أبورسوة .. خارج الزريبة !
12-09-2014 08:27 PM



حبكة الرواية والقصة وربما رسم الصور بحروف الشعر كلها تحريك لخيال الكاتب إما من واقع ما يعتمل في لحظة الوجدان الحاضر أو هو من وحي المخزون القديم النائم و المترسب في حافة الذاكرة أوعمقها.
ولكن تصوير أحداث زريبتنا هذه ليست مثل كليلة ودمنة لإبن المقفع الذي سخّر كل مواهبه لتسجيل ما يدور في الغابة التي هي بمثابة دنيا قائمة بذاتها ولها قوانيها في البقاء من خلال صراع الفناء أو العكس !
وهي أيضاً ليست مثل شريط الطيور للفريد هتشكوك الذي أعمل فيه عصارة عبقريته المتفردة واقتحم عالم تلك المخلوقات الغريبة والجميلة في آن واحد على تفاوت أجسادها و تنوع الوانها و مساحات أجنحتها وحدة مناقيرها وسطوة مخالبها وسعة مخها على صغر روؤسها فتبتدع الأعشاش وتوفر فيها الدفء لصغارها رعاية وحماية وإعاشة !
ورغم كل تلك التداخلات فيما هو مختزن وماهو ثائرٌ طفحه في دائرة الذهن !
فإن زريبتنا لا تشبه شيئاً من ذلك كله ولئن كانت أحداثها قد تجد تفسيرا ما على بال من يطالعها فذلك يكون من قبيل فهمه لواقع معين يترأى له بل وعنده كامل الحق في حرية التصور و المقاربة أو حتى لو ذكرّته الأدوار المرسومة لأيٍ من سكان تلك الزريبة بشخوص ٍ معينة فهي قد تكون من قبيل المصادفات التي تتشابه فيها معالجة عقول البشر على طريقة تعاطي الحيوانات مع بعضها حرباً أو سلماً . لكن ما يغفر للحيوانات أن لها اسبابها المنطقية الفطرية في التناطح والتعارك والهيمنة التي ترتادها بقريحة الجاهزية الحذرة لكسب المعارك ولكنها ليست من نمط جاهزية التآمر على كل حال مثلما يفعل البشر بخبث!
والآن الى مشاهد الزريبة ..
فرغم هرمه لم يستسلم الثور الكبير لعوامل الزمن وإضمحلال الجسد وتساقط القرون .. فهو يخشى مغادرة الزريبة لآن هناك من يربض له خلف السور بغية عقره لجرم إرتكبه في أطراف الحقل !
الثعلب الذي خاف من تكرار لطمةٍ تلقاها لكبح طموحه في أن يكون ثوراً .. إقترب من كبير الزريبة هازاً ذيل النفاق وهو يقول له ولمّ المغامرة بالخروج الآن يا سيدي فأنت ستظل فينا الكبير دوما طالما أن الزريبة ليس فيها فيلٌ يفوق حجمك !

صفقت الأرانب ورقصت الخراف وبكى الذئب الذي قطع عليه الثعلب الطريق الى منصة الثورنة !
لكن تبقى مشكلتهم مع الطاؤوس المزعج المتقلب الريش والذي طار بعيداً ليجمع شعث اسراب الطيور المدجنة والصقور الجارحة .. أستهدافاً لعيني الثور وفقئهما بضربة واحدة !
القرد العجوز يقترب من الثور وهو يتراقص ويتضاحك .. ويعرض خدماته وقد وقف خلفه نائصاً يلّعب بذنبه القصير في خجل صديقه الكلب وهو الذي كان يعوي حتى الأمس القريب ويتوعد الثور باكل لحمه حياً!
ينظر الثور بريبةٍ الى تقارب القرد العجوز المتضاحك وتابعه ربيب السرة .. وهو يقول لا أثق فيكما .. فأنت بالذات حينما كنت شريكي في الشجرة المسروقة حاولت أن تعبث من تحت ذيلي !
يضحك القرد العجوز وهو يتلوي كما العلكة و يرسم بأطرافه الهرمة صوراً للتبرير .. قائلا لقد هههها قد قد هها ههههها فهمتي خطأ يا كبير زريبتنا الحبيبة كنت حينها كنت حينها.. لعلي .. فقط احاول أن أنظف لك القراد من تلك المنطقة الحساسة فلو تكاثر حولها لأدماها بل و سيتصفى دمك كله !
الان فقط أعطنا فرصة جديدة .. وسأصعد أنا هذه المرة على ظهرك لمراقبة القادمين من خارج السور من الطيور الداجنة التي يقودها الطاووس و حليفتها الصقور التي تهددك بمخالبها وبمناقيرها .. وسأجعل صديقي الكلب يقف حارساً خارج باب الزريبة بعد إحكام إغلاقه بالضبة ِوالجنازير .!
أما دورك أنت سيدي الثور الكبير هكذا هها هههاهههههها فهو أن تجعل الحلاليف التي تثق فيها وتختارها بدقة وتمحيص بأن تتربص من الداخل قريبا من الفتحات التي يمكن أن يتسرب منها الطاووس و جماعة الطيور و يعدون الأقفاص لحبسها فتكون جاهزة لإصطياها !
رقص الجميع في الزريبة خلف الثور معطوب المفاصل .. الخراف المهمشة و الأرانب المستأنسة والأغنام المرعوبة و حتى الذئب الطامح صفق من خلف دموعه وهو يرمق الثعلب الذي وطد لديمومة بقاء الثور بنظرة توعد حاقدة .. لكنها ضاعت وسط الصياح والهرج والمرج والكل يهتف .. تسقط الطيور تسقط تسقط من أعلى فضائها ولتبقى الزريبة بكل روثها وجدرانها الآيلة للسقوططططططططططططط .. ومن لا يعجبه بقائنا فيها أبداً ..!
فنقول له طوطو طوطوطوطوطوط طوطوطوطوطوطوط ..
والحقيقة هم لم يقولوها .. وإنما فعلوها من مواضعٍ هي دائماً تنشط لدى الحيوانات الخائفة عندما تسمع زئير الهزبر وهو يقترب منها ولو ببطء شديد.. !

[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1319

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1168256 [الدرمبال]
0.00/5 (0 صوت)

12-12-2014 06:15 PM
لك التحية ولكن اين البطة العرجاء واين غربان هذه الزريبة واين الدجاج بنوعية الاكتروني والدجاج البكاكي والدجاج حابضن الثروةواين الذين طردوا من الزريبة وظلوا يسيحون في خارجها والحمام الذي يسقي موية السكر من جماعة الفكة للبوليف واين الديك الذي يحاول ان يعيد للزريبة سيرتها الاولي في دعوة جهادية مصحوبة بكشات و ان امريكا قد دنا عذابها

[الدرمبال]

#1167293 [الحمري]
0.00/5 (0 صوت)

12-10-2014 08:25 PM
لك التحية استاد برقاوي ارجعتنا الي مزرعة الحيوان وايام كانت للرواية حلاوتها فلك التحية مرة اخري يا جورج السودان

[الحمري]

#1167173 [محموم جدا]
0.00/5 (0 صوت)

12-10-2014 06:24 PM
غاية في الروعة لكننا نأمل ألا نكون في هذه المرحلة التي تعداها الكتاب في MORE VOICES OF AFRICA للكاتبة النيجيرية بربارة نولوين و برمزية مزرعة الحيوان تعود بنا الانقاذ الى قهر الأدب السياسي و منع الحريات و ارجو الأ نعمق لمثل هذا الادب السيريالي

[محموم جدا]

#1167069 [شمام]
0.00/5 (0 صوت)

12-10-2014 04:35 PM
كأنى اراك يا برقاوى تصور حالنا

[شمام]

#1166709 [ربش]
0.00/5 (0 صوت)

12-10-2014 02:58 AM
قمة الروعة والإبداع .... شكراً جميلاً لك أيها الرائع دوماً .

[ربش]

#1166542 [د. هشام]
0.00/5 (0 صوت)

12-09-2014 10:02 PM
الثور= ع
من يتربص به=أو
أطراف الحقل=د....ف...
الثعلب=ع (2)
الأرانب والخراف=جوقة المهرجين
الذئب=ن
الطاؤوس=ص.م
الطيور المدجنة= المنادون بالحل السلمي
الطيور الجارحة=المنادون بالحل بواسطة السلاح
القرد العجوز=ح
صديقه الكلب=ك

[د. هشام]

ردود على د. هشام
Sudan [د. هشام] 12-10-2014 09:16 PM
يا محمد الطيب:
الهزبر=الشعب الثائر (أنتم)!!

Saudi Arabia [محمد الطيب] 12-10-2014 07:28 PM
ولكنك لم تقل لنا من هو ذلك الهزبر الذي يقترب منها في ببطء شديد!


#1166512 [وحيد]
0.00/5 (0 صوت)

12-09-2014 09:24 PM
يا سيدي صدقت .. و لكن ما شدني حقا هو التطابق التام بين رواية مزرعة الحيوان " Animal Farm" و بين واقع الحال في الزريبة .. حين خدعت الخنازير حيوانات المزرعة فتآمرت على الانسان و طردته و استولت على المزرعة .. ثم استفردت الخنازير بالسلطة و الاطايب و منزل البشري و صارت تقلده و تستخدم ادواته ... الملفت الشعارات التي رفعتها الخنازير و ظلت تلقنها للحيوانات ثم عملت الخنازير بعكس شعاراتها حتى اصبحت تتحالف مع العدو - الانسان - و اصبحت تسلمه الحيوانات لذبحها و تقبض الخنازير الثمن ... و لا ننسى الجراء التي اخذتها الخنازير من امها و اخفتها في مكان ما حتى ظهرت ذات يوم كلاب شرسة تطيع الخنازير و تمزق الحيوانات التي تتذمر او تعترض؟ دعم سريع مش كده؟
اليس ذلك تطابق مدهش مع حكم الخنازير الحالي؟!

[وحيد]

محمد عبد الله برقاوي
محمد عبد الله برقاوي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة