المقالات
السياسة
كيف تفرق بين الحق والباطل (4) عن داء الجدل ومعضلة الدولة..
كيف تفرق بين الحق والباطل (4) عن داء الجدل ومعضلة الدولة..
12-16-2014 07:00 PM

وصدق الله العظيم الذي يقول: ((وكان الإنسان أكثر شيء جدلا)) [الكهف: 54]. فداء الجدل من أكبر الأدواء التي أبتلي بها البشر لا سيما العقلانيون منهم. وأسوأ الجدل الذي لا يؤدي إلى إتفاق ولا ينتهي لإعتراف بحقيقة أو حق، وهذه سمة لغالبيته. فكل طرف تجده يبحث عن ما يدعم موقفه من أراء في نظره منطقية وبراهين يظن انها واقعية كي يعتقد انه يمثل الصواب وعلى حق، وإنه الأقوى. وعند إنتهاء الزمن يظن كل طرف إنه هو الغالب ويتربص للآخر بجولة أخرى للضربة القاضية.
وهذا مثال لكل مفاوضات جدلية وحوارات عبثية فاشلة التي عادة ما تنتهي بعدم إحقاق الحقوق لسعي أحد الأطراف لدحض حق الآخر وجعل باطله حقا.

إن الإنسان في جدله يزعم بأنه يسعى وراء الحق والحقيقة، بينما في الواقع يسعى نحو التغلب على خصمه لكي لا تهبط مكانته الإجتماعية بين الناس.
يقول ديل كارنيجي صاحب المعهد الامريكي المعروف للعلاقات الإنسانية: "أكسب الجدل بأن تتجنبه". وبصورة أخرى يعني أنك في الجدل امام خيارين: إما أن تنتصر على خصمك فقد يؤدي ذلك لخسارة علاقتك به، أو أن تنهزم في الجدل فتهبط مكانتك الإجتماعية أمام الحاضرين.
ويحكي كارنيجي عن قصة جدل حدثت في معهده، إختصارها أن أحدهم قام بإحضار برهان من مقولة لشكسبير ولكنه قال إنها من الكتاب المقدس. فقام خصمه بنفي المعلومة وقال إنها عبارة لشكسبير وأشار لكارنيجي ليؤيده ولكنه سكت ولم يفعل. وعندما سأله لماذا لم يتدخل قال له: إن هناك نقاط في الجدل يمكن أن ينشب منها التشاحن والتحاقد يجب أن نتجنب إثارتها. والكثيرون ليسوا مثل كارنيجي وليست لديهم ثقافة كافية وإلمام بمعرفة ما يتجادلون فيه. ولكن يتجادلون فقط للولاء المسبق، وما يعتقدون بأنه حق، ولذلك نجدهم في جدال دائم لا ينتهي.

أنواع الجدل..

لا ينفي ذلك ان الجدل هو من اهم الوسائل الناجعة لتوصيل الحقائق العلمية. وهذا يفرق عن الجدل العادي الذي يزعم فيه كل طرف إنه عقلاني. لذلك يمكننا تقسيم الجدل إلى قسمين:
- الجدل العلمي: وهو الذي يقوم على أساس المنهج الإستقرائي. فالحقيقة هنا في مرحلة بحث مستمر.
- الجدل العقلاني: وهو يقوم على أساس المنهج الإستنتاجي. والحقيقة لا تريد بحث؛ فهي مستنتجة عند احدى الطرفين المتجادلين. فيتجادل الطرفان ليثبت كل منهما أن الحق معه.

فالفرق كبير وواضح، والحقيقة ليست مطلقة. فالجدل لابد أن يأخذ الطابع العلمي كما يرشدنا الله سبحانه لعدم السقوط في الجدل بدون علم: ((ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير)) [الحج: 8]. ولا يتم الجدال مع المختلف إلا بالتي أحسن حتى لا يتطور لتشحان وتباغض ثم قتل. فلا يمكن أن تبدأ حوارا مع أحد وأن تهدده بالحرب وتتوعده بالسحق والدمار.
ويجب تثبيت نقاط الإتفاق بين الطرفين على أنها الحقيقة التي توصلوا إليها أولا للتقارب كما قال تعالى: ((ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون)) [العنكبوت: 46]. وإستمرار الجدل للمكابرة والمغالطة والإنتصار للرأي بغض النظر عن نقاط الإتفاق يؤدي لعدم الفائدة وخسرانه. فهو جدل بالباطل ليدحض به الحق.

إن العالم تغير بواسطة الجدل العلمي. ولو أن المفكرين والعلماء القدامى إعتمدوا الجدل العقلاني طوال حياتهم لظلوا يتجادلون إلى اليوم وتوقفوا فقط عند النتائج القديمة التي توصلوا إليها قديما، والتي لن تكون مجدية بأي حال من الأحوال مع تطور الزمن.

التنازع ونموذج الدولة..

الجدل أكثر ما يتطور إلى منازعات بين جماعات وأخرى. ولو نظرنا إلى التاريخ الإجتماعي للبشر من حيث تطور منازعاتهم وكيف حاولوا حلها لرأينا أنهم مروا يثلاث مراحل:
- مرحلة القبيلة التي سبقت ظهور الدولة
- مرحلة ظهور الدولة في طورها الإستبدادي/ الديني
- مرحلة ظهور الديمقراطية الحديثة.

فقبل نشوء الدولة كان الناس يعيشون في النظام القبلي الذي يتميز بالنصب والإعتداء على الأخرين، والذي كانت كل قبيلة تعده حق لها. وهذا العداء لم يمكن من إنشاء حضارات بشرية بإثتثناء مناطق قليلة جدا. ومن ثم جاءت مرحلة الدولة. ويتفق علماء الإجتماع على إن نظام الدولة ظهر في التاريخ قبل ستة ألاف سنة تقريبا. فكان طورها الأول نظام مفعم بالإستبداد ومنظم بالجور ومنتظم بالفساد. فكانت تتيح لفئة قليلة من الناس التنعم والترف على حساب الأغلبية الكادحة. وكانت تعضد ظلمها وتلبس طغيانها جلباب الدين لتخدير وإخضاع جميع الناس لسلطانها. وإستمر الحال في العالم بين أناس مازالوا يتناحرون في المرحلة القبلية، وآخرون يتلظون تحت سياط الدولة الدينية.
وفي كل مرة تأتي الأديان السماوية ليتحرر الإنسان من الظلم والطغيان، يحورها السلطان ويحرفها رجال الدين لتكون في خدمتهم وتعميق سيطرتهم للمزيد من الظلم والطغيان. وظل الوضع كما هو عليه وإلى أن ختمت الأديان بالرسالة المحمدية.
وقد مضي التاريخ وإضطر الناس لوضع قوانين لفض النزاعات التي تنشب بينهم فكان القضاء. فالقوانين التي أصبحوا يتعارفون عليها أتت بالفطرة وبعد سلسلة من المجادلات التي من المؤكد حدث فيها التسامح والتنازل والعفو للإتفاق عليها. وبالطبع لن تكون ثابتة بل تتغير مع معارف الناس، والتي أصبحوا يسمونها أعرافا. والله تعالى يريد بنا اليسر بمواكبة التطور وتحديث القوانين التي تتناسب مع الحقائق الماثلة، وليس العسر بتجميد التطور وتثبيت القوانين على أساس شريعة كاذبة لا تخدم إلا أشخاصا معينون. ولذلك يأمر الله تعالى بالعدل حسب ما يتعارف الناس عليه، أي بالعرف المتجدد لدولة القانون، وتجاوز الجاهلين الذين يتمسكون بقوانين الماضي ويعتبروها شريعة مقدسة: ((خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)) [الأعراف: 199]

إستمرت الدولة القديمة تحكم الناس طوال القرون الوسطى إلى أن طفت الديمقراطية كفكرة تجر وراءها منهج الدولة الحديثة. فهي تبلورت أساسا من تجربة الأديان التي نادت بحرية الإنسان وأن لا يرضى الإستغلال والإستعباد من أي شخص لا سيما الحكام الطواغيت. وهي كخطوة لم يتخذها الناس إلا بعدما خاضوا التجربة المريرة وعرفوا كيف تستخدم الدولة الدين في إستبدادهم وقهرهم وإذلالهم. فقد رأوا إستفحال الظلم وسيلان الدماء بحورا، ودفعوا أثمانا باهظة من الأرواح والأنفس والثمرات، وهدرت حقوقهم في بطون الطغاة وسحقت تحت أرجلهم. فتدمر مستقبلهم بكلمات كبيرة تخرج من أفواه هؤلاء الظلمة، وإنتهت أحلامهم عند أدبارهم.

فإذا كانت الدولة أوقفت التقاتل القبلي، فإن الديمقراطية جاءت لتوقف التقاتل في السياسة. فالحاكم الديمقراطي لا يستطيع شراء الآف الجواري ويبني القصور ويحقق الإستثمارات من أموال الشعب كما كان يفعل حكام الدول الإستبدادية قديما. فهناك حزب معارض يبحث عن زلاته ليسقطه، وهناك شعب يرتقب يريد حقوقه غير منقوصة.
ولكن الغريب، أن هناك أناسا إلى يومنا هذا لا تدري ما هي أبسط حقوقها من حرية وكرامة إنسانية وعدالة إجتماعية وتؤيد مثل تلك الدول البائدة، بل وتعيش تحت كنفها، ولا تفهم ماهي فائدة الديمقراطية التي يمكنها التوفيق بين كل المتجادلين في شؤؤونهم –السياسية- للوصل لتوافق يحقق لهم العيش الكريم. فهم قد درسوا التاريخ الذي يعظم ويمجد الحكام ولم يعرفوا شيئا عن الشعوب التي كانت تعاني المرارت، من ذل وقهر وإستبداد، والذين يشبهونهم في عيشتهم الرثة إلا قليلا. وقد يكون السابقون معذورون لأنهم لم يتوصلوا لإختراع الصندوق، ولو أنهم عرفوه لكانوا كافحوا للحصول على الديمقراطية بأي ثمن. وما تقاتل المسلمين الأوائل إلا لعين سبب التقاتل السياسي.

إن الحاكم في ظل ديمقراطية حقيقية هو الذي يحاول أن يحكم بالعدل لأن طبيعة الإنسان واحدة مهما كانت درجة تدينه. فهو سيشعر بالمراقبة من الشعب الواعي ويخاف أن يقع في الأخطاء التي تجعل معارضه يتفوقون عليه في الإنتخابات القادمة. فمقاييس الحق والباطل تكون هنا ظاهرة، لأن كل إنسان يظهر على حقيقته بسبب الحرية التي يتمتع بها الناس.
أما الحاكم الذي يحكم في ظل سلطة مطلقة أو ديمقراطية عبثية سيخلط المعايير بقلب الحق باطلا والباطل حقا ليتطبع الناس عليه. فهو كأي إنسان يريد ان يتمادى ويتلذذ بالطيبات ما أبقاه الله تعالى، حبذا إن وجد من يقننها له بإسم الدين.


دولة الظلم وتلبيس المجتمع بالحق والباطل...

غياب القانون، أو جعل القانون في كفة فئة بعينها يهيئ لقيام دولة ظالمة للأفراد، ويؤسس لفساد المجتمع وتخلفه لأنه سيلجأ للتمسك بالرجعية والقيم الإجتماعية البائدة. فسيعيش المجتمع على القيم البدوية التي ترتكز على العصبية القبلية، حيث لا حكومة عادلة أو حماية للفرد أكثر من قبيلته. فهي لابد ان تنتصر له بخصال النخوة والشهامة والنجدة والتعاون بين أفراد الأسرة والقبيلة والحي الواحد. ولكن في المقابل هذا لا يلائم العصر كما الدولة المدنية والحضارة الحديثة التي يسير عليها العالم المعاصر. فالحضارة الحديثة مليئة بالمساوئ ولكنها محتومة علينا ولا مناص منها. ونحن لسنا مطالبين بتطبيقها بحذافيرها ولكن التفريق بين حقها وباطلها. فالحق فيها أنها تأمر بالعدل وتعتمد على القانون والمساواة بين الجميع للإرتقاء بالأمة ككل. والأهم من كل ذلك الحرية – لكل حدوده بالقانون- فيتاح لكل فرد التعبير عن نفسه، كما هو، دون رياء فيظهر حقيقته. فيستطيع الناس هنا التمييز بين حقه وباطله.
فالمفترض إتباع محاسنها وقيم الحرية والعدل والمساواة والكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية، ورفض ما يتنافى مع الأخلاق المجتمعية بصياغة ما يناسب من قانون مدني. ولكن هذا ليس الواقع، لأننا أبتلينا بأناس يريدون أن يحكموا بطريقة الدولة القديمة ويفرضوا ذلك على الجميع بحجة أنهم يتبعون نهج الدين، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون. وهم لا يعلمون أن الحكم بما أنزل الله هو العدل ليس إلا.
فهناك سيغيب القانون والمساواة، ويتفشى الظلم، ويلجأ الناس حينها للقبيلة مجددا لنيل حقوقهم والدفاع عنهم ونصرتهم. ولذلك سترى التناقضات تدب في المجتمع. فتسمع البعض يصف المجتمع بالحضاري الطاهر النقي الشريف والمتدين، وهو متخلف ورجعي وغير إنساني -حيث القتل والجوع والفقر والمرض والجهل والإغتصاب للنساء- ولا يبالي المجتمع، وتظهر فيه العبادة جليا ولكن العبادة القشرية التي تبتعد عن أخلاق الدين وقيمه الإجتماعية السامية. وستشهد يوميا إزدياد كافة أنواع الفساد الإجتماعي بسبب الفساد السياسي الأصلي. وستزيد دائرة لبس الحق بالباطل وسيتطبع الناس على ذلك ما دام الظلم يحكمهم، والله تعالى يأمرهم أساسا بعدم الركون إليه: ((ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون)) [هود: 113].
وحق الناس سيضيع مع تفشي هذا الباطل. فالغالبية تريد أن تغادر الوطن لإفتقادها لأبسط حقوقها. فهم يريدون الفرار للعيش في ذاك المجتمع السئ المنفتح المتحضر المنحل الأخلاق، ولكن فيه الحرية والعدل والمساواة التي تمكنهم من الحصول على حقوقهم الإنسانية بالقانون. ومهما كان فهو أفضل من مجتمعهم المترع بالكذب والنفاق وتنتشر فيه الواسطة والمحسوبية والرشوة، وكل أنواع الفساد الأخرى بسبب دولة الظلم التي تجعل أفراده أنانيين حيث كل يسعى لنيل حقوقه بواسطة قبيلته وقوة واسطته. فمن ليس لديه ظهر، ولا حسب ولا نسب بقبيلة تسنده، سيظل متضهدا ومذلولا ومشردا وجائعا ومريضا وميتا لا محالة في هذه البلد الظالم أهلها؛ وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.



* الحلقة: كيف تفرق بين الحق والباطل (5) عن داء التعصب وهل أنت مصاب به؟..
الخميس إن شاء الله.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 636

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1171290 [عطوى32]
0.00/5 (0 صوت)

12-17-2014 08:30 PM
جميل جدا دى المقالات والافكار التى يحتاجها شعبنا الذى يدافع عن جلاده بحجة الحفاظ عن الشريعة ؟؟ وهو لايريد ان يحرك عقلة ليرى شريعة القتل والاغتصاب والمحسوبية والسرقة وفساد الاخلاق تمشى على قدميين ..

معظم الناس لايريدون ان يخرجو من عباده بمايسمى بغلماء السلف ولو علمو ماهم بعلماء وانما شيوخ زمانهم ومصالحهم الشخصية طبقا لظروف عصرهم ...

اما الذين الذى لايريدون ان يتعقلون بة خارج افكار السلف فهذى مشكلتهم وليست مشكلة الدين ...

فالاغلبية لايريدون ان يفهمو بان مراد الله وشرعة الى يوم الدين هو العدل والعدل باى صفة وطريقة تمارس بها العدل فقد اقمت شرع الله .. وليس الدين هو فقط حفظ احاديث ونصوص فقط لان اتابع النصوص بدون تدبر ستدخلهم فى بلاوى لن يجدو لها سبيلا .. وفى النهاية يعبرون عن عجوهم بالغضب والشتائم ومواصلة طريقة حفظ النصوص واتباع منهج وحدييث ربما كان صالحا فى حينة ...

والمضحك بانهم عندما يستضمون باية تتقاطع مع واقع اليوم على طوول يقولك هذة منسووقة ويجتهدون فى ذلك اما الحدييث فيبصمون علية بالعشرة ولا يبلون حتى مناقشتة طالما ختم علية البخارى ومسلم ؟؟

يا سبحان الله

[عطوى32]

سيف الحق حسن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة