المقالات
السياسة
الذهنية .. جوهر الازمة في السودان
الذهنية .. جوهر الازمة في السودان
12-07-2014 08:19 AM


بين أيديكم مساهمة متواضعة للنظر في قضية الازمة السودانية لمختلف ابعادها وهي عبارة عن قصاصات، رأيت جدواها، أتمنى أن تكون مبادرة لتحريض مفكرين للإدلاء بدلوهم، لقناعتي بضرورة التغيير الجذري لمستوى التفكير لان الاستهداف هو التغيير الحقيقي والجذري. هذه هي القصاصة الاولي والتي تتناول الذهنية او الفكر وسأتناول لاحقاً ثلاث قصاصات حول تقييم الذات ولغة الخطاب والعمل القيادي.
مدخل:
عقلية غطاء الجرّة
تأتي التسمية من التجربة التي قام بها فريق من الباحثين، بوضع مجموعة كبيرة من الحشرات داخل جرة كبيرة و تم إغلاق الجرة، ففي كل مرة تتطير فيه الحشرات لأعلى للخروج من الجرة، كانت تصطدم بالغطاء فتعاود الكرَه مرات و مرات، لاحظ الباحثون إنه بعد عدة محاولات تكف الحشرات من الطيران إلى أعلى للخرج من الجرة، حتى عند إزالة الغطاء تماماً.
ومثال آخر لهذه الذهنية انه قد جاء في الأثر أن كانتز، طالب في مستوى أكاديمي متواضع، أتى في إحدى المرات للمحاضرة متأخرا بعض الشئ، فنسخ ما وجده في السبورة من واجب منزلي، و عند العودة إلى سكنه قضى زمنا أكثر من ما هو متاح لحل الواجب، في اليوم التالي لتسليمه الواجب، فوجئ بمكالمة من البروفسير، فظن أنها مكالمة لتوبيخه فى تأخير الواجب، و لكن البروفسير كان في قمة الفرح و سأله " هل أنت من قام بحل تلك المسألة"، إندهش كانتز و قال للبروفسير، تعني الواجب المنزلي؟ نعم قال البروف، ذلك لم يكن واجبا و إنما كانت إحدى المعضلات الرياضية، حتى آينستاين لم يستطع حلها. و هكذا دخل كانتز التاريخ بالصدفة، إن العقل البشري سايكولوجيا ما ترسم له من حدود في اللاوعي.
إن ما يراه الناس من صعوبة إزالة طغمة الاسلام السياسي الجاثمة علي صدورنا هو في الحقيقة محض سقف ذهني زائف خلقناه بأنفسنا.

1- الفكر
و نحن بصدد الحديث عن الفكر، يجب أن نفترض ان مناشدة التغيير الفكري موجودة في جُل الثقافات و ضمنها ما جاء به القرآن، حيث نجد "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (الرعد). او حين قال ألبرت أينشتاين " إن العالم الذي نعيش فيه اليوم هو نتاج تفكيرنا، و لا يمكن تغيير هذا الواقع بدون تغيير تفكيرنا". اذن يمكن القول إن العقليه التي خلقت واقع الجبهة و استمراريته لربع قرن، سوف لن تكون هي العقليه التي تقتلعهم إقتلاعا.
ان طريقة تفكيرنا كقادة سياسيين ونخب فكرية هي التي خلقت هذا الواقع المؤلم في السودان، قد يرفض البعض هذا الاتجاه في التفكير، فالهروب من المسؤليه و تعليقها علي نظام الجبهه هي إحدى إشكالات تفكيرنا الخاطئة؛ لان الجبهه وحدها لا يمكن ان تخلق هذا الواقع المؤلم، ففي الحقيقة نحن كنخب و قوى سياسية ساهمنا في صنع هذه المأساة بأيدينا ، لربما هذا هو الخبر السئ الذى نتفادى سماعه، و لكن الخبر الجميل، ان الحل بأيدينا أيضا. فالمعركة في ظاهرها هى البشير و طغمته و فى جوهرها معركة عقولنا، فإذا إستطعنا تغيير تفكيرنا، لا ينهزم نظام البشير فقط، بل حتما سينهزم معه الإسلام السياسي و ظلاله.
ماذا يحتل جل تفكيرنا؟
يقول إييرل نيتينقيل "سيشكل جوهرك و يسمو بك، كلما يستحوذ على تفكيرك "
توثيق و فضح جرائم النظام تحتل جل تفكيرنا، يسيطر هذا علي كل چهدنا و طاقتنا، فبدلا من ملء اسافيرنا بالحلول و الممكن، نسَودها كل يوم بقصص الطغمة التي لا تنتهي، من أكاذيب و فبركات، ماذا يتبفى من الوقت و الجهد للتركيز علي الحلول؟، وكلما نركن لهذه الأكاذيب نسمح لهم عن طيب خاطر أومن غير إدراك بصب المزيد من الوسخ في عقولنا، فحتما قد أدركت الطغمة هذه الحقيقة و من زمن مبكر، فبرعوا في إستخدامها، مما قد يفسر سبب غرقنا في بركة الشجب و الإدانة لربع قرن من الزمان، فأصبحنا أدوات فعالة لتداول وتسويق جرائم النظام، لطالما يستحوذ صنيع الطغمة الحاكمة جل وقتنا. فلا غرابة، تغتصب أمهاتنا، أخواتنا و بناتنا و كل ما نملك هو الشجب و الإدانة، حملة توقيعات، أو مظاهرة ضعيفة الحضور، ثم سرعان ما نلوذ بالصمت في إنتظار إنتهاك آخر لنعاود الكرّة حتى أضحى معلوماً للكل الاكليشيهات التي يستخدمها الجميع.
الذهنية التي عمقت الأزمة ...
من يملك آلة الدعاية يملك الشعب، و لا اظننا نحتاج لدروس عصر لنستوعب الدور الحاسم لآلة الدعاية، فقط ألق ِ نظرة للعالم من حولنا؛ فإذا شكل الإعلام احد اهم اسباب بقاء نظام الجبهة طوال هذا الوقت؛ وإذا كانت الجبهة تستعمله لقهر شعبها و إذلاله و سوقه للإستكانة كما يقول الاستاذ المفكر الجليل محمود محمد طه، هل يمكننا إستخدامه لحقن الدماء، غرس الامل و إستلهام شعبنا للتخلص من هذا الكابوس؟ في الحقيقة سوف لن تكون المعارضة بالفاعلية المطلُوبة لإقتلاع الجبهة من غير آلة فعالة للدعاية، كثير من الكتابات قد اثارت ضرورة قناة فضائية، و لكن لم يرذلك النور بعد لعدم الجدية، ِإن العقلية التي لا ترى هذا كأولوية لا ولم و لن تكن العقلية التي تحدث التغيير المرتجى.
إن عقم التفكير يحصر آلة الدعاية في قناة فضائية في عهد تسيطر فيه أدوات التواصل الإجتماعي، فعدد التلفونات المحمولة قد يفوق بكثيرعدد التلفزيونات، وهذا إذا أدركنا أن القناة الفضائية نفسها ليست بالتكلفة الكبيرة التي يظنها كثيرون...سؤال آخر يتبادر للذهن، أذا كان الشباب هم ركيزة التغيير القادم، كم من الوقت يمضيه الشباب في الفيس بوك، والواتسآب وبقية قنوات التواصل الإجتماعي مقارنة بمتابعة التلفزيون؟ في عهد التخطيط العقلي، كيف نفكر هو المحك.
هناك إتجاهان للتفكير فالأول التفكير في إتجاه الحلول للتحديات التي تواجه التغيير، أما الثاني فهو التفكير في العقبات و المعضلات. فيبدو جلياً إِن الإتجاه الثاني هو الغالب، إن محدودية التفكير فى اقتحام العقبات تؤدى لمحدودية التصرف، و هذه بدورها تؤدى لمحدودية النتائج، فإذا كنا كأفراد وقيادات نربو لغايات أكبر، فلا بد من الخٌروج من قوقعة تفكيرنا الصغيرة لإطار أرحب، ولكن يسبق ذلك نمو ذهني يأتي بالقراءة الموجهة-المركزة و المساهمة الفاعلة في أنشطة تسهم في هذا النمو، من محاضرات، سمنارات ...إلخ... فلماذا لا نملأ حياتنا بالأمل، الإصرار، الحرية، العدالة، السلام المستدام فنجذبها إلينا، كما يقول قانون التجاذب "الاشياء المتشابهة تتجاذب" فلنحلم أحلام كبيرة إذا كنا نريد وطن نفاخر به الأمم، ولنفكر في الممكن. و الممكن ليس بالضرورة هو الأسهل
يقول ستيف جوبز مؤسس شركة آبل للكمبيوتر "إن ما يبدو سهلا لربما يكون أصعب مما قد يبدو معقدا، فلنعمل علي تنقية تفكيرنا ليسهل الصعب، وحين ندرك اهمية ذلك ونتوصّل إليه، نستطيع أن نحرك جبالا"
إن قوى التجاذب و التضاد، كليهما خلق فى مكان واحد،هو عقلنا، فإذا تمكنا من السيطرة على أفكارنا بالتفكير الإيجابي و ليس العكس، يمكننا السيطرة على مصائرنا؛ و ِإلا سنعيش كالجنادب، في خوف دائم من أن يطأنا شخص، فنظل نقفز طول الوقت، هذه هي عقلية الضحية، بها لا يتحقق أي نصر، خاصة إذا كانت المسئولية عظمي كهزيمة الفاشست.
كيف نتخلص من ذهنية الأزمة؟
يقول جورج برنارد شو "الذين ينجحون فى الحياة، هم أولئك الذين يبحثون عن الظروف التى تساعدهم على النجاح، فإن لم يجدوها، خلقوها"ويقول والدو إميرسون " ما يحدث لنا كأفراد فى ظاهر الامر لهو ضئيل مقارنة بما يحدث بدواخلنا" . فما هي هذه الظروف التي تساعد على النجاح؟
إن نظام الاسلام السياسي فاشى يستعمل كل أساليب القمع، من تعذيب و قتل و سحل و سجن و إغتصاب و و و..، بلا حرج وبلا وازع دينى، كون الفضيلة ليست هماً مهنياً اصيلاً يؤرقهم فليس لديهم متسعا من الوقت لتشذيب انفسهم بتدريب أخلاقي فاصبح جل همهم هو المحافظة على السلطة و ما نهبوه من أموال، يظنون إنهم يخدعون الله و الشعب بفقه الضرورة،فقه المرحلة، فقه التحلل، الحب الإسلامى و الليالى البرتقالية، ولكن في الحقيقة لا يخدعون إلا أنفسهم. و إن المغالاة في القمع و تراكم الضغوط، حوّل كثير من الناس لجيش من القانطين والمحبطين، واكتفيت الغالبية السياسية الناس برصد الإنتهاكات والفساد ثم الشجب والإدانه فسيطر هذا الإتجاه على جل اللقاءات والمنابر ووسائط التواصل الاجتماعية فإمتلأت بمحكيات مطوّلة كقصص ألف ليلة و ليلة فى الفساد و تسريب الوثائق و و و...
فى الجانب الآخر ليس هناك عمل موازى، دؤوب، يضع برنامج عمل واضح ووسائل تلهم الجماهير، تبعث الأمل و تخلق الظروف الملائمة لدك حصون الطاغية، فخطورة غياب وضآلة هذا الإتجاه، يؤدي إلى حالات اليأس والإحباط و التشاؤم التى نراها اليوم.
إن بداية الطريق لخلق الظروف التى تساعدنا على النجاح، التحرر من عقلية الضحية، إذ لا يمكن التخلص من عقلية الضحية بدون تغيير تفكيرنا، لا بد من تبلور صورة واضحة للأسباب الاساسية لإزالة الجبهة، إذ لماذا نريد إسقاط النظام؟ فكلما كانت - لماذا-هذه نافذة في وضوحها، كان الدافع، الإصرار و المثابرة لإزالة النظام أكبر و أقوى، فالأسباب يجب أن تشمل إزالة الظروف و الأسباب التي خلقت هذا الواقع المرير، حتى لا يعيد حزب المؤتمر الوطني انتاج نفسه فى صور اخري، و لكن لا بد من العمل لرفع نظرتنا لأنفسنا بإمتلاك قناعة قوية وعميقة بأننا كأفراد و شعب نستحق أن نعيش أحرار، فى وطن ديموقراطى، لنا كرامة مصانة ومحفوظة بالقانون، لنا الحق فى العيش الكريم، الحق فى التعليم و الصحة ... إلخ فإذا كنا نرى أنفسنا من هذا المنظار، سندرك أهمية ضرورة أن نعيش الحياة التي نريد اليوم و ليس غداً، و سوف لن نؤجل هذا الإستحقاق ليوم آخر، ولكن لإعتقادي أن الإحساس بقيمة أقل وهي الدونية أوالوسطية في أحسن الأحوال، هى ما أقعدتنا و ستقعدنا سنينا إذا لم نغير نظرتنا لأنفسنا، إذ يقول علماء النفس، لا يستطيع المرأ أن ينجز أكثر من نظرته أو تقييمه لنفسه(ا).
إن جودة أى وطن من جودة أبنائه وبناته ، وجودة أبنائه وبناته من جودة أحلامهم، و جودة الأحلام تأتي من جودة النظر والتقييم لأنفسنا، فشخص تتقمصه عقلية الضحية لن يحلم بوطن حدادى مدادى كما يقول شاعر الشعب محجوب شريف، بل تنعكس في شكل كوابيس وليس احلام.
الأحلام كالكائنات الحية، تحتاج لأوكسجين تتنفّسه ولعناية ورعاية وتشجيع، فقد قامت الولايات المتحدة الأمريكية على حلم يرتكز علي احترام التنوّع والحرية والعدل رغم ظلمها واستغلالها الفاحش للزنوج منذ عهود الرق البغيضة وقد عبرت مفردات الحلم كما ورد في الدستور ان الحلم بني علي توحيد الشعب الامريكية والحرية مكفولة للجميع والمساواة والعدل.
فلنجعل أحلامنا كبيرة و نخلق الجو الملائم لنموها، و لنبتعد من سارقي و قاتلى الأحلام، فهم ينضحون ما بدواخلهم من هزيمة، قاتلى الأحلام كقاتلى البشر، فهم لا يرون غير المستحيل، يثبطون الهمم بتصغيير أحلام الناس وتتفيهها ثم قتلها، ولا بد أن ندرك إنه من غير أحلام لا تتكون رؤى، صحيح قد تكون لنا أفكار، نلوكها بالسنين، و لكنها لا تبارح الربربة و الونسة، إذا كان الحلم كبير حتما سيتبعه عمل، و العمل الدؤوب يؤدى لتكوين الشخصية و تكوين الرؤى، الشخصية و الرؤى هى التى تسوق و تحدد المصير، هذا فى رأيي المتوضع، هو أقصر الطرق لسلام و أمان و ديمومة الديمقراطية و الإزدهار. فلا بد أن نتذكر كقوي وكوادر ونخب تغيير أن الطريق السهل من غير تعب غالبا ما يكون مسدوداً.
النظرة للذات --> العمل (الحراك) --> المثابرة فى الحراك --> قوة الدفع الذاتى
العمل القيادي...
يتضح من طرحي اعلاه انني اركز علي عمل النخب السياسية والفكرية والثقافية المستنيرة والعلمانية لدرجة يمكن معها القول أن كل شئ يعلو أو يهبط بعلو أو هبوط العمل القيادي، إن الطبيعة البشرية إذا لم يتم تهذيبها، بتكوين الشخصية و ترويضها على الإستقامة و النزاهة و الإنضباط، غالبا ما تسعى هذه الشخصية الخام لتحجيم الآخرين، فتحكم على غيرها بأفعالهم و تحكم على نفسها من منطلق دوافعها، حتى عندما تخطئ أخطاء جسيمة فى حق نفسها أو مواطنينا، لا تعتذر ولا تنتقد نفسها طالما كانت دوافعها سليمة كما تعتقد، فبهذا السلوك تخلق فجوة كبيرة بينها وبين الجماهير، و تحيط نفسها بمن يبارك أعمالها و يحرق لها البخور، فتبعد من تشك فى ولائه و تشوّه سمعتهم .... إلخ هذا النموذج يصح خاصة حين ننظر لمعظم نخب وقادة العمل السياسي خاصة حين نتناول مأساة وأزمة إنسان اهلنا فى دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والجنوب.
يقول جيف كندى الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية" فى أحايين كثيرة نلجأ لأريحية آرائنا، من غير عناء ومشقة التفكير"
فلا غرابة من تعدد المنابر والمبادرات، ولكن المدهش لم نحرك ساكنا عند التنفيذ، أو نتحرك قليلا ثم سرعان ما يدب اليأس، ونركن اليه فى إنتظار مبادرة جديدة، لنعيد الكرّة من جديد.
إن ما بذل من جهد معارض لوضع تصور لحل مشاكلنا لهو جهد مقدر بكل المقاييس، و لكن يقف التفكير عند هذا الحد عندما نأتى للتفعيل، و يتحول الجهد لمجرد جهد أكاديمى يزين الأرفف و الأضابير، إن نداء السودان الذي وْقع في الأيام الماضية لهو خطوة في الإتجاه السليم فعلينا أن نبني عليه و نملكه الجماهير بكل الطرق الممكنة.
فلابد من تحديد أين نقف الآن و أين نتجه بدقة، فلا نكون كمن يريد السفر و لا يدري إلى أين، إن الحل لا يختبئ بعيدا أو فى جخانين الدول التى تدعم قضيتنا، إنه ثلاثة أرطال نحمله فى أعناقنا يسمى المخ/العقل، إنه منجم الذهب الذى نبحث عنه فى أمريكا و أوروبا، صحيح قد نحصل على دعم ما من هذه الدول، و لكن الدعم الحقيقي يكمن في جودة ومستوى تفكيرنا.
إن السفر للعقل لا يكلفنا تذاكر سفر و لا فنادق و لا جوازات، فقط عقل مفتوح و قلب مفتوح، الرغبة الأكيدة في تغيير أنفسنا كجسد معارض لأننا نملك السيطرة عليها ثم بناء استراتيجيات وخطط مفتوحة وخارج الصندوق. هذه الصيرورة كفيلة بإقناع الآخرين بتغيير انفسهم تباعا وبأنفسهم كذلك لا بأيدينا، كما يجب توخي الأمانة، الإستقامة، الإبتعاد عن السلبية والسلبيين، العمل الدؤوب لرفع الإحساس بقيمتنا كأفراد، التدريب و التطوير المستمر على القيادة و التنمية البشرية، الإبتعاد عن الكراهية المرارة مهما فعل شذاذ الآفاق حتى لا يتغلب على تفكيرنا الإنتفام والمرارة. لكن يجب ان لا نفهم اطلاقاً بأنني اقصد العفو عما سلف.
يقول مارتن لوثر كنج "لا تستسلم أبدا لإغراءات المرارة" ويقول نيكسون فى خطابه للجمهور فى فضيحة ووترقيت "إن من يكرهونك لن ينتصرون، حتى تبادلهم الكراهية، و بذلك تحطم نفسك". للسير للأمام، لا بد من ردم الهوة أولا، ردم المفارقة بين أين نقف و الهدف المرتجى، لا بد من الكف عن التفكير فى المشاكل وحدها دون التركيز في الحلول، إن العقل يسير في الإتجاه الذي يستحوذ تفكيرنا، فإذا كنا نركز دوما في ما تصنعه الطغمة من فساد و قتل وخلافه دون تفكيك ذلك وربطه بالحلول والبدائل سنظل نركض وراء هذا النوع من الأخبار، فلننظر للكتابات اليومية لمعرفة ما يستحوذ جل تفكيرنا، هذا قطعا لا يعني عدم الفضح و التوثيق و لكن يجب أن لا يكون ذلك شغلنا الشاغل.
هناك أيضا ضرورة للكف عن القلق الزائد من التفكير في المستقبل بما نملك آنيا من أفكار فكثيرا ما نسمع الحديث عن البديل، فالبديل الحقيقي سيتولد من السير في الطريق الصحيح، فالتركيز في الحاضر سيقود إذا أحسنا التفكير، إلى المستقبل.
إعمال العقل و التفكير و النقد العميق يساعد على تحقيق الهدف و ديمومته، دعنا نروض عقولنا بالقدر المستحق.
هناك إتجاه لإلقاء اللوم على الجماهير، هل صحيح أن الناس جبنت و لا تريد أن تخرج؟
كم سحابة مرت على الناس و لم تمطر؟.. الحماس مع أهميته و ضرورته، إلا أنه يفتر لوحده، فهناك في تقديري فجوة كبيرة في مستوى الفكر، و هذه الفجوة بدورها خلقت فجوة في القيادة، فلا يمكن لأحد يظن أنه قائد أن يبني سمعة طيبة و يكون مكان ثقة للناس بما سيفعل في المستقبل، الناس تريد أن ترى من يشمر عن سواعده و يدخل معهم في أرض المعركة و الجخانين، يريدون أن يرون دخان المعركة في من يطرح نفسه كقائد، فالقائد يلهم الغير، لا يتعلق بالأفكار لمجرد موضوعيتها، ينزلها لأرض الواقع و المحك هو المقياس الحقيقي لما يظنون إنها أفكار، فإذا أثبتت جدواها تشكل رؤى و إلا ستشيخ في أضابير المؤتمرات كأفكار أو خواطر.
من يقود لا بد أن تتوفر فيه بعض صفات القيادة، كالإستقامة، الأمانة، المثابرة و الشخصية، الشفافية ....
سأعود لاحقا لموضوع القيادة، في مساهمة أخرى.
إن الجماهير تبحث عن من يلهمها و يقودها متقدما الصفوف، لا أن يأمرها بالخروج و يكون هو على الأرائك متكئاً ، لا أعتقد إن الجماهير ستلقي بنفسها في التهلكة من أجل غد لا تراه آت بل متجسداً في السلوك القيادي، إن من يروج لجبن الجماهير عليه الذهاب و تقدم الصفوف بدلا من الخوض في وحل الجهل.
يقول المثل الياباني " العدو هو الشخص الذي ستراه إذا وقفت أمام مرآه" فليقف كل منا أمام مرآة، وليسأل كل منا نفسه، ماذا فعلت لتغيير الواقع المرير في السودان، هل أسهمت بأي قدر في ما آل إليه الحال في السودان، سلبا أم إيجابا، هل هناك إلتزام كمثفف تجاه القضايا بشكل دؤوب أم كان إسهامنا بالصمت و اللامبالاة ؟ بالإجابة الأمينة سندرك من هو المسؤل الأول في ما آل إليه الحال.
في وجود شمعة تضئ، لن يكون الشيطان فعالا(في مقطع من أغنية المبدع إمانويل من جنوب السودان)، فلنوقف الضجيج السلبي ولنعمل شئ ما يميزنا كبشر. يقول آرسيبالد " الشئ الوحيد الذي يميز الإنسان كإنسان هو العقل، كل الأشياء الأخرى يمكن أن تجدها في حصان أو خنزير" – آرشيبالد مادياش
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 667

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1164718 [الدنقلاوي]
0.00/5 (0 صوت)

12-07-2014 04:01 PM
هذه كتابة مبدعة وتفكير من أجل تغيير التفكير ... ونظرة جديدة مهمة للحالة والإنسان السوداني .. رغم إني أرى أن الكاتب متقائل حينما يظن أن بعض النخب "المعارضة" تساهم في استمرار الأزمة فقط بتفكيرها "الأزموي" لكن بصراحة الكثير من النخب الموالية والمعارضة تستفيد من هذا الوضع وتبحث عن التغيير الذي يضع قدمها أو عجيزتها على كرسي السلطة ولو مشاركة - لا أكثر ولا أقل - لا عن التغيير الذي يخلق وعي جديد يسمح لكل المواطنين بالمشاركة في السلطة ليس بالضرورة عبر ممارستها بل عبر مراقبة ومحاسبة من يمارس السلطة ويحوزها... إن نخبنا السياسية جرح مغتوح أهدر دم الوطن منذ الإستقلال وما قبله وما الكيزان إلا حالة التعفن التي ألمت بالجرح فأصبح دملاً أو غرغرينا ناخرة سممت كل الجسد

[الدنقلاوي]

اسماعيل حسن آدم
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة