظام. أجاب بأن هذا الاحتمال غير وارد ولايمكن أن يحدث إلا إذا توفر الاجماع الوطنى كما حدث فى تونس ومصر وليبيا.
من الصدف الغريبة كنت أشاهد برنامج "خطوط عريضة" الذى يقدمه الاعلامى محمد الامين دياب والذى يتناول ما تنشره صحف الخرطوم ورد خبر مفاده أن الدكتور الترابى رئيس المؤتمر الشعبى صرح بأنه تاب عن ممارسة العملية الانقلابية وانه لن يعود اليها مرة اخرى ولذلك انخرط حزبه فى الوقت الحاضر فى عملية الحوار الجارية بين الحكومة والمعارضة.
التجربة العملية مع تنظيمات الاخوان المسلمين مهما اختلفت مسمياتها سواء فى السودان أو فى بقية بلدان العالم العربى وخاصة مصر تؤكد ان استخدام العنف والوسائل العسكرية هو جزء لا يتجزأ من فكرهم وعقيدتهم الدينية للوصول الى اهدافهم وتجربة السودان مازالت حية وماثلة للعيان.
أول ما قام به تنظيم الاخوان بعد انقلابهم هو تصفية الجيش من العناصر الوطنية والبدء ببناء جيش عقائدى سياسى الحقت به مليشيات جهادية تم تدريبها والحقت بميادين القتال فى الجنوب قبل الانفصال واليوم فى دارفور وجنوب كردفان والنيل الازرق. ما تجدر الاشارة اليه ان مراكز التدريب فى عدد من الولايات مازالت تخرج كل عام اعداداً جديدة من المقاتلين.
سياسات التجييش والتجهيل مارسها الاسلاميون على مدى سبعة سنوات من حكم الطاغية نميرى من خلال الاتحاد الاشتراكى والاجهزة التابعة له ومن خلال جهاز الدولة الذى تولوا بعض المناصب الهامة فيه.
اكتسبوا تجربة غنية فى مجال الفكر والسياسة والاعلام بنوا عليها مؤسساتهم وطوروها بعد الاستيلاء على السلطة. اليوم عندما ينظر الانسان الى سلوكهم وتصرفاتهم وتجمعاتهم تعود الذ اكرة والصورة لكل من عايش تجربة الديكتاتور جعفر نميرى ولكيلا ننسى لابد أن نشير الى أنه حتى المرأة لم تسلم من تسلطهم وفرض رؤيتهم وارادتهم عليها.
إن اخطر ما يقوم به النظام من ممارسات سياسية وفكرية لتجميل المنهج الذى يمارس من خلال وسائل الاعلام المسموعة والمرأية والمقروءة ماكينة عسيل المخ تعمل اربعة وعشرون ساعة دون انقطاع وفى اقل تقدير خلال فترة الصلوات الخمسة ناهيك عن مقررات وبرامج التربية فى المؤسسات التعليمية.



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 758

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. محمد مراد
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة