المقالات
السياسة
القانون الدولي يفقد هيبته ومجلس الأمن يتقاعس عن السودان
القانون الدولي يفقد هيبته ومجلس الأمن يتقاعس عن السودان
12-19-2014 07:20 AM


جانبت المدعية العامة للمحكمة الدولية الصواب عندما طالبت مجلس الأمن الدولي قبل بضعة أيام بالقيام بواجباته حيال قضية الشعب السوداني العادلة. ووفقاً لمواثيق الأمم المتحدة فإن المجلس مكلف بالحفاظ على السلم والأمن الدوليين اللذان شهدا تهديداً صريحاً من قبل حكومة الإنقاذ في السودان من خلال الانتهاكات الواسعة المرتكبة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق والتي وثقها ناشطون ومنظمات حقوقية عديدة وهو ما دفع المجلس نفسه للتعامل مع السودان وفقاً للبند السابع الذي يعطي صلاحيات واسعة لوقف الظلم والانتهاكات في أي بلد كان.
ويبدي العديد من المراقبين استغراباً شديداً من الموقف الضبابي للمجلس حيال مجمل مطالب السودانيين والمنظمات الحقوقية. وهنالك العديد من الأدلة والبراهين على ذلك ومنها على سبيل المثال الإفادات الصريحة التي أدلت بها المتحدثة السابقة باسم البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في دارفور المعروفة اختصارا بـ«يوناميد»، والتي أفصحت فيها عن تواطؤ أفراد من البعثة وتسترتهم على الجرائم والفظائع التي ترتكبها القوات الحكومية والمليشيات المتحالفة معها.
والواضح أن مجلس الأمن قد خالف قواعده ومواثيقه وتعهداته حيث أنه لم يحرك ساكناً حيال تعنت الحكومة السودانية وامتناعها عن وقف الانتهاكات ولم يستخدم سلطاته المخولة له لضبط ايقاع الموقف المتدهور في الغرب السوداني. أما المحكمة الدولية باعتبارها الجهة المناط بها ملاحقة ومعاقبة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، فإن مهمتها تتضمن اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفادي وقوع أو تكرار النزاعات حفاظاً على السلم والأمن الدوليين، لكنها تحتاج في ذلك إلى مساعدة مجلس الأمن خصوصاً إذا كان هو الجهة التي أحالت إليه القضية بدءً كما هو في حالة المسألة السودانية. وفي هذا السياق تنص الفقرة ج من المادة 87 من ميثاق روما صراحة على وجوب تحرك المجلس في حال امتناع دولة ما تنفيذ أوامر محكمة العدل الدولية حتى إذا لم تكن تلك الدولة موقعة على ميثاق المحكمة. وتؤكد هذه المادة على تطبيق سلطة المجلس المحددة في الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنحه سلطات واسعة ومطلقة في مجال استعادة وبقاء السلام وحفظ الأمن. وتنص المادة 13 من نظام روما الأساسي على أن للمحكمة أن تمارس اختصاصها فيما يتعلق بجريمة مشار إليها وفقاً لأحكام النظام في حال أحال مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة حالة إلى المدعى العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر قد ارتكبت. وتنفي هذه المادة الادعاءات التي ظل نظام الإنقاذ يروج لها والمتمثلة في عدم أحقية المحكمة في تتبع مجرمي الحرب في السودان باعتبار أن السودان ليس عضواً موقعاً على ميثاق المحكمة. وتنص المادة على أنه إذا أحيلت الحالة من مجلس الأمن فان المحكمة الجنائية الدولية لا تتقيد بالشروط المسبقة لممارسة الاختصاص الوارد ذكرها في نظام روما،أي بمعنى أنه في هذا الفرض لا يشترط أن تكون الجريمة قد ارتكبت في إقليم دولة طرف أو من شخص يحمل جنسية دولة طرف، فالمحكمة ينعقد لها الاختصاص في هذا الفرض أياً ما كان وقوع الجريمة وبغض النظر عن جنسية مرتكبها.
ومن المشكلات الكبيرة التي تعاني منها الشعوب الواقعة تحت حكم أنظمة سلطوية فاسدة مثل نظام الخرطوم، عدم وجود آليات تحرك سريع من قبل المجتمع الدولي للوقوف على حجم الجرم المرتكب في منطقة ما قبل أن تقوم تلك الأنظمة باخفاء معالم الجريمة بكل الأساليب الممكنة والتي من بينها الترهيب والترغيب وهذا ما حدث بالفعل في واقعة جريمة منطقة تابت التي تعرضت نسائها لانتهاكات فظيعة من قبل مليشيات نظام الخرطوم.
وهدفت الفقرتين 5 و 7 من نظام روما الأساسي إلى وضع مجلس الأمن الدولي أمام التزاماته عندما تعجز محكمة العدل الدولية عن معالجة جرم ما في بلد ما. وعلى عكس ما يروج له النظام فإن إعادة الملف إلى مجلس الأمن لا يعني قتله بل يعني ضرورة اتخاذ خطوات أكبر من تلك التي تستوعبها قدرات واختصاصات المحكمة، لكن هذا يتطلب إرادة قوية من المجلس وضرورة أن تستيقظ ضمائر بعض الدول صاحبة حق الفيتو والتي تربطها بنظام الخرطوم مصالح مفضوحة. وتنص الفقرتين 5 و 7 من المادة 87 من نظام روما الأساسي على أنه في حالة امتناع دولة عن التعاون يجوز للمحكمة أن تخطر بذلك مجلس الأمن تعيد إليه الملف إذا كان هو الذي رفع الأمر إلى المحكمة.
المؤكد أن تقاعس مجلس الأمن الدولي عن ملف جرائم نظام الخرطوم سيشكل نقطة سوداء في تاريخ المجلس وسيعد انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وبالتالي تشجيع مزيداً من الأنظمة الدكتاتورية على ممارسة أبشع الفظائع بشعبها. ومن هنا فإن المجلس مطالب بتطبيق النصوص الواردة في الفصل السابع ومن بينها ما ورد في المادة 39 من تخويل للمجلس باستخدام سلطاته كاملة مع الدول التي تمتنع عن التعاون مع العدالة الدولية. ومن المؤكد أيضاً أن المنظمات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني وخصوصاً منظمة العفو الدولية مطالبة بممارسة المزيد من الضغط على مجلس الأمن من أجل الوفاء بالتزاماته القانونية حيال الشعب السوداني وجلب العدالة الضائعة له. وفي ظل غياب كل هذا تبقى هيبة القانون الدولي والعدالة في مهب الريح وسيستمر المشهد المستفز الذي نرى فيه البشير وغيره من المطلوبين للعدالة يتنقلون بين دول عضوة في المحكمة الدولية وفي مجلس الأمن الدولي وستظل جماجم الأبرياء في غرب السودان والنيل الأزرق وجبال النوبة تشكل المشهد اليومي للقنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام وستستمر معاناة الشعب السوداني التي تزداد يوماً بعد الآخر بفعل آلة الحرب التي أفقرت مصروفاتها كل شبر من أرض البلاد.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 614

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1172547 [غباس]
0.00/5 (0 صوت)

12-19-2014 08:19 PM
يقول الكاتب: "المؤكد أن تقاعس مجلس الأمن الدولي عن ملف جرائم نظام الخرطوم سيشكل نقطة سوداء في تاريخ المجلس وسيعد انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي".. وهل يأخي مجلس الأمن مجلس عادل وقائم على الحقوق.. وهل المحكمة نفسها محكمة عادلة؟ تصور أنه وبموجب قرار إحالة قضية دارفور للمجلس يوجد نص في الإحالة يمنع محاكمةأي شخص أمريكي في هذه القضية.. بمعنى أنه إذا تم عرض شخصين على المحكمة في قضية دارفور ارتكبا جرائم حرب في دارفور أحدهما يحمل الجنسية السودانية والآخر ربما سوداني ويحمل الجنسية الأمريكية, فإنه سيتم إطلاق سراح حامل الجنسية الأمريكية فورا بسبب جنسيته ويعاقب حامل الجنسية السوداني!! فهل توجد عنصرية أبشع من هذه العنصريةـ وهل هذه هي عدالة القانون الدولي؟ أسأل كبالله مراجعة قرار الإحالةقبل الحديث عن عدالة مجلس الأمن والمحكمة أيضا! الشعب السوداني هو القادر أن يقيم العدالة الحقة على كل من ظلمه.
ولك تحياتي

[غباس]

ردود على غباس
United Arab Emirates [احترامي] 12-20-2014 10:37 AM
ليس دفاعا عن مجلس الامن ولا القواعد التي تحكم محكمة الجنايات و فقط تعليقا علي النقطة التي اوردتها عن ما يحدث لو ان شخصا امريكيا تورط في جريمة تنظر امام المحكمة , فهو لن يطلق سراحه ليذهب الي بيته بل سيسلم للسلطات الامريكية ليحاكم في المحاكم الامريكية وقوة القانون هناك لا خلاف عليها اينما كان مكان حدوث الجريمة
ولك التقدير كله


كمال عبدالرحمن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة