المقالات
منوعات
من ماسي الغربة - الوداع الأخير
من ماسي الغربة - الوداع الأخير
12-08-2014 08:48 PM

من ماسي الغربة - الوداع الأخير
محمد عبدالله الحسين/الدوحة


فجأة أرفع رأسي لأجده امامي و هو يبتسم وتخرج الكلمات من لسانه في عجمة محببة:أي شيء تبغي أنا هادر( أي شيء تبغيه فأنا حاضر). هكذا دائماً بنظرة كلها حنان و مودة يقف بيننا لكي يستجيب لطلباتنا. لحظات. ثم سرعان ما ينسحب بجسمه المترهل في تؤدة و هو يتلفت يمنة و يسرة ليتلتقط كاسات الشاي و القهوة التي كنا قد تجرعناه نحن الموظفين في ذلك المكتب الحكومي القابع في تلك العاصة الخليجية.
كان طارق نادلاً أو عامل بوفيه- لمزيد من التوصيف. في حوالي الأربعين اسيوي – باكستاني الجنسية، بشكل أكثر تحديداً ( و جعلناكم شعوبا و قبائل لتعارفوا)ً ).ها قد تعارفنا و عرف بعضنا بعض بغض النظر عن اختلاف سحناتنا التي نحملها في وجوههنا و برغم جنسياتنا التي نحملها في وثائقنا.و لكن( طارق) جعل من مجموعتنا المختلفة إثنياً (خليجييين و أردنيين و سودانيين، و يمنيين و..) مجموعة مختلفة الأصول و الإتجاهات و لكنها إتحدت في حبه و انجذبت إلى فلكه. *من أنت يا طاهر لتجذب كل هذه القلوب الشتيتة؟*. هل اتيت من اواسط سهول اسيا لتختبر إنسانيتنا؟ لتجرّب فينا كيمياء الحب؟ كنت استغرب لتلك الأقدار كيف تأتي بنا من مختلف أصقاع الأرض لنتفق على حب إنسان بسيط لا يفهم كلامنا إذا ما أطلقنا للساننا العنان في حديث عربي مبين. و لكننا لم يسمح اللغة بأن تكون عائقاً أمام تواصلنا. فكنا نتغلب على حاجز اللغة بإصطناع تعابير و إنجاز تراكيب تؤدي المعني و تحقق التواصل بيننا و نحن نضحك في حبور لهذا الإنجاز اللغوي الرائع . . ثم نتمحور حوله فتحسبنا جميعاً و نحن شتى إلا فيما يتعلّق بحب طارق.
أول مرة اكتشف منابع الطفولة في دواخله كان ذات صباح شتائي حزين يكاد يقطر دموعاً. رأيته يقف في ركن الكافتريا- ملاذه الدائم. و هو ينتحب بصوت مكتوم، و الدمع السخين يسيل مدرارا سيل امطاراً مدارية. كان الدمع ينزلق على جانبي خديه الطفوليين بسمرتهما المحببة. تفاجأت أنا لذلك المنظر.سألته في حنو حقيقي ماذا حدث يا الطاهر؟ يبدو أن سؤالي قد زاد جرحه اتساعاً، فازداد صوته تهدجاً، حتى تحسبه سيشرق من فيض دموع الحرّى. طفقت أمسح دموعه بما أتيح لي من مناديل ورقية. بعد هنيهنة حسبتها دهراً أجابني بصوت متقطع: ماما مال أنا موت( أي والدتي توفيت) آه ! يا للأسى! إذن لقد أصابك يا صديقي سهم من سهام الغربة المسمومة. أصابك في مقتل. و في من؟ في أعز الناس. إنني جد آسف يا الطاهر. و نظل طيلة الضحى نجفف الدموع و نخفف الأحزان و نخفف وقع الصدمة الكبرى بما استطعنا من كلمات المواساة . و ماذا نفعل أكثر من ذلك؟

كنا أحيانا دون سابق نذار نتفاجأ برؤية وجهه الطفولي السمات و هو يضحك أو يدندن في مرح و يتمايل يمنة و يسرة بلحن آسيوي الملامح بطعم السهول الخضراء التي تركها وراءها.و كان كثيرا ما يكون منتشياً لسبب لا نعرفه. و لكننا نخمّن من خلال حجم الشجن الذي كان ينضح من دواخله في تلك اللحظات. فنعرف بعد حين أنه كان انجز اتصالا هاتفيا صباحيا مع زوجته الحبيبة، أو مع أطفاله الصغار. فأولد ذلك التواصل الأسري الدافيء في نفسه البشر و التألق بقية ذلك اليوم، و ربما الأيام التالية.
أحيانا نجده جالسا ساهماً و هو مطاطيء الرأس للأرض في حزن و عيونه محمرة من أثر البكاء. كان عندما يجهل عليه جاهل، أو يستثيره تصرف مستفز( من بعضنا) سرعان ما يطلق لدموعه العنان( ملجأه الأول) مسترسلة في تلقائية طفولية . فنجري إليه مخففين،و ماسحين للدموع، أو مهدئين للخواطر. ثم بعدها بساعة كان يدخل المكتب حاملا الشاي أو القهوة و ابتسامة في صفاء الحليب تكلل وجهه المستدير .
كان حينما يسافر في إجازته السنوية نظل نحسب الأيام في انتظار عودة طارق و كأننا كنا نعرفه منذ دهور أو كأن قد عمّد طفولتنا بحبه منذ مولدنا. كان يغيب ثم يجيء بوجهه المتهلل الباسم ليشع في دواخلنا إحساس صادق بالحب و الشوق يسمو على الحدود و الفواصل الإثنية. كان يقفز فوقه بعفويته و تلقائيته و أحاسيسه الإنسانية الدفاقة فوق حدود التراتبية الوظيفية (و هو في أدنى السلم الوظيفي) مما جعلنا (و نحن موظفين كبار) لا نلقي بالاً لتلك التصنيفات المهنية.
في الشتاء الماضي سافر ( طارق) إلى أسرته في كراتشي. كراتشي التي لم نراها من قبل و لكن عرفن مطارها و شوارعها و أسواقها من خلال(طارق) و نحن نتابع رحلته حينما يغيب عنا مسافراً لأسرته. فقد عبر بنا الطاهر الحدودالجغرافية لنصل معه لمطار بلده حينما يصل و نتجول معه في احياء مدينته حينما يتجول. و نظل بعدها في شوق نحسب الأيام عن تاريخ عودته.
في الصيف الماضي تفرقنا حيث سافر كل منا لوطنه .و بعد عودتنا سمعنا بأن( طارق) قد أصيب بداء الكلى. تلقفنا الخبر في شفقة و تساؤل جزع عن حجم مرضه الإصابة و خطورة الحالة و مآلتها. و لكن بعد أسبوع كان بيننا من جديد. لا شيء تغيّر فيه سوى نحولاً في الجسم و تثاقل قليلاً في الخطا. نفس الإبتسامة الوضيئة، نفس النظرة الحانية. و لكن خلف نظراته الوديعة كانت يلوح شيء من القلق الدفين الذي كان ينتقل إلينا مثيراً فينا التساؤل الحائر. و حينما يصل تفكيرنا لأشد الإحتمالات قتامة كنا نتوقف عن الاسترسال خوفا و رهبة من المجهول .كنا نتمتم سراً بالدعاء له و نسأل الله له الشفاء و أن يعود كما كان.
قضى طارق بيننا شهراً و هو بين رجاءات و طلبات و انتظار. رجاءات للحصول على العلاج و طلبات للدعم المالي و انتظار للاستجابات. و انقضى الشهر سريعاً. ثم رجع إلى موطنه لزرع كلية. و ظللنا نتابع متابعة اللهيف أخباره المتقطعة و حالما يصل إلينا صوته عبر الأثير نطمئن إلا قليلا. ثم سافرت أنا إلى الوطن و عدت الشهر الماضي . كان أول ما سألت عن أخباره. فطمنوني بأنه في انتظار الزراعة. و قبل أسبوع حاولت الإتصال عليه فطلبت رقمه. فأعطوني له و لكن و يا للأسف ناقصا فلم يتم الإتصال. حاولت و حاولت و لكن لم اصل إلى حل.
و قبل أربعة أيام جاءنا من يبلّلغنا ما كنا نخشاه. مات طارق!
له الرحمة و إنا لله و إنا إليه راجعون.
محمد عبدالله الحسين/الدوحة
[email protected]


تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 2495

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1167045 [محمد عبدالله الحسين]
0.00/5 (0 صوت)

12-10-2014 04:13 PM
الإخوة الذين شاركو بالتعليق لكم الحب و المودة.
و القصد من الكتابة هو ها الالتقاء الإنساني البديع.

[محمد عبدالله الحسين]

#1167004 [محمد عبدالله الحسين]
0.00/5 (0 صوت)

12-10-2014 03:38 PM
إن الكتابة هي محاولة لإثبات إنسانيتنا محاولة لتلمس التواصل مع الآخرين رغبة في التشارك الوجداني و الشعوري و العاطفي.
إن ما كتبته عن المرحوم الطاهر علمني أكثر من درس .
فتفاعلي مع زميلنا المتوفى لمسته ليس في نفسي بإعتباري سوداني لكوني أتفوق على الجنسيات الأخرى في تعاطفي بل بالعكس لمست هذا التعاطف في كل الجنسيات الموجودة معي ( حتى من نظن بأنهم باردي الإحساس و أنانيون). لذلك أحسست بعالمية المشاعر الإنسانية و احاسيس التعاطف و التآزر مع الآخرين . لذا كتبت هذا الموضوع.هذا هو الدرس الأول.
كذلك عرفت كيف تخطى زميلنا المتوفى بنقائه و صدقه الحدود القائمة بين الجنسيات و الإثنيات. هذا هو الدرس الثاني.
كذلك تعلمت أن صفاء القلوب و الصدق في المعاملات و الإبتسامة الصادقة هي أقرب السبل للقلوب. هذا هو الدرس الثالث

[محمد عبدالله الحسين]

#1166972 [نور سلطان نزار]
0.00/5 (0 صوت)

12-10-2014 03:07 PM
رحم الله طارق ....الانسانيية لا بلد لها ولا جنس لها ما اروع تلك الاشياء التي يشعر بها الانسان ولا يستطيع المال شرائها ,ان للعطاء لذة لو ادركها الشحيح لتخلي عن كل ما يملك في سبيلها .بارك الله فيك وفي ذريتك اخي كاتب المقال .

[نور سلطان نزار]

#1166199 [ساهر]
0.00/5 (0 صوت)

12-09-2014 02:37 PM
فتى من أحباب الله اصطفاه الله إلى جواره. فقد كتب هنا في الراكوبة في وقت سابق أحد أساتذة اللغة الفرنسية - مهاجر خارج السودان الآن- عن عامل البوفيه السوداني البسيط بقسم اللغة الفرنسية بجامعة الخرطوم والذي تعين منذ إنشاء القسم وعايش كل العمداء ، كان محبوباً من الكل وكان يعمل بجد واجتهاد وهو غير متزوج، وكان الدكاترة دائماً ما يحثونه على الزواج ويعدونه بمد يد العون... أخيراً وصل خبر وفاته لذلك الدكتور..... فسطر أحرفاً بكائية في نعيه وحبه أبكتني أنا وأبكت غيري........

الحكمة وفلسفة الحياة دائماً ما نجدها في البسطاء من الناس، وهم بحق أحباب الله،

[ساهر]

#1166181 [محسوكي..]
0.00/5 (0 صوت)

12-09-2014 02:07 PM
رحمه الله وموتانا وجميع موتى المسلمين .. وهكذا الأرواح عندما تتشابه وتتآلف..

[محسوكي..]

#1166083 [كمال حامد]
1.00/5 (1 صوت)

12-09-2014 06:16 AM
مقال جميل يا أخ محمد عبدالله الحسين/الدوحة
جعله الله في ميزان حسناتك إن شاء الله
حقا إن تجمع الأجناس في دول الخليج أتاح لهم جميعا فرصة التعارف بصفتهم أولاد آدم وحواء

[كمال حامد]

ردود على كمال حامد
Qatar [محمد عبدالله الحسين] 12-09-2014 01:07 PM
الإخوة و الأخوات: كمال حامد- فطومة- محمدمجيد- مندهش- قاضي اشبيلية. لكم جميعا الشكر و التقدير على تفضلكم بقراءة المقال و التعليق ومنكم و الإشادة فهذا هو القصد من الكتابة و هو التشارك الإنساني .و بطبيعة الحال الإختلاف وارد.
ملحوظة: الاسم هو الطاهر و ليس طارق فآسف للخطأ الذي جاء بسبب الاستعجال لأني كتبت الموضوع دون المراجعة اللازمة بسبب العجلة و الظروف التي كتبته فيها.
أكرر شكري و تقديري لكم لكم


#1165977 [fatmon]
1.00/5 (1 صوت)

12-09-2014 01:05 AM
الوداع الأخير هو وداعنا نحن من بلادنا عندما رحلنا عنها على أمل العودة ، ولكن اللاعوده من سفر نحسبه قصيرا ولكنه أمتد وبلا تحديد لعوده ، هو الوداع الأخير وهو الماساة الحقيقه عندما تفارقنا أرواحنا ونحن بعيدا عن بلادنا واهلنا وأحبائنا هنيئا لطارق أنتقلت روحه لبارئها بين أهله وأحبائه "إنا لله وإنا إليه راجعون"

[fatmon]

#1165896 [mahmoudjadeed]
1.00/5 (1 صوت)

12-08-2014 10:58 PM
كان احدهم يعمل معنا وكان حينما يرد على التلفون الثابت يسأل المتصل ( مين معاك ) يقصد مين معاي فيرد عليه انا فلان وأريد فلان فيقول صاحبنا ( خليك معاك ) يعني خليك ع الخط ريثما احولك للشخص المطلوب .

[mahmoudjadeed]

#1165829 [مندهش أشد الاندهاش]
3.00/5 (2 صوت)

12-08-2014 09:01 PM
صديق مال إنت اسمو طارق أم طاهر ..

[مندهش أشد الاندهاش]

ردود على مندهش أشد الاندهاش
Saudi Arabia [قاضي إشبيلية] 12-08-2014 11:40 PM
يا مندهش .. بدلاً من أن تعزي الرجل الذي يكتب بكل هذا الحب و الصفاء و الإنسانية و بهذا الأسلوب الآخاذ ، يفرح كلما رأى طارق/طاهر مسروراً و يصيبه القلق و الألم لحزن طارق/طاهر .. تكتب أنت مثل هذه المداخلة السخيفة الخالية من الذوق و الإحساس؟؟

أعظم الله أجرك يا أستاذ محمد عبد الله الحسين في هذا الفقد الجلل.. لقد عبرت عن إنسانيتك و أصالة معدنك و نبل أخلاقك في هذا المقال المفعم بكل خصال كرام الناس..

** يا أخ مندهش ؛ ربما اسم الرجل طارق طاهر أو طاهر طارق أو أو طارق أو طاهر أو قد يكون خطأً طباعياً، كل هذا لا يهم .. كنت أتمنى أن يكون تعليقك غير هذا الذي كتبت.


محمد عبدالله الحسين
محمد عبدالله الحسين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة