غابة وأسدها حمار
02-24-2011 01:01 PM

رأي

غابة وأسدها حمار

عقيد د.مهندس فتحي ميرغني محمد صالح

الطرفة التي أود ايرادها ليست من قصص «كليلة ودمنة» ولكني سمعتها من جهاز الراديو الذي كان موزعاً في غرف الداخلية. ولم يكن يُسمِعْ الا محطة واحدة: اذاعة مسكفا.
كان ذلك في عز أيام الشيوعية، أيام طيب الذكر نيكيتا خرشوف، حيث قضيت في الاتحاد السوفيتي، بموجب منحة من وزارة المعارف السودانية، الفترة الدراسية الجامعية «ممتطة شوية» من أواخر 59 حتى أوائل 68 من القرن الفائت. «الدكتوراة فيما بعد من انجلترا.. حتى لا يحدث الالتباس».
كان ذلك في أحد صباحات الآحاد حيث تقدم الاذاعة، بمناسبة العطلة الأسبوعية، برنامج منوعات ترفيهيا، مثل برنامج الجمعة «ساعة لقلبك» في اذاعة صوت العرب الذي كان يقدمه المرحوم الاستاذ محمد أحمد المصري المشهوربـ «أبو لمعة» والذي عمل بداية الخمسينات مدرساً للرسم في المدارس المصرية بالسودان.
حكى الطرفة، على لسان الحيوانات، الفكاهي الساخر الكبير أركادي رايكن، قال: عقدت الحيوانات اجتماعاً في احدى مناطق الغابة لمناقشة بعض أمور منطقتها، برز في الاجتماع بصورة ملحة وعاجلة موضوع نقص مرتب المنطقة «فيما يتعلق بالعدد» من الأرانب ارنبا واحداً، وتوجب بالضرورة الحسم العاجل. بعد نقاش مستفيض حتى وقت متأخر، لاحظ احد الأفيال ان عدد الأفيال قد زاد عن الكفاية التي يتطلبها المرتب وانه لهذا مستعد أن يضحي بنفسه لسد النقص في مرتب الأرانب. قابل المجتمعون بالاجماع هذه التضحية بالاجلال والاكبار واعتمدوه «الفيل كله» أرنبا.
انخفضت مخصصات الفيل من البرسيم وضرورات الحياة الأخرى بصورة دراماتيكية لا يقوى على احتمالها حتى أولو العزم من خلائق الحياة الهالكين. لكن الفيل تقبل بكل رضا ورحابة صدر. ومضى في سبيله - لا يلوى على شيء - يواجه مصيره. ويلكأنه أضمر ما أفضح عنه لسان حاله: «هي لله.. هي لله!!» التي تقذف بها كالحمم حلوقنا نحن.. بني البشر الكضابين. وذات يوم والفيل يرقد متهالكاً، كوماً من العظام، في ظل شجرة، تحت دثار كثيف من الذباب والهوام والقراد، صابرا متقبلاً المحتوم، اذا بأرنب، ضخم مثل فيل، يمر عليه، وباستغراب يتساءل:
- ما الذي أصابك يا عمي الفيل؟، مالك بهذا الحال؟
وما ان علم الأرنب بالحقيقة حتى كاد يقع على قفاه من الضحك مما يحدث في الغابة. وشارحا للفيل قال: أما في ولايتنا فالامر عكس ذلك تماما.
ولهذا تطوعت انا لسد النقص في مرتب الأفيال. وعليه فقد تضاعفت مخصصاتي من البرسيم والبقول اضعافا مضاعفة وهو ما ابلغني هذا الحد من السمنة المهولة. بكى الفيل من شدة ما احس به من الظلم الحائق المائق واستغرب ان يبلغ سوء الادارة في الغابة هذا الحد وقرر ان يتظلم لأعلى سلطة فيها.
انعقدت المحكمة برئاسة الأسد بعد فترة شهرين استطاع الفيل خلالها جمع الشهادات والوثائق التي تدعم قضيته. أوضح الفيل في خطبته انه ظل على هذا الحال كذا من السنوات في الوقت الذي كان فيه الحل متاحاً بعملية نقل روتيني بين المناطق طالما الكل في غابة واحدة وتحت سيطرة سلطة واحدة.
وأكد ثقته في عدالة المحكمة لتنصفه وتقتص له. انفضت المحكمة للمداولة. ثم انعقدت لتلاوة الحكم والقرار: لقد راجعت المحكمة بصبر طويل ودأب كل شهادات المدعي المدرسية والجامعية وشهادات الجنسية والباسبورت وشهادات السكن الصادرة من المجالس الشعبية، وكلها تشهد بان المدعي أرنب وليس هناك أدنى دليل على دعواه بأنه فيل.
خرج الفيل من المحكمة والدنيا مظلمة في ناظريه «وشه يلعن قفاه»، غير أن الثعلب وقد حضر الجلسة لحق به مهونا ومواسياً:
- يا عمي الفيل داير ليك عدالة في غابة أسدا «أسدها» حمار؟!..

*أ.مشارك/ جامعة أم درمان الاهلية

الصحافة


تعليقات 3 | إهداء 1 | زيارات 2527

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#101672 [عبدالله ود سعد]
0.00/5 (0 صوت)

02-25-2011 12:03 AM
أسدنا طلع حمار مخنث ...


#101659 [القنداوي ]
0.00/5 (0 صوت)

02-24-2011 11:28 PM
والله أنا لم أفهم رتبة كاتب المقال التي تسبق لقبه ودرجته العلميتين .هل هو أحد منسوبي القوات النظامية ولا زال على رتبته؟؟. وإنني أعتقد بأن القصة تنطبق كليةً على السودان حيث أن الفيل هو الشعب وأسد الغابة الحمار دا إنتو عارفنو زي جوع بطونكم ولا خلاص من كثرة الجوع أصبح الإحساس به ضعيفاً.


#101342 [محمد حسن أحمد]
0.00/5 (0 صوت)

02-24-2011 02:48 PM
ياريت غابتنا لو كان أسدا حمار بس طلع حمارة


عقيد د.فتحي ميرغني محمد
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة