المقالات
السياسة
المكتبة السودانية :هكذا تكلم مولانا ابيل الير ...(8-8)
المكتبة السودانية :هكذا تكلم مولانا ابيل الير ...(8-8)
12-09-2014 02:06 PM

image

شهد الربع الاخير من عام 1988 والجزء الاول من عام 1989 م انفتاحا عظيما في الاراء السودانية الشمالية نحو حل سلمي للمسائل التي احدتث حربا اهلية مخربة معقدة , واقتصاداً مفلسا وهل التحول في الراي الذي يعتبر تحولاً جذرياً , ويتناقض بحده مع الموقف الماضي الذي تميز بالتشدد العسكري المؤكد على نطاق واسع . وقد خلع الجيش السوداني تاييده التام لحل نقاط النزاع سلميا . وجاء هذا التاييد أيضا من نقابات العمال , والمنظمات المهنية , والفنية , ومن الاكاديميين , ومن خليط من التنظيمات السياسية , ووسائل الاعلام , والافراد من ذوي الرأي . وقد عزت نقابات العمال في ديسمبر من عام 1988م زيادات اسعار السلع , وهبوط مستوى المعيشة الى الحرب , وبالتالي نادت بإنهائها عن طريق تسوية سياسية .
وسار جيش السودان في فبراير 1989م خطوات كبيرة الى الامام في اتجاه السلام , فاستقال وزير الدفاع , الفريق عبد الماجد حامد خليل , معددا اسبابه بانها عجز الحكومة في توفير المعدات الاساية , التي تمكن الجيش من مواصلة الحرب بفعالية , وعدم رغبتها في اتخاذ سياسة تسوية سلمية للمسائل التي اثارت الحرب . وعددت المواقف الحرجة التي يواجهها الجيش , المذكرة المؤلفة من احدى وعشرين نقطة , التي اعدها وقدمها للحكومة قادته في مستهل عام 1989م . وقد ناشدت تلك المذكرة , التي منحت الحكومة مهلة سبعة أيام للتحرك , راس الدولة , فيما ناشدته به , بإن يوفر الموارد اللازمة لمواصلة الحرب , وطالبته ضمنيا , وفي ذكاء , بان يتجه نحو تسوية سياسية على نسق مبادرة السلام السودانية , المبرمة في نوفمبر 1988م . وذهبت الى ابعد من ذلك , وافصحت عن هواجس أخرى ذات الصلة بالمشكلة , منها تنامي وازعاج المليشيات التي تؤيدها الحكومة , دون ان تمارس سيطرة عليها , مما القى بعبء إضافي على الجيش وجهوده في صيانة الامن الوطني ومنها الافلاس الاقتصادي , الذي يواجه القطر ,والذي اصبح سببا لنشاطات مستنكرة في المجتمع ,منها القلق المنبعث من سياسيات الحكومة الخارجية والداخلية , التي زادت من عزلة القطر , زحرمته من الموارد التي تشتد حاجته لها , ومن التأييد السياسي ومن المصداقية .
وتشاء الصدف أن يتطابق النداء بالسلام مع الاتجاهات الدولية والاقليمية المتنامية التي برزت في اعقاب الثمانينات الداعية لتسوية الخلافات سليما .
ولكن كانت هناك أيضا اتجاهات اخرى , تناهض وتعطل وتعوق هذا النشاط , إذ كانت هناك عناصر متشددة في حياة السودان السياسية , ترفض البحث عن تسوية , وترى فيه ضعفا برمز الى الخضوع للاعداء . وبدلا عن الاستسلام , شجعت هذه العناصر المتشددة الحل العسكري وجاهدت في سبيل إحراز النصر على الحركة الشعبية لتحرير السودان ,وجناحها العسكري , وليتم لها بلوغ تسوية في نطاق ماحددته وحدها . ونادت بعض العناصر من حزب الامة , والحزب الاتحادي الديمقراطي , تقودها الجبهة الاسلامية القومية , بقيام مجتمع إسلامي عربي , لايعترف بالتعدد الجنسي , والثقافي في البلاد , ولكن هذه العناصر عاقتها على الاقل ثلاث مشاكل عاتية لم تمكنها من الصمود طويلاً , وكان في داخلها تنافس عنيف نحو السطة , يتحدى أصول اللعبة المشروعة , وهذا يفسر لنا لماذا رفضت الجبهة الاسلامية القومية , والاتحاديون , بيان كوكادام , الذي ابرمة وباركه حزب الامة , ولماذا رفض حزب الامة و الجبهة الاسلامية , مبادرة السلام السودانية , التي توصل اليها الحزب الاتحادي الديمقراطي , ولماذا لم يؤيد حزب الامة والاتحاديون ميثاق السودان , رغم انهما باركا كثيرا من اللغة التي صيغ بها ومعظم التزاماته الايديولوجية الاساسية . والنتيجة التي يمكن استخلاصها من هذا الاسراف في التنافس الحزبي بلغ درجة ادت الى شل الامة واضاع خلال ذلك ما كان يمكن نظاماً سياسيا , تعدديا , من فرص التطبيق السليم .
والعقبة الثانية هي موقف بعض القيادات السياسية من الجيش السوداني , فهي إذ تشجع مواصلة الحرب تنظر الى هذا الجيش نظرتها لخصم يلزم تحطيمه باساليب خفية مختلفة , منها حرمانه من العتاد والمعدات اللازمة لخوض الحرب , منها إبقاؤه في مواجهة لا نهاية لها مع الخصم الاخر وهو الجيش الشعبي لتحرير السودان , ليستفز كل منهما الاخر الى درجة الانهاك القاتل.
وادت هذه السياسية الرامية الى مواصلة (( حرب بلا نصر )) الى تلاشي الفرص في البحث عن تسوية لنقاط النزاع , والتي يمكن عن طريقها ونتيجة لها تحقيق السلام .
والعقبة الثالثة هي ان ميادين الحروب الاهلية في الماضي كانت قاصرة على جنوب السودان مما جعلها محتملة لدى الرأي العام الشمالي , الذي يعتمد عليه سماسرة السلطة التقليدية بالخرطوم وبعد ميدان الحرب , وهو منطقة لم تزد أبدا لدى ساسة الخرطوم عن قطعة في رقعة شطرنج حصن أنصار السياسيات العسكرية ضد التحديات الداخلية , ودفعهم لمواصلة الحرب , ولكن انعكاسات الحرب الاهلية على الاقتصاد القومي الان اصبحت واضحة للعيان منذ عام 1986م واصبح المواطنون , وخاصة في المناطق الحضرية بالسودان الشمالي , اكثر ادراكا لانعكاسات الحرب عما كانوا عليه في عام 1983م , كما هم ايضا أكثر معرفة بنوعية القادة السياسين الوطنيين , ومواقفهم الايديولوجية المختلفة .
يضاف الى هذا ان الحرب امتدت عمليا الى قرب مقر السلطة حيث كان شرق السودان وجنوب كردفان , وبعض اجزاء درافور , العاصمة القومية قد اكتظت في عام 1989م بمليون شخص , ممن شردتهم الحرب , فانهك ذلك الخدمات العامة , التي تسهم في ملاذ الحياة للسكان الاصليين .
وكما كانت هذه النقاط الثلاث تفسر اسباب استمرار الحرب حتى عام 1989م فانها تشير الى اسباب التغييرات الممكنة , التي قد تفتح احتمالات جديدة لتسوية سياسية , ولتحقيق السلام .
ماذا عن الجيش الشعبي لتحرير السودان ؟ على الرغم من ان قيادته لم ترفض منذ عام 1986م أي حوار قد يؤدي الى تسوية فأن التجارب الماضية , الحافلة بخرق الاتفاقيات والعهود , تضعها في قمة الحذر والريبة تجاه مصير أيه اتفاقية في المستقبل . إن تردد الحركة الشعبية وحذرها من الاسراع نحو المحادثات , قبل أن تمتحن نوايا الطرف الاخر , عن طريق مثل هذه الاتفاقيات الاولية , كاعلان كوكادام , ومبادرة السلام السودانية , هي في حد ذاتها دليل على هذه الريب , وكما لاحظنا من قبل , فقد كانت هناك صعوبات من جانب الحكومة المركزية في تنفيذ البيان , والمبادرة مما زاد من اقتناع الحركة الشعبية بان الخرطوم لن تحترم ايه اتفاقيات في المستقبل .
أن قرار الوضع الجديد في الخرطوم , بصرف النظر عن بيان كوكادام , ومبادرة السلام السودانية , يمكن اضافته الى قائمة العهود التي نقضت , وهو قمين بانزال مزيد من الضرر على التسوية اليت طال ابحث عنها مالم يقع تحول جذري نافع , ولايمكن ان يكون التكهن بان قرار الخرطوم العلني الخاص بالاعتراف بسيادة اثيوبيا ووحدتها التي يبحث الارتريون في اطارها عن تسوية له انعكاسه على بحث السودان نفسه عن السلام , عملية بلا فائدة .
ومن هذا الاستعراض العام للمسرح السوداني السياسي , يصبح من المعقول , فيما يبدو ان نلخص الى ان القيادة التقليدية , ذات القاعدة الطائفية في الخرطوم , تفتقر الى العزم لتحقيق تسوية عادلة , إذ هي في الثمانينات مازالت عديمة الرغبة في هذه المهمة مثلما كان حالها قبل عشرين عاماً رغم توفر مقترحات جيدة التوثيق توصي بحلول أساسية .
أن الدروس التي خلفتها حكومة الصادق المهدي المدنية في الثلاثين من يونيو تلوح بوضوح على الجدران التي تتخذ داخلها القرارات العامة بالخرطوم ولا شك في انه ليس هناك اي ضمان للبقاء في الحكم , مالم تتم مواجهة أسباب الحرب الاهلية وتتوفر لها الحلول .
إن عناصر النزاع الجوهري متشابكة , ولكنها مع ذلك لا يصعب العرف عليها , كما أوضحنا عبر هذا الكتاب , ولكن المسائل الاجرائية أمر اخر , حيث إنها قد تعوق إقبال الاطراف المعنية على المحادثات مالم تنل العناية التي تستحقها . وأحد هذه العناصر هو فقدان الثقة الذي عقده تعقيداً شديدا تاريخ طويل لخرق الاتفاقيات والنكوص بالعهود . ومدى فقدان الثقة هذا , يعيد الى الذاكرة أسطورة جويك كلما تحدث الناس عن المحادثات , ولقد ولد سوء الثقة مزيدا من الريب والشكوك وتطور الى سوء القصد .
ان أستعادة بعض الشئ من الثقة المتبادلة ومظهرها لهو المشكلة الرئيسية في مسيرة تناول المسائل الجوهرية بالتفاوض , وكلما فشلت الاطراف في الحصول على قدر كاف من الثقة المتبادلة الاساسية التي تحملها الى التفاوض اتسعت الهوة, وتصلبت المواقف وتضاءلت احتمالات التسوية حتى تكاد أن تختفي تماما . مالم تتخذ خطوات على وجه السرعة لبلوغ تسوية مقبولة للطرفين فإن البديل الذي لا مفر منه هو المزيد من التمزق الوطني , وعلى نطاق واسع .

adilamin2002@yahoo.com



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 859

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عادل الامين
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة