الخذلان المبين
02-23-2011 08:44 PM

الخذلان المبين
بقلم :
د. عمر بادي
عمود : محور اللقيا


من الشائع في المجتمعات التي تجمع أخلاطا من الدول العربية , أن تسمع كثيرا من النكات التي تروى من أجل المزاح عما إختصت كل مجموعة به . هذه الظاهرة موجودة بكثرة في منطقة الخليج , و هي تقريبا مشابهة للنكات التي تروى عن أفراد القبائل في القطر الواحد كما عندنا . يهمني هنا السودانيين في الوسط العربي , فهم معروفون بالكسل , رغم أنني لا أؤيد ذلك و لا أنفيه و أراه يختلف من شخص لآخر حسب معطيات عدة و بذلك لا يحق أن يكون صفة جمعية , و لكن البعض يروننا هكذا ! من النكات التي أضحكتني رغم ما بها من مبالغة , نكتة تقول أن أحد السودانيين و معه شخص من جنسية أخرى كانا في غرفة و أرادا تغيير لمبة الغرفة التي إحترقت فأعطى الشخص الآخر السوداني لمبة جديدة و رفعه على كتفيه حتى يربط اللمبة و ظل السوداني ممسكا باللمبة تحت علبتها دون حراك فسأله صاحبه لماذا لا يربطها ؟ و أجابه السوداني بأنه ينتظره ليدور به حتى تتربط اللمبة ! هذه الأيام و مع إعصار الإنتفاضات المتواصلة ظهرت نكتة عن كسل السودانيين مسايرة للأحداث . تقول النكتة أن الرئيس البشير أعلن أنه سوف يقوم بعمل إصلاحات من أجل الحريات و الديموقراطية و محاربة الغلاء , و هنا قال الشعب السوداني: ( ما دام هذا حيحصل خلاص مافي داعي نتعب نفسنا و نخرج في المظاهرات و الإعتصامات )!
عندما سمعت هذه النكتة الموجعة , ذكرت للذين حولي أنهم لا يعرفون الشعب السوداني على حقيقته , فهو رائد و معلم الثورات الشعبية منذ ثورة أكتوبر 1964 و إنتفاضة أبريل 1985 و أنه في نهار 30 يناير الماضي قد خرج شبابه في مظاهرات في العاصمة المثلثة و لكن تصدت لها أجهزة الأمن بكل عنف و إعتقلت الكثيرين , و عندما حاولوا تكرار التظاهرات في يوم 3 فبراير إستبقتهم أجهزة الأمن و قامت بإعتقال كل الداعين و المنظمين لها ! الشيء المؤسف أنه كان هنالك تعتيم إعلامي داخلي و خارجي لتلك التظاهرات , و هذا أمر سأذكر أسبابه .
لقد مثلت أحزاب المعارضة المعروفة بقوى الإجماع الوطني خذلانا مبينا للشباب في تظاهراتهم , خاصة السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي , فقد رفعوا شعار إسقاط النظام في حالة عدم تجاوبه مع مطالبهم , و لم يوافق حزب المؤتمر الوطني على مطالبهم فتركوها ووافقوا على الحوار ! و إنتهت تهديدات 26 يناير و تهديدات النزول إلى الشوارع , و تكونت اللجان التي ستذوب رويدا رويدا كما ذابت سابقاتها , اليس ذلك بتجريب المجرب ؟ يعلل السيد الصادق المهدي تحوله من الخروج لإسقاط النظام إلى قبوله بمبدأ الحوار أنه يخاف على السودان أن يتصومل ! هذا الخوف الذي ظللنا نسمعه من قادة المعارضة فيمتطونه للتقرب من النظام و لا يزيدهم النظام إلا نفورا و لا يزيد السودان إلا تفتتا ! سوف يقود الحوار إلى تبادل الآراء ولكن أي رأي سوف يتبعون في المحصلة النهائية ؟ قطعا سوف يكون رأي المؤتمر الوطني و هو الذي إشترط مسبقا أن يكون برنامجه الإنتخابي هو المتبع , و الحكومة ذات القاعدة العريضة سوف يكون حالها كسابقتها في وجود الحركة الشعبية , ستكون وزارات أحزاب المعارضة فيها محاصرة من إتجاهات وزراء الدولة و الوكلاء و سيكون رأي الغالبية هو الغالب , و كذا الأمر في لجان تعديل الدستور و الذي سيتم حذف مواد إتفاقية نيفاشا منه بحكم إنفصال الجنوب , فإذا تم حذف المواد التي تدعو إلى بسط الحريات و إلى التحول الديموقراطي و إلى تحويل جهاز الأمن و المخابرات إلى جهاز لجمع المعلومات الأمنية و إلى إلغاء القوانين المقيدة للحريات كقانون النظام العام , فكيف تكون صيغة الدستور الجديد ؟ و هل سيكون عدد الفترات الرئاسية مضمنة فيه أم تكون على حسب رغبة الرئيس و أتباعه ؟ و هل تفعّل المادة التي توجب المرشح للإنتخابات أن يستقيل من منصبه و أن لا يعيد نفسه بنفسه فيه ؟ و هل سيطرح الدستور الجديد للإستفتاء أم للإجازة من المجلس الوطني ؟ و أنه مع وجود حزب المؤتمر الوطني مهيمنا على كل مفاصل الدولة , كيف يتم التحول الديموقراطي النزيه و الشفاف ؟ ألا يعيدنا ذلك إلى مجريات أحداث العام الماضي ؟
الشعب السوداني هو رائد و معلم الثورات الشعبية في أفريقيا و العالم العربي , ماذا حل به ؟ لقد كان سباقا في شعاراته التي إختطها في ثوراته و أصبحت نبراسا يقتدي به الآخرون , و أنتم في هذه الأيام تطرق مسامعكم مفردات كانت لنا في ثوراتنا , من ذلك مفردات : إسقاط النظام , المتاريس , الإعتصام , الجهاد المدني , إنحياز الجيش للشعب , التطهير , الحكومة الإنتقالية , حكومة التكنوقراط , حكومة الوحدة الوطنية و هلمجرا .. الذي حل بنا أنه هنالك إتجاه قوي لترك الأمور كما هي , إلى متى ؟ إلى أن يتم الإنتهاء من القضايا العالقة و يتم إعلان دولة السودان الجنوبي في 9 يوليو القادم , لأن أي تغيير في السلطة الحالية ربما يؤدي إلى زعزعة العملية السلمية لإنفصال الجنوب . و بعد ذلك لكل حدث حديث ..
إن كرة الثلج التي بدأت تدحرجها من قمة الإستبداد و التسلط و الفساد قد تضخم حجمها و هي تتواصل في تدحرجها و تمحو الأنظمة الديكتاتورية المتشابهة التي بدأت تتساقط واحدة تلو أخرى .


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1084

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د. عمر بادي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة