المقالات
السياسة
كيف تفرق بين الحق والباطل (3) بين المنطق والضمير وثلاثة قوانين بالمناسبة..
كيف تفرق بين الحق والباطل (3) بين المنطق والضمير وثلاثة قوانين بالمناسبة..
12-14-2014 07:03 PM

ما يتفاهم بينه الناس هو المنطق وليس اللغة. فاللغة هي أداة فقط. فلم ترد كلمة لغة في القرآن الكريم بصريح العبارة ولكن أتت كلمة لغو، واللغو معناه الكلام الباطل، الكاذب، الذي لا خير فيه، أو غير المفيد بين الناس. بينما جاءت كلمة منطق على لسان نبي الله سليمان، عليه السلام، ((وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير)) [النمل: 16]. فمعناه الكلام المفيد البناء. والحيوانات لها منطق يجعلها تنشئ ممالك ومنظومات مثالية كما في ممالك النحل والنمل.

يعتقد المفكر ابن خلدون أن العامي البسيط ينجح في الحياة الواقعية أكثر من المفكر وذلك لانه يكيف نفسه للواقع كما هو من غير أن يلجأ في ذلك إلى قياس منطقي وتفكير نظامي يجعل به قياسا واحدا للأشياء. ولقد سبق هذا المفكر غيره الكثير بهذه النظرية. فمفكري العصر وصلوا لنفس النتيجة بحيث اصبحوا يفرقون بين قوانين الفكر وقوانين الواقع. فالمنطق لا يأخذ صورة واقعية للحياة والتي قد تعرقل صاحبه من فهم الأشياء صحيحا. فإن لم تستطع فهم الأشياء لن تستطيع التفريق بين حق وباطل.
ولكن ما يزال الكثير من مفكري المجتمع اليوم يتبعون أسلوب المفكرين القدماء الذي لا يساعد على فهم الواقع. فهم يصعدون بأبدانهم في سماء الفكر بينما تريد أبدانهم العيش في أرض الواقع والتكيف معه بشتى السبل مع الأسف الشديد.

أعرض عليك قوانين القدماء لتعرف البون الشاسع بين زمان والآن:

1- قانون الذاتية أو الحقيقة الثابتة: وهم يعبرون عنه بقولهم الشئ هو هو. وأساسه، من شروط الحقيقة أن تكون ثابتة لا تتغير، فإذا تغيرت بطلت أن تكون حقيقة وأصبحت وهما. فكان لديهم أن أصل الكون هو السكون، فلا يسألون عن شئ إلا إذا رأوه متحركا. ولقد إرتد قانونهم عليهم فشلا بعدما أثبت علم الفيزياء أن المادة في حركة مستمرة والسكون هو عدم الحقيقة. ولعل هذا ما قاله الله تعالى قديما في قوله تعالى: ((وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون)) [النمل: 88].
وهذا القانون وفشله يماثل قوانين العلوم النفسية والإجتماعية. فالمجتمع في مفهوم حركي دائم. فالناس قديما تستخدم أقيسة منطقية تعتبر أنها وصلت للحقيقة المطلقة بها غير دارين بأن الزمن في تغير مستمر، وان ما صلح بالأمس قد لا يصلح اليوم او الغد. فحين يصطدمون بالحقيقة المرة يذهبوا للعن الظروف والزمن. فلا الظروف ولا الزمن دخل في سوء تفكيرهم وعدم إدراكهم للحقائق.
فترى الناس اليوم تتباكى بالنستالوجيا –الحنين للماضي-، وترجع كل شئ وتقول: حاجات من الزمن الجميل وعندما كنا عام كذا، وكنا كذا، وينظروا للوراء فقط على أنه الحقيقة الوحيدة الجميلة. فلوا أنهم واجهوا متغيرات الزمن بمنطق جديد لما وصلوا لهذا الوضع التعيس.
إن من ينجو من تلك المهزلة أولي الألباب، أصحاب الخيال والإبداع، الذين ينظرون للمستقبل ويسعون للتغيير. فقد يفترضوا نظريات ويحاولوا صنع عالم جديد في زمانهم ليغيروا من الواقع. ولكن تجد هؤلاء حوربوا وعذبوا وشردوا وربما قتلوا من أصحاب المنطق الثابت. ولكن يثبت الزمان التالي إن هؤلاء القليلين كانوا على الحق فيخلد ذكراهم، والأكثرية كانت على باطل فيمضوا وقد خلت سنة الأولين.

2- قانون عدم التناقض: وخلاصته أن الشئ لا يمكن أن يحمل صفتين متناقضتين في آن واحد. فالإنسان إما أن يكون حقا أو يكون باطلا ولا يجوز أن يحمل صفة الحق والباطل في نفس الوقت. ويعني لهم ذلك بأن الحقيقة مطلقة وليست نسبية. ولكن هذا ليس صحيحا لأن الحقيقة المطلقة غير موجودة في الحياة الإجتماعية. وإن هي وجدت لا يمكن ان نسميها بحقيقة مطلقة لأنها مقيدة بالقيود النفسية والإجتماعية والحضارية المتحركة. وبالنسبة للطبيعة البشرية، فالإنسان قد يحمل صفتي الحق والباطل في آن واحد وهذا ما يشير الله تعالى إليه في كتابه: ((ونفس وما سواها*فألهماها فجورها وتقواها)) [الشمس: 8].
الفيلسوف الألماني هيجل توصل إلى أن الشئ يمكن أن يكون هو وليس هو في آن واحد. وهذه هي الفلسفة الإجتماعية التي إشتهر بها وسميت ب "الديالكتيك". ابن خلدون سبق هيجل بمراحل وكان لديه نفس الرؤية حتى لقب بهيجل العرب.
وهذه الفلسلفة يمكن أن يتبعها من يريد التعرف على الحق والباطل. فالإنسان يمر في حياته بعدة مواقف مختلفة. فبعضها يظن أنها ستكون مصدر خير ولكنها تكون مصدر شر عليه، وأخرى يعتقدها مصدر شر وهي مصدر خير له. والله يشجع على التمحيص والتوكل، وأن لا يجزم أحد بمآلات العاقبات كما قوله تعالى: ((وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) [البقرة: 216].

3- قانون الوسط المرفوع: وهو يشابه القانون الماضي ولكن يختلف عنه في وجهة النظر. ففيه أن العالم مؤلف من جانبين أو طرفين لا ثالث لهما. جانب الحق وجانب الباطل، أو جانب الجمال وجانب القبح، أو جانب الخير وجانب الشر. فالشئ في نظرهم إما أن يكون في هذا الجانب او ذاك ولا يحتمل التناقضين أو الحياد. فهو منطق من ليس معي فهو ضدي. وهو منطق الوعظ الذي يغذي في النفوس ميلان الأهواء والوفاء للموالي، ويحرض على العداء والصراع ضد المختلف. فأنت إما أن تكون مع الحقيقة أو ضدها. ونحن الحق والطرف الثاني هو الباطل، فمع أي طرف أنت؟.
يقول الفيلسوف الإنجليزي شيلر: "إن الحقيقة في ضوء المنطق المطلق واحدة، والأراء يجب ان تكون متفقة. فأنت إما أن تكون مع الحقيقة أو ضدها. فإذا كنت ضدها فأنت هالك. أما إذا كنت مع الحقيقة فليس لأحد أن يجرأ على مناقضتك. إنك محق إذا غضبت من أولئك الذين يجادلون في الحقيقة. الحقيقة حقيقتك".
وللأسف، يتوقف الكثير اليوم في هذا المنطق ويضع حكمه النهائي على الناس به، ويميل مع طرف ويكون مع أناس يظن أنهم أصحاب الحق، فيقدم لهم الولاء الكامل مهما فعلوا. أما غيرهم فهم أصحاب الباطل الذين يجب ان ينتصروا عليهم.

خطورة الضمير..

كلمة ضمير لم ترد في القرآن الكريم. فإذا كانت مقياس، لكان من الأولى أن يردها الله ملك الناس في كتابه. ولكن هناك كلمة فطر. فالفطرة التي فطر الله الناس عليها هي أن كل نفس ألهمها فجورها وتقواها.
ويظن الكثير بأن الضمير هو الذي يمكن ان يحدد ما إذا كان الإنسان يسير على حق أو على باطل، فهذا ليس صحيحا، لأن الضمير نفسه يختلف بين إنسان وإنسان. فترى بعض الناس تذبح وتقتل وتغتصب ولا تشعر بأدنى عذاب للضمير، لأن ضميرها يعتقد أن ما يفعله صحيا، ويوافق شعوره من هذه الأفعال. فبالنسبة لك هي أفعال إجرامية، ولكن بالنسبة له هي قمة الجهاد، والتفاني في عبادة الله لنيل رضاه.

لقد نسف تقدم العالم وتطور العلوم كل تلك القوانين السالفة والرجوع للسلف وأصحاب المنطق الثابت والضمير الحي. وقد فرض قانون النسبية والتغيير المستدام نفسه، ولكن مايزال الكثير يقبع في كهوف تلك القوانين من المنطق العقيم.
ويتضح لنا، مما سبق، بأن عدم تطابق تلك القوانين مع الواقع وعدم قدرتها على مواكبة العصور، جعل الكثير من الناس مبتلية بداء إزدواج الشخصية والتي تورث أصحابها الزيغ فلا يستطيعون بها التفريق بين الحق والباطل سيما في أزمنة التدليس المريع. وهذا مصداقا لقول الله تعالى بأن أي إنسان في أي عصر في خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر.
وفي هذا العصر ترى من ينصبون أنفسهم قادة للناس، أأمة دين وسياسيين، يتساجلون ويتجادلون بمنطق أفلاطون وعند معترك الحياة يطلبون الرزق والجاه كما بقية الناس. والمخدوعين من الكادحين الذين يسيرون خلفهم لا يحصلون على نتفة مما ناله أولئك الذين يدعون المثالية. ولقد أخبرنا التاريخ عن الكثير ممن يسمون أنفسهم خلفاء الله وكيفية إنفاقهم أموال الناس في بناء القصور الباذخة وشراء الجواري الحسان، وطلبهم فيما بعد للوعاظ. فإذا ذكروا لهم عذاب الله أغرورقت أعينهم بالدموع واكثروا من الصلاة والصوم واتخذوا حج البيت الذي يستطيعون إليه سبيلا سنويا أو جعل دربه "ساساقه"، ليمحوا ذنوبهم المتلتلة. ويأخذ فقهاء السلطان ما فيها النصيب والتي تجعلهم يركبون الفارهات ويبنون القصور ويأكدوا لهم أن ذنوبهم تمحى ولو كانت مثل زبد البحر. وهذا ما يفعله كذلك الظالمون إلى اليوم. فهم يحسبون أن سرقة الناس وظلمهم وقتلهم، هي ليست من كبائر الإثم والفواحش وإنما لمم فقط، والصلاة وصوم الإثنين والخميس والحج يمحيها كلها.
والأخطر، وبعد هذا كله، تجد الناس تتعامل مع هؤلاء المجرمين طبيعي جدا ولا يلتفتون لقوله تعالى: ((أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون)) [القلم: 36].


* الحلقة: كيف تفرق بين الحق والباطل (4) عن داء الجدل ومعضلة الدولة..
الثلاثاء إن شاء الله.
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 926

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1170303 [خالد]
1.00/5 (1 صوت)

12-16-2014 04:36 AM
لا أدري ما الغاية في الخوض في فلسفة قديمة عفا عنها الزمن منها الصحيح نسبيا والخاطئ تماما
أن كان هذا جزء من التفكير الألحادي وأحياءا للجدل السوفسطائئ لزعزعة قناعات وثوابت إيمانية وإذكاء التناقض الوجداني.
تغافلت عن عمد أن اللغة في القرآن الكريم وردت بالفاعل وهو اللسان بقوله تعالي(لسانا عربيا) وليس بالمفعول به.
حديثك عن الضمير شطحات فكريه ليس هناك ما يسنده علميا. والثابت أن الضمير لا يوعز بأن الجرم والأخطاء صحيحة وإنما يتغافل المجرم والمخطئ عن ضميره وهذا التغافل والقمع المتواصل للضمير يؤدي إلى موته.
رجاءا عند الخوض في أمور علمية الأشارة للمراجع والبحوث التي تقتبس منها بالطريقة العلمية العلمية المتبعة في APA style

[خالد]

#1169470 [ود الحاجة]
1.00/5 (1 صوت)

12-14-2014 10:33 PM
علم المنطق هو علم يبحث عن القواعد العامة للتفكير الصحيح.من المعروف ان علم عرف عند المسلمين بعد عصر التابعين
بينما معنى المنطق في قوله تعالى : (وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير) هو النطق او الكلام و لم يسمه كلاما لأن الكلام يطلق على النطق المفهم و بطبيعة الحال نطق الطير غير مفهوم لدى البشر .

[ود الحاجة]

#1169435 [ملتوف يزيل الكيزان]
1.00/5 (1 صوت)

12-14-2014 09:36 PM
ظللت انادي بان الحل في اشعال حرب عصابات المدن. للاتي:-
النظام الفاشي البوليسي الذي يستطيع ان يقتل بدم بارد صبيان المدارس ، ويغتصب القاصرات . هذا النظام لن يترك الحكم الا بالقوة ، حتى لو تتطلب الامر اشعال حرب اهلية او وصول هاوية الصومال و سوريا و ليبيا. لن يجدي الحوار مع النظام الاطرش.
الاضراب السياسي حسب الواقع المعروف . لا وجود لنقابات عمال و مهنيين كما كانت الحالة في اكتوبر و مارس ابريل. لا وجود لمؤسسات دولة ، توجد مؤسات قطاع خاص وتوقف العمل بها لا يهم الحكومة ، على الاقل ترتاح من صرف رواتب واجور. فاقتصاد النظام في جيوبهم. ولا يهمهم ان مات ثلثي السكان بالجوع كما قال احد قادنهم.
الحاصل تدني مستوى الوعي العام وذلك لنزوح خير ابناء السودان لخارج البلاد . 11مليون مهجر. وايضا تدني مستوى التعليم و الثقافة العامة نتيجة لسياسات العصابة في تجهيل الناس و نشر الخرافة و الدجل وسط الناس بدلا عن العلم.
في مثل هذه الظروف ، ظروف تدني الوعي العام، يكون من واجب الطلائع ، طلائع الوعي وهي بالضرورة قليلة العدد. على الطلائع القيام بواجب قيادة المقاومة المسلحة للاطاحة بالعصابة الحاكمة. وبعد ذلك تدخل في برنامج مكثف لمحو الامية اولا و تثقيف عامة الناس بالثقافة اللائقة للبشر.
ولنا في تجربة الاورغواي في حرب عصابات المدن دليل مكتوب.

[ملتوف يزيل الكيزان]

سيف الحق حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة