المقالات
منوعات
قراءة لغوية في كتاب (من حقيبة الذكريات) ..
قراءة لغوية في كتاب (من حقيبة الذكريات) ..
12-20-2014 09:00 PM



خصص الدكتور عبد الله الطيب – طيب الله ثراه- كتابه (من حقيبة الذكريات) الذي صدرت طبعته الأولى عن دار نشر جامعة الخرطوم سنة 1983 للحديث عن ذكريات طفولته ودراسته في الخلوة والمدراس الأولية وكلية غردون التذكارية. وتأتي أهمية هذا الكتاب أنه جمع بين السيرة الذاتية والأثنوغرافيا Ethnography أي وصف أحوال الناس ومعاشهم وعاداتهم وثقافتهم ولغتهم في تلك الفترة التي تنحصر تقريبا في الربع الثاني من القرن العشرين.
وما يميز عبد الله الطيب عن غيره من أساتذة اللغة العربية والدعاة الإسلاميين هو عنايته بالثقافة الشعبية وعلى رأسها اللهجة السودانية العربية التي تمثل الوعاء الجامع لهذه الثقافة الشعبية.
لقد ركن دعاة التوجه الإسلامي إلى ريبتهم بأن الالتفات إلى اللهجات العربية التي يتخاطب بها الناس في حياتهم اليومية هو دسيسة استعمارية بثها المستشرقون للنيل من الفصحى وإبعاد الناس عن لغة القرآن وما علموا أن اللهجات هي مستودع الفصحى والعروة الوثقى التي تربط الناس بلغة القرآن. وكل من له معرفة بعلم قراءات القرآن يعرف أن هذه القراءات ما هي إلا إقرار بأهمية اللهجات وأن اختلافها سببه اختلاف اللهجات التي كانت ولا يزال يتحدثها الناس في حياتهم اليومية.
إن التأصيل الذي يتحدث عنه الإسلاميون لا يكون في التمسك بالفصحى وإنما يكون في التمسك باللهجة المحلية لأنها عنوان أصالة الشخصية السودانية. فإي إنسان من ثقافة أخرى في استطاعته أن يتعلم الفصحى ويتقنها ويتفوق فيها.
لقد حرص عبد الله الطيب في هذا الكتاب على الوقوف على الألفاظ والتعابير التي يستعملها الناس في كلامهم وفي عاداتهم وتقاليدهم والمقارنة بينها والعربية القديمة واللغات السودانية الأخرى. وسوف نتوقف هنا عند بعض هذه الألفاظ والتعابير:
الصُفاح والنكاح:
في سياق حديثه عن الزواج في تلك الفترة يقول أن الناس كانوا يقولون مثلا:" بت فلان صافحوها وصداقها كذا وكذا" ثم يضيف :" والصُفاح بضم الصاد هو عقدة النكاح" ثم يتساءل :" هل فروا من النكاح إلى لفظ السفاح فقلبوا سينها صادا وضموها؟".
وأرى أن الصُفاح أو المصافحة من الصفحة أو الشق والجنب. وذلك في إشارة خفية إلى الجماع. فالإنسان ينوم في العادة على جنبه وشقه وصفحته. بدليل قولهم:" فلان راجل صفحة ساي" أو كأن تقول امرأة لا تطمع في الولد والإنفاق: "فلان دا أنا دايرهو راجل صفحة ساكت". إي رجل معاشرة زوجية فقط من غير تحمل لأعباء المعيشة.
وما يعزز ما ذهبنا إليه ما جاء في لسان العرب:" الصَفح: الجنب. وصفح الإنسان جنبه وصفح كل شيء جانبه". كما ورد أيضا أن الصفحة هي جانب المخرج، يقول: "وفي حديث الاستنجاء: حجريين للصفحتين أي جانبي المخرج".
وبذلك يكون أصل الصُفاح في اللهجة السودانية بمعنى النكاح من الصفحة سواء كانت الصفحة الشق والجنب أو كانت بمعنى جهة العضو التناسلي كما جاء في حديث الاستنجاء.

تربال وتيراب:
يقول:" والتربال معيشته شقية. كما تقول المغنية. التربال أصلها تربان قلبت لامها نونا أي الفلاح لكدحه في حفر الأرض والتصاقه بالتراب". ص 23.
لقد استقر لدى أغلب الباحثين أن تربال وتيراب من أصل نوبي. غير أنني بخلاف هؤلاء أرى أن "تيراب" صيغة عربية في "تراب". جاء في معجم لسان العرب والقاموس المحيط ومعجم الصِحاح : " ترب وتراب وتورب وتيراب، كلمة واحدة".
لذلك أرى أن اللسان النوبي أخذ كلمة " تراب" و"تيراب" العربية السودانية واشتق منها الألفاظ الدالة على الزراعة وأجرى عليها التصريف الملائم للسان النوبي. ودليلي على ذلك معجم آرمبستور في اللغة الدنقلاوية النوبية: C. H Armbruster, Dongolese Nubian, Cambridge, 1965
حيث جاء : "تيرب" terib يزرع و"تيربون" terbun مزروع و"تيري" terri تيراب أي البذور التي تزرع وعملية الزراعة في الأرض. وأرض "تيربون" Arid terbun أرض مزروعة. لاحظ أن النوبية هنا أخذت أيضا كلمة أرض من العربية.
أما كلمة "تربار" النوبية بمعنى مزارع، فإني أرى أنها مشتقة أيضا من "ترب" وتراب" العربية. وما يقوي هذا الرأي هو قول دكتور محمد ابراهيم أبو سليم، وهو نوبي، أن تربار "أصلها في بعض اللهجات النوبية تربا بالألف المخففة. وقد زيدت الراء أو اللام ليأتي اللفظ على اللسان العربي". – انظر تحقيق د. يوسف فضل لكتاب طبقات ود ضيف الله – مقدمة الطبعة الثانية.
وقول أبي سليم أن الراء أو اللام زائدة يؤكد ما ذهبنا إليه من أن أصل تربار هو ترب وتراب العربية. أما "تربال" فأرى أنها هي تحوير لكلمة "تربار" النوبية وليست مشتقة مباشرة من "تراب" العربية". وقد قلبت الراء لاما لتناسب اللسان العربي.
هذا، ومن ناحية نظرية بحتة يجوز أن تكون اللام في "تربال" منقلبة عن نون، كما ذهب إلى ذلك الدكتور عبد الله الطيب. فالتبادل بين اللام والنون معروف في اللغة وبخاصة في اللهجة السودانية. فأهلنا يقولون: علوان في عنوان، وفنجال في فنجان، وكردفال في كردفان. أما من حيث الواقع فإننا نذهب إلى أن "تربال" هي تحوير من "تربار" النوبية والتي هي كما أسلفنا القول مشتقة من ترب وتراب وتيراب العربية.
والجدير بالذكر إن "تربال" بمعنى فلاح مستخدمة فقط عند أهل بحر النيل. ففي كردفان مثلا يقولون مِزارع بكسر الميم ولا يقولون تربال. وربما يعود ذلك إلى بعدهم من تأثير نوبية الشمال.

ودّر ووذّر:
في حديث مع أحد أقربائه يقول ذلك القريب لعبد الله الطيب: "يا ولدي الكلام اللين بودّر الحق البين". فيتوقف عبد الله الطيب عند كلمة يودِّر ويقول: "يودّر أي يضيع كأنها مشتقة من وذّر بتضعيف الذال. ويذر فصيحة وفي القران: لا تبقي ولا تذر.أي لا تترك. والتودير بمعنى التضييع أصلها من الترك". ص 18.
غير أن عون الشريق قاسم يرى في (قاموس اللهجة السودانية) أن ودّر ذاتها فصيحة وتعني ضيع وأهلك. يقول": ودّر المال: بذره وأسرف فيه".
ونرى أن ما أورده عون الشريف هو الصحيح إذ وجدنا أن معجم لسان العرب يعالج مفردة ودّر كمادة قائمة بذاتها ويقول:" ودّر الرجل توديرا: أوقعه في مهلكة". ولم يزد بأكثر من ذلك.
إذن التودير لغة هو التضييع والهلاك. فنحن نقول في أمثالنا: الطمع ودّر ما جمع. أي أضاع وأهلك. ونقول فلان ودّر حقه ساكت. وودّرني: ضيعني أو أضاع حقي. وودّرت الدرب: أضعته وضللت. ومن الأمثال: المودّر بفتح خشم البقرة. كناية عن فعل المستحيل في البحث. ونقول : فلان ودّر: إذا خرّف بسبب كبر السن فهو مودّر أي أضاع وفقد ذاكرته.
ونقول: فلان انت ودّرتني ولا شنو؟ أي هل أضعت تفاصيل وجهي فلم تتعرف عليّ. وفي هذا المعنى جاء في لسان العرب:" قال الأزهري: وسمعت غير واحد يقول للرجل إذا تجهم له ورده ردا قبيحا : ودّر وجهك عني: أي ّنحّه وبعّده".

البَرود والاستحمام:
يقول: " وكنا نقول البرود بفتح الباء وأنا ماشيء اتبرد أي ابترد .. يعني استحم كما نقول الآن. جاءت كلمة الاستحمام مع المدارس والتمدن.. وما كنا نقوله أصح لأنه أفصح ثم هو أشبه بأحوال بلادنا لأنا لم نكن نسخن الماء ولكن نصبه على اجسامنا بارداً". ثم يستدل بقول ابن أبي ربيعة:
زعموا سألت جاراتها * وتعرت ذات يومٍ تبتردُ
انتهي.
ونحن نضيف أن يبترد تبترد، استخدمت هنا في لغة الشعر. أما أصل الفعل في اللغة الكلام أو النثر فهو: تبرد يتبرد برودا تماما كما كنا نقول في كلامنا. فقد ورد في لسان العرب: "والإنسان يتبرد بالماء: يغتسل به" و" البرود ما اتبرد به".
هذا، وكانت كلمة برود ومشتقاتها مستخدمة حتى أيام طفولتنا في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ولا تزال مستعملة في غسل الميت.
ومن الطرائف اذكر أنه كان هنالك في منطقتنا بشرق كردفان رجلا "مسكينا" على قدر حاله كما يقولون، يعمل راعيا لغنم الحلة، سئل ذات يوم: يا فلان استحميت؟ فأجاب: لا اتبردت ساي. فقد فهِم أن الاستحمام لا يكون إلا بالصابون. فقد كان الناس في ذلك الحين حديثي عهد بكلمة الاستحمام وصابون "الريحة".
هذا، والحمام بمعنى مكان الاستحمام قد تغيرت دلالتها الآن وصارت تدل على مكان قضاء الحاجة والاستحمام معا. وكانوا في عهد طفولتنا يقولون لمكان قضاء الحاجة: " المُستراح" و"الكَنِيف" وكلها فصيحة. ثم حلت محلها كلمة "ادبخانة" وهي تركية ثم دخلت كلمة W.C الإنجليزية وترجمتها العربية "دورة مياه" واخيرا دخلت كلمة "حمام".

القونج والقعوي:
ومن التخريجات اللطيفة اللماحة ما ذهب إلى عبد الله الطيب في أصل لفظ قعوي وقعونج أي ضفدع. يقول:" ويقال للضفدع في دارجتنا القعوية واشتقاق ذلك من الإقعاء كما لا يخفى. كأنهم سموها إقعاءة ثم فخموا الألف يذهبون بها نحو الضمة وسهلوا الهمزة الثانية وحذفوا الأولى مكتفين بتحريك القاف فصارت "قعوية والجمع "قعوي" ومنهم من يقول قعونجة وقعونج وهي دارجة قبيحة. ولا يخفى أن الجيم تحولت من الباء، والنون من غنة مع التفخيم". ص 182،183.
ويتفق عون الشريف قاسم في ذلك مع عبد الله الطيب إذا يقول في ( قاموس اللهجة) في سبب تسميتها بذلك" ويظهر لأنها تقعى أي تجلس على إستها".
أما قول عبد الله الطيب أن قعونجة لغة قبيحة، قول لا قيمة له. وما هو إلا تقليد لعلماء اللغة القدماء في تقبيح بعض لغات "لهجات" العرب. ففي علم اللغة الحديث ليس هنالك لغة حسنة وأخرى قبيحة. فاللغات واللهجات كلها متساوية من حيث القيمة التعبيرية والجمالية. ولكن الإنسان بحكم العادة يستحسن ما يألفه ويستقبح ما لا يألفه.
هذا، وتستعمل لفظة قعوية وجمعها قعوي لدى سكان بحر النيل خاصة أما في كردفان ودارفور وغيرها فتستعمل لفظة قعونجة وجمعها قعونج. ومن أمثال دارفور: ألمي حار ولا لعب قعونج. أي الماء الحار لا يلعب فيه القعونج. أي أن الأمر أمر جد لا لعب.

القَرم والقِرم:
يقول:"كان اللحم لا يأكله أكثر الناس إلا عندما يقرمون إليه قَرما فيذبحون بهيمة يسمونها كرامة أي صدقة". ص19
ولكنه لم يتوقف عن كلمة " القَرم" ربما ظنا منه أنها معلومة الفصاحة. والقرم في كلامنا هو اشتهاء الشيء والرغبة فيه أو الشوق إلى رؤية شخص ما. يقولون: قرمت لأولادي طولت منهم فأنا قرمان. وقرمت لشوفتك. وقرمت لأكل اللحم.
وكل هذه المعاني وردت في المعاجم. يقول لسان العرب:"القَرم بالتحريك شدة الشهوة إلى اللحم. قَرم إلى اللحم يقرم قرما. ثم كثر حتى قالوا مثلا قرمت إلى لقائك. وفي الحديث كان يتعوذ من القرم وهو شدة الشهوة إلى اللحم".
أما القِرم بالكسر فهو في كلامنا القضم. قرم يقرم قرما وقرمة. وقرم الشيء فعابه إذا قطع من طرفه قطعة غير منتظمة فشوهه. وهكذا معنى القرم بالكسر في المعجم. يقول صاحب اللسان:" قرما قرمه قرما عابه. والقرِم: الأكل ما كان. قرم يقرم قرما إذا أكل أكلا ضعيفا. يقال : قرّمت البهيمة تقرّم. ويقال للصبي أول ما يأكل قد قرم يقرم قرما. والسخلة تقرم قرما إذا تعلمت الأكل".

سمِح وكعب:
يقول عبد الله الطيب:".. كويسة وبطالة ليستا من أصل الدارجة السودانية في شيء. وإنما كنا نقول: سمح وكعب. وكنت استغرب لقولهم الكعبة يعنون بيت الله الحرام كيف يكون بيت الله كعبة؟ .. وقد تبين لي أخيرا أن الكلمتين مختلفتان وأن كعب أي قبيح أصلها من طريقتنا في قلب الهمزة عينا كما نقول سعل في سأل والقرعان في القرآن".
ثم يضيف:" هذا، وكلمة كعب أصلها كأب تحركت الهمزة الساكنة ثم قلبت عينا ثم تحركت. والكأب: الغم ومن الكئيب والكآبة. فكلمتنا الكعوبية معناها الكآبة أو الكآبية بالنسبة إليها. وأما الكعبة، البيت الحرام، فاشتقاقها من التكعيب وذلك أنها بناء مربع. ويقال للجارية إذا تربع ثديها ونهض واستدار كاعب". ص 108،109
إذن كعب أصلها كأب من الكآبة قلبنا همزتها عينا. وقبل الهمزة عينا معلوم في اللغة وسميت هذه الظاهرة قديما بالعنعنة وقد اشتهرت بها قبيلة بني تميم. كانوا يقولون مثلا: " أشهد عنك رسول الله".
ومعنى كعب في لهجتنا سيء ورديء. أما القبيح عندنا فهو شين. وضد القبيح والشين: سمح. على أن للكعب والكعوبية معنى آخر كلامنا وهو البخل واللؤم. يقولون فلان كعب أي بخيل أو ليئم.
والسمح في لهجتنا هو الجميل الحسن والطيب0 نقول امرأة سمحة وسيارة سمحة وبيت سمح وأكل سمح أي طيب المذاق. كما تستعمل سمح في الرد على الطلب أو الأمر: فلان تعال أو فلان جيب موية، فيرد: سمح أي حسنا.
وسمح بمعنى جميل وحسن وردت في المعاجم ولكنها ليست من المشهور والمتواتر في اللغة وتكاد تنفرد اللهجة السودانية بين اللهجات المعاصرة بهذا الاستعمال. يقول لسان العرب: "وعود سمح بين السماحة: لا عقدة فيه.. وتسميح الرمح: تثقيفه وقوس سمحة ضد كزة.. ورمح مسمح: ثُقف حتى لان".
إذن التسميح هو التجميل والتحسين. وتشبيه الجسم بالعود للنضارة والإستقامة معروف في اللغة. ولذلك نقول في كلامنا امرأة سمحة وسيارة سمحة وبيت سمح إلخ..
والآن تأثرا باللهجة المصرية صرنا نقول: حلو بدل سمح. والشاميون يقولون مليح بمعنى سمح. وأهل الخليج يقولون: زين.
هذا، والشائع والمتواتر في اللغة أن السماح والإسماح والتسامح: الكرم والجود والتوادد والتراحم. يقولون: الشريعة السمحاء (والصحيح السمحة).
أما القبيح فهو في لهجتنا " شين" وهو كذلك في اللغة. يقول لسان العرب:" الشين معروف خلاف الزين وقد شانه يشينه شينا. قال ابو منصور والعرب تقول: وجه فلان زين أي حسن ووجه فلان شين أي قبيح ذو شين والشين العيب. والمشاين المعايب".
والغريب أننا في لغة الكتابة نستعمل يشين ومشين ولا نستعمل الصفة شين ربما ظنا منا بأنها غير فصيحة.
أما بطال بمعنى سيء ورديء وكويس بمعنى حسن وطيب وزين وسمح فليست أصلا في اللهجة السودانية وإنما وفدت إلينا من مصر.

الحُوار والحَواري:
الحُوار وجمعها حِيران في لهجتنا هو تلميذ أو مريد شيخ الطريقة الصوفية. ويرى الدكتور عبد الله الطيب أنها مشتقة من " الحَواري أحد الحواريين أصحاب سيدنا عيسى عليه السلام. وهكذا فسروا لنا زمان كنا في الخلوة وحسب بعضنا أنه من الحُوار ولد الناقة الذي يتبعها. وذهب إلى هذا الوجه الأستاذ الكبير د.عبد العزيز أمين عبد المجيد – رحمه الله- في كتاب له". ص 41
وعندي أن كلا الوجهين صحيح. فالتحوير كما جاء في معجم لسان العرب من "حار يحور والتحوير الترجيع". والترجيع هو التكرار والترداد والدوران مثل ترجيع نغمة معينة. ومن ذلك سمي وليد الناقة حوار لأنه يحور ويدور حول أمه الناقة. وسمي الحواري كذلك لأنه يدور في فلك سيده ولا يفارقه. وأرى أن الحُوار هو الأصل ثم نُسب إليه فقيل حَواريّ ثم فتحت الحاء.
يقول صاحب اللسان: "الحَواريون صفوة الأنبياء قد خلصوا لهم والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: الزبير ابن عمتي وحواريّ من أمتي أي خاصتي، من أصحابي وناصريَ. وأصحاب النبي (ص) حواريون.. قال ابن سيده: وكل مبالغ في نصرة آخر حواري".
أما ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن حواري المسيح سموا كذلك بسبب بياضهم أو لأنهم كانوا صائدو سمك فكلها أراء ضعيفة. وأما الحُور العين وحوَر العين فهذه من مادة أخرى.

المريسة والمريس:
المريسة كما هو معروف خمر بلدية تصنع من الذرة. ويذهب عبد الله الطيب إلى أن:" اشتقاق المريسة عربي لأنها تصنع من الذرة الممروسة في الماء. نقول مرس التمر وغيره. في الماء إذا أنقعته فيه".
وهذا صحيح لأن يمرس أو يمرص في كلامنا بمعنى يعصر الشيء بيده حتى يتفتت ويذوب في الماء. نقول مثلا مرص يمرص الكسرة. أي يعجنها ويعصرها (الكسرة بالموية).
وجاء في لسان العرب:"مرس التمر يمرسه إذا دلكه حتى ينماث فيه.. مرست أو مرثت التمر وغيره في الماء إذا أنقعته ومرثته بيدك. وفي حديث عائشة رضي الله عنها: كنت أمرسه بالماء أي أدلكه وأديفه".
وقد يظن البعض أن المريسة نوبية الأصل لخلطهم بين المريس والمريسة. والمريس قطعة من النهر منفصلة عن بقيته تتعثر فيها المراكب الشراعية. يقولون تمرست إذا تعثرت هكذا ( انظر عون الشريف- القاموس). كما أن هنالك ببلاد النوبة بلدة يقال لها مريس. وهنالك رياح تنسب إلى مريس هذه.
وكل ذلك قد أثبته ابن منظور المصري الأفريقي صاحب معجم لسان العرب إذ يقول:" مريس من بلدان الصعيد. والمريسية الريح الجنوب التي تأتي من قبل مريس. قال أبو حنيفة: مريس أدنى بلاد النَّوب التي تلي أرض أسوان".
وعودة إلى مريسة أذكر أن أحد الأصدقاء كان يقوم بترجمة كتاب لكاتب سوداني من الإنجليزية إلى العربية، فتوقف عند كلمة مريسة ماذا يترجمها. فقلت له المريسة هي المريسة لكنه تردد وقال لي أن المريسة كلمة غير مستساغة في العربية فقلت له أنها كلمة فصيحة. ولكنه أبى إلا أن يترجمها "جعة". فتأمل! كيف نفر مما عندنا إلى ما عند الآخرين وكيف نخشى أن نعرِّف الآخرين بلهجتنا وثقافتنا لمجرد أنها تختلف عن لهجة وثقافة الآخرين.

عنقريب وأنقري:
يقول:"وعنقريب العرس كان ينسج بالقد أي الجلد ويحمل الميت على العنقريب. ويقال لنجوم بنات نعش العنقريب.. وكلمة عنقريب من أصل سامي قديم ولعله حميري. والله أعلم". ص 35
لقد استقر عند الباحثين أن عنقريب (سرير بلدي) أصلها نوبي وذهب آخرون إلى أنها بجاوية الأصل. وتنطق في النوبية: أنقري. ولكن عبد الله الطيب لم يخبرنا عن هذا الأصل السامي القديم. وإذا لم تخني الذاكرة أنه ذكر في كتابه ( من نافذة القطار) أن شخصا من اليمن أو جزيرة سوقطرة جنوب اليمن على مدخل البحر الأحمر، قال له أنهم أيضا يسمون نجوم بنات نعش العنقريب.
وإذا صح ما ذهب إليه عبد الله الطيب فإن أنقري تكون منقلبة عن عنقريب. قلبت العين ألفا في اللسان النوبي أو البجاوي وحذفت الباء كما القلب الذي لحق بكلمة تيراب العربية التي تحولت إلى تيري.
أما الِقدّ فهي فصيحة. فقد جاء بلسان العرب:" القِدّ: السير الذي يقد من الجلد، غير مدبوغ تشد به المحامل". وتنسج ( تنجد) به العناقريب عندنا وقد اختفت الآن عناقريب القد والحبال وحلت محلها سراير حبال البلاستيك. أما القديد فهو:" ما قُطع من اللحم وشُرّر أو ما قطع منه طوالاً". وهذه هو الشرموط في كلامنا.
وشرّر الواردة هنا مستعملة في كلامنا. نقول يشر الهدوم أو الملابس لتجف. وفيها جاء بلسان العرب:" وشرّر اللحم والثوب ونحوها يشرّ شرا وشراه: وضعه على خصفة أو غيرها لتجف". وتستعمل عندنا مجازا بمعنى جعله ينتظر طويلا: يقولون فلان شراني.

اتبرا وقرّي:
الاسم الأصلي لمدينة عطبرة هو أتبرا. وعن أسباب هذا التحوير يقول عبد الله الطيب:" اتبرا كلمة بجاوية غير عربية إن شئت كتبتها ألفا كما تنطقها وإن شئت كتبتها تاء مربوطة: اتبرة. ثم إن المصريين الذين خطوا اسماء السكة الحديدية مع جيش كتشنر الفاتح فخموا الهمزة والتاء فكتبوا عطبرة فصار بعض الناس يقولون عطبرة وربما سمعت ذلك من الإذاعة أحيانا". ص116
الحقيقة الكل صار لا ينطقها ولا يكتبها إلا عطبرة! وفي تقديري أن المصريين الذين كتبوها هكذا كان في ظنهم أن السودانيين لا ينطقون العين إلا همزة فخيل إليهم أن الهمزة في اتبرا أصلها عينا!
ومن الطريف أنهم خطوا محطة جبل قرّي "جاري" على الطريقة القاهرية في كتابة كل الأسماء التي تبدأ بحرف القاف التي تنطق كما ينطق حرف g في كلمة go الإنقليزية. يقول عبد الله الطيب في ذات السياق:" اسم محطة جبل قرّي كتبه مرافقو جيش كتشنر"جاري" اعتمادا على نطق الجيم المصرية المقارب للكاف. فكنا نسأل أين هذا الجبل الذي يجري فقيل لنا أنها قرّي بلدة المانجل عبد الله جماع شيخ العرب العبدلاب الذي أقام مع المك الملك عمارة دنقس دولة سنار".

الأندراب والعنب الكاذب:
يقول:" الألواح في كسلا حسان ويصنع بعضها من الأندراب وهو شجر خشبه جيد غير ذي شوك وله ثمر حلو يؤكل. اذكر جرينا في كسلا نلتقط ثماره الحلوة ذات اللزاجة". ص 43
لا أدري هل الأندراب ( بالفتح أو الضم) هو العنب الكاذب؟ فثماره شديدة الشبه جدا بالعنب في الشكل الخارجي وفي الملمس وفي المذاق غير أن العنب أكثر حلاوة وفيه حداقة. ويكثر الأندراب عندنا بشرق كردفان ويوجد دائما بمراقد الماء مثل التبوب جمع تب والفول جمع فولة. وأذكر كنا نأكل ثماره أطفالا ونسميها "أم بلعو" لسهولة بلعها بسبب الزاجة.
وتستعمل أغصان الأندراب مطارقا جمع مطرق في بناء القطاطي والرواكيب والصرفان جمع صريف. ويستعمل لحاؤه في تكريب أي تربيط البناء كما يستعمل اللحاء في تضميد الجراح حيث يربط الجرح باللحاء فيتوقف النزيف على الفور ويبرأ الجرح سريعا.

فلان ود فلان:
يرى عبد الله الطيب أن اسقاط رابطة النسبة في كتابة الأسماء السائدة الآن جاءتنا من الإفرنج. فقد كنا حتى دخول الإنجليز وقبل التعليم النظامي ننطق الأسماء ونكتبها باثبات رابطة النسب: فلان ود فلان أو فلانة بت فلان. وهي امتداد للطريقة العربية الكلاسيكية : فلان بن فلان وفلانة بنت فلان.
غير أن هنالك بلدان لازالت متمسكة بالتقليد القديم فدول الخليج وبلدان المغرب العربي يستعملون كلمة "ابن" للربط. وهم في المغرب الكبير يستخدمون " بن" للولد والبنت على السواء مثل: خديجة بن قنة. أما في موريتانيا فلا يزالون محتفظين بكلمة "ولْد مثل: مختار ولد دادة.
وقد لفت نظري أن الدكتور يوسف فضل في تحقيقه لكتاب الطبقات لمؤلفه ود ضيف الله قد استبدل كلمة " ود" بكلمة "ابن" وكان يلزمه الإبقاء على كلمة ود كما هي فهذه هي الطريقة التي كانت جارية والتي تنسجم مع لغة الكتاب.

فطور وإفطار:
نقول في لهجتنا فطور. غير أن أستاذنا عبد الله الطيب استخدم كلمة إفطار في هذا الكتاب مرتين من غير أن يتوقف عندها ليقارن بينها وبين كلمة فطور كما درج أن يفعل.
يقول:" وتقدم بعد الإفطار جمال ( عبد الناصر) بقامته الفارعة وتحدث طويلا". ص 215.
وفي موضع آخر يقول :" فدعاني .. لحفل إفطار في شهر رمضان أقامه لتكريم المستر سكوت". ص 151.
وأغلب الظن أنه استخدم إفطارا هنا سهوا. فلو أنه فطن إليها لاستعمل بدلا عنها كلمة فطور أو على الأقل لتوقف عندها ليتحدث عن فطور المستخدمة في كلامنا. وذلك جريا على مذهبه الذي خطه في هذا الكتاب.
خاصة إذا علمنا أن إفطار هذه لا وجود لها في أمهات المعاجم العربية الكلاسيكية. فقد نظرت في أغلب هذه المعاجم وكثير من كتب اللغة والتفاسير والسير والتاريخ القديمة فلم أعثر على أثر لكلمة إفطار. توجد فقط كلمة فطور. وقد ورد في الحديث: عجلوا الفطور وأخروا السحور".
ولا أقول إن إفطارا خطأ لأن الفعل : أفطر يفطر فطورا ولذلك يجوز أن تقول إفطارا لكنني لم أجد إفطارا حتى في تصريف الفعل أفطر بالمصادر التي أشرت إليها. واللافت للنظر أننا صرنا نقول الآن: إفطارا تأثرا باللهجة المصرية. وإفطار في اللهجة القاهرية أصلها "فطار" أضافوا إليها الألف لتفصيحها. وسائر العرب تقول فطور حتى في مصر إلا من تأثر منهم باللهجة القاهرية.
كان يمكن ان نتوقف عند المزيد من الألفاظ والتعابير والنوادر التي وردت في كتاب الراحل العظيم عبد الله الطيب ولكن خشية الإطالة نكتفي بهذا القدر.
++++
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1880

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1291781 [طارق مون]
0.00/5 (0 صوت)

06-24-2015 12:02 PM
كتر خيرك كتير أستاذنا عبدالمنعم, لقد فاتني الكثير من كتاباتك المدهشة حقا و علي أن ألحق بما حفظه الإرشيف منها

[طارق مون]

#1174246 [ود ميدوب]
0.00/5 (0 صوت)

12-22-2014 07:08 PM
(حيث جاء : "تيرب" terib يزرع و"تيربون" terbun مزروع و"تيري" terri تيراب أي البذور التي تزرع وعملية الزراعة في الأرض)
لك الشكر
اريد ان اقول بان عند قبيلة الميدوب والتى لا نزال تحدث باللغةالنوبية القديمة,
terri يعنى تيراب و تونباء يعنى مزارع وهى تتكون من مقطعين , تو يعنى مزرعة و باء يعنى صاحب والنون للاضاقة , اى صاحب المزرعة. لذلك اقول ان الكلمات تربال , تربار وتونباءهى كلمات توبية من اصل واحد ولكنها لا تعود الى كلمة التراب العربية.

[ود ميدوب]

#1173477 [محمد عبدالله الحسين]
0.00/5 (0 صوت)

12-21-2014 04:38 PM
الأستاذ عبد المنعم
لك التحية على مقالك المفيد.حقاً إننا في السودان قد بدأت تختفي بعض الكلمات من حديثنا. و ذلك إما بفعل التمدن أو التحضر أو بفعل التمازج الثقافي و المثاقفة و أجهزة الإعلام العربية. لذلك أمام علماء اللغة واجب (و إن كان أكبر من إمكاناتهم هم لوحدهم) و هو عمل خارطة لغوية أو سجل للكلمات المستخدمة الآن أو في الماضي و تحديث التغييرات التي تتم حتى لا تضيع موروثاتنا و مساهماتنا في مجال اللغة.

[محمد عبدالله الحسين]

#1173234 [زول عنقالي]
0.00/5 (0 صوت)

12-21-2014 02:38 AM
"أما قول عبد الله الطيب أن قعونجة لغة قبيحة، قول لا قيمة له"
ما هكذا يخاطب العلماء يا كاتب المقال!!

على كلٍ .. شكراً على المعلومات التي حواها المقال.

[زول عنقالي]

ردود على زول عنقالي
[الأزهري] 12-21-2014 08:19 AM
يا عنقالي ما تقرأ باقي الكلام كلو ( في علم اللغة الحديث ليس هنالك لغة حسنة وأخرى قبيحة) - يعني البقول قعونج ما حيغير لقعوي لأن البروف لا يستحسن كلمة قعونج والبروف ما قال الكلمة الأخيرة دي غلط وما في أصلا لغلط وصاح انت كدارس عليك برصد عامية الناس كما هي ولك تتحفنا بالفروقات العامية للمسميات في كل منطقة - زي البقول يا تقعد ساي وآخر يقول تقعد ساكت - عليك أن تفهم مراد الأثنين واحد وإذا ما عارف اسأل مش تقول ليهو ياخي قول ساي.


عبد المنعم عجب الفيا
عبد المنعم عجب الفيا

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة