المقالات
السياسة
الســودان المَغـُـولي أو الخـراب المستدام "12 "
الســودان المَغـُـولي أو الخـراب المستدام "12 "
12-25-2014 06:42 AM

لم يتفق بعد علماء الإنسانيات على تعريف واحدٍ جامعٍ للثقافة ولكنهم لم يختلفوا كثيرًا على المصادر المكوّنة للثقافة الإنسانية، ومع عدم إغفال أهمية التوصل لتعريف مشترك إلا أن تحديد المصادر الأساسية للثقافة وجذورها له أهمية بالغة لكونه لا ينأى بعيدًا عن محور توصيفها وإحداثيات تعريفها، وذلك لكون هذه الجذور حسب قوتها هي المحرك لسلوك الفرد والمجتمع، ومن هنا تتضح أن الثقافة ليست هي أوفر المحركات حيوية لسلوك الفرد والجماعة فحسب بل ومانحة الجماعة هويتها. بينما ينظر عالم النفس الاجتماعي هوفستد (Geert Hofstede)للثقافة على أنها برمجة العقل الجماعي التي من خلالها يمكن تمييز أفراد جماعة ما... دون غيرها". إن عدم الاتفاق على تعريف جامع للثقافة ليس مردّه لتقاصرٍ فكري بقدر ما يكشف أن هذا الحقل لابد أن يستعين بشتى ضروب المعارف الإنسانية ليخرج بإجابة غير منمّطة.

ألا إنه من خلال تحديد جذور الثقافة يمكن معرفة أصل الثقافة السودانية ومن خلال الأخيرة يتيسّر التجوال في دهاليز الشخصية السودانية عامةً للوقوف على أهم نقاط التأثير التي مازالت تُمارس بنشاط في عملية الخراب المستدام. أما جذور أي ثقافة في تقديري لا بد أن تشتمل على، هوية الجنس البشري وهي صبغتها، اللغة وهي وعاء فكرها، المعتقدات والأديان والتاريخ والموروثات وهي فلسفة معيشتها، والبيئة المكانية وأنشطتها وهي مسرح عرضها.

إن أبرز مناهل السودان التي شكلت هويته الثقافية ترجع إلى الجذور الإفريقية/الكوشية و من بعد العربية، الديانات المحلية والمسيحية والإسلام، إرث التقاليد والعادات والأساطير والخرفات ، بالإضافة إلى بيئة السودان التي تنحصر بين الغابة والصحراء، فمن ازدواجية الجذور الإفريقية والعربية تولد صراع الهوية لأن مدخل الثقافة العربية للسودان – البقط - قام على التعالي والقهر والاسترقاق، ومن تراكم الديانات يُرجى أن يتصدر سلوك التسامح الديني السائد العام إلا أن خلل صراع الهوية الإفريقي- عربي انتكس بالكثير من مظاهر التراكمات الإيجابية، وأما من خلال الأساطير والغيبيات والصوفية فقد تشكلت القدرية والاعتماد على قوى خارجية تمتاز بقدرات فوق طاقة الإنسان يستعين بها اعتباطـًا، ومن خلال بيئة الغابة والصحراء تحددت الهوية المكانية، ونوع غذائه، ملبسه، مسكنه ونشاطه، ومن هنا نتج نوع سلوكه، كل ذلك سعيًا وراء إجابات غيبية لأسئلة حاضرة خشية الجوع والخوف.

إن أهم الأسباب التي شكلت تراجعًا في سبر كُنه سيكولوجية الإنسان السوادني هي عدم توفر دراسات كافية وصارمة تغطي السودان كله، تعتمد على نتائج علمية من عرق الجهود الأكاديمية ومراكز البحوث بتطبيق المسوحات البيانية والميدانية المستمرة التي لا تكتفي بتأصيل الجذور الثقافية ونحوها بل وتترصّد الظواهر الوليدة للمواكبة والتنبؤ باتجاهات المجتمع المستقبلية.

ونظرًا لشح المصادر في هذا المجال، فإنه ولا مندوحة من الاستعانة بدراسات من البيئات المشابهة التي تشترك وبيئة السودان في العديد من الصفات لتقريب (بورتريه) الشخصية السودانية، ومن المراجع المضيئة ههنا كتاب (التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور) للدكتور مصطفى حجازي، كما ولا استغناء عن الوقوف على ما توفر من جهود الأكاديميين السودانيين الذين أسهموا في هذا المجال.

إن أول ما يتبادر من وصف للشخصية السودانية إذ ينطبق عليها وصف (الإنسان المقهور). هذا الوصف القاتل الذي جاء به مصطفى حجازي في كتابه آنف الذكر وأورد لمسبباته العناصر المتوفرة بقوة في مجتمع الإنسان اللبناني، هي ذاتها المتوفرة في شخصية الإنسان السوداني. إن التوطئة الأولى في سلسلة العنف الذي يواجهه الإنسان المقهور تبدأ بما أطلق عليه (عنف الطبيعة) وهو أن يعيش الإنسان المقهور في عالم من العنف المفروض: تصحّر جفاف، فيضانات، آفات، أوبئة إلخ..." هذا العنف يجعله يعيش في عالم الضرورة وفي حالة فقدان متفاوت في السيطرة على مصيره وهذا ما يعيشه أغلب إنسان السودان الذي حصر نشاطه في الزراعة البدائية والرعي غير المنظم لمئات السنين. وإزاء ذلك القهر لا تتدخل أي جهة رسمية بثقلها لإيجاد حلول مستدامة وإنما تتركه يواجه هذه الأغوال بنفسه، فأصبح إنسان هذه البيئة مقهورًا يواجه هذه الكوارث بمفرده كما هو الحال في المجاعات المتوالية في السودان من سنة ام لحم إلى سنة ام عضام ومجاعة 1984م التي شيد لها معسكرات مثل المويلح والشيخ أبوزيد لاستقبال النازحين بعد فوات وبعد أن هلكت مواشيهم ومات الكثير منهم انتظارً. وفي بيئة دورية هذه شاكلتها لمئات السنين لا يبقى للسوداني المقهور غير الاستسلام بالتقرب لهذه القوى التي تهدده "الإنسان المتخلف لديه ميل فطري لأنسنة الطبيعة" أي يتعامل معها كإنسان إلهي يعطف فيعطي ويغضب فيمنع ومن هنا تم تقديم القرابين لها خوفًا وطمعًا.

يلطّف الإنسان المقهور من مواجهته لقهر الطبيعة بالتوسل إليها والاستعانة عليها بالماورائيات، لذا تتوالد في مثل هذه البيئة الخرافات و تُشاد قباب التصوف على طول الوادي وعرضه وتُعلّق التمائم – الحجبات- وتُضاع الأبخرة و ويُعظّم الحكي بتناسخ المعجزات وتخفق للتطيّر والحسد والعين والجن والعفاريت راياتها فتُسلِّمُ الذات المقهورة نفسها للقدرية الواسعة.

تلحق بجيوش قهر الطبيعة قهر السلطة المتمثل في الغازي ومن بعده الدكتاتور الوطني حينها لا يجد المقهور مكانَا له غير أن يجثو على ركبتيه ويرفع راية الرضوخ والتبعية فالدونية لهذه الجيوش الخميس العرمرم ليشرع في التزلّف لها والمبالغة في تعظيمها حتى تصل العلاقة أن يفقد الإنسان إنسانيته وهي المرحلة التي وصفها حجازي بالتشيؤ، بينما في الجانب الآخر تتضخم ذات السلطان للدرجة التي تفقد فيها الإحساس بالآخر المقهور كإنسان وهذا سر القسوة المفرطة بلا رحمة من قبل القاهر. ههنا تتجلى عقدة النقص لدى الإنسان المقهور فيرى في الغازي الأبيض نموذج الإنسانية الكاملة بينما يرى ذاته من التفاهة بمكان أن يناهضه. ثم تتحور عقدة النقص إلى عار، عار الدونية، عار الاسترقاق، " فيعيش كعار وجودي يصعب احتماله" وهذا ما ذهب إليه الكثيرون على أن الإنسان السوداني (كارِهٌ لذاته) تواقٌ لأن يتماهى في الآخر الغازي، الأبيض، العربي، الوجيه، وقد هرع قبل أكثر من خمسمائة سنة إلى ذات الأسباب منذ أن أملى السمرقندي – مجهول- لسلطان مملكة الفونج (السوداء) أن يرسل نسب قبائل السودان إلى الاستانة على أنها عربية، ومن ثمَّ بعد احتكاكٍ مع السلطان الغازي ومعرفة شيءٍ من الكتابة بخط عربي يحاكي المسماري استؤنفت مرحلة اختطاط التاريخ القرشي، وما الإقبال الواسع على وسائل تبييض البشرة الحالية إلا لعقدة القهر المتّسقة في لولب جينات مشروع التماهي مع السلطة منذ القدم.

إن الأساليب الدفاعية التي يتخذها الإنسان المقهور لمواجهة العنف بنوعيه ليحس زيفًا بالتوازن ويبعد القلق تتلخص في الانكفاء على الذات عبر التمسك بالتقاليد والرجوع إلى الماضي المجيد، وكلما ازداد التخلف في المجتمع أوغل الإنسان المقهور في السلفية. ومن الأساليب الدفاعية الأخرى الذوبان في الجماعة -العشائرية- القبيلة المفضية إلى الاتكالية، وبإجراء اختبار مبسّط على الهواء بسؤال عن نسبة الزيجات بين أبناء العمومة والخؤولة في السودان؟ سيندلق على إثره صندوق البندورة الذي يؤكد قوة التمسك بالتقاليد والقبيلة وهزيمة مشروع الوعي الوطني بسفور. كما يعزز أن هذه الأمة سبق أن انتاشها الرق لا محالة، فمن كانت وحدته الوطنية لا تعدو أرنبة أنف قبيلته فإن جيوش الغازي كفيلة باسترقاق سُراة القبيلة تلو القبيلة من حلفا وإلى نوملي وقد سبق ذلك تاريخًا، تأكيدًا على مبدأ “إن التخلف هو ثمرة الاستغلال والاستعباد".

لخّص البروفسير عبد العزيز مالك الشخصية السودانية في ثلاثة أبعاد هي: التواضع باستصغار، سرعة الغضب والتأني في تحقيق الطموح على الرغم من وجود الإمكانات، ولعله رسم مخططًا للشخصية السودانية داخل ثلاثة أضلاع: الضِعة، الحمق، والكسل. وكشفت الدكتورة ناهد محمد الحسن سيرة الذات السودانية بأن “خلّفت سيرة القهر الطويلة والمستمرة ندوباً فى الذات السودانية أثرت فى نظمها المعرفية ورؤيتها للذات من خلال النظرة الدونية وعقدة النقص. وبالتالى حكمت ردود أفعالها تجاه واقعها والتى اتسمت في مجملها بالسلبية والانسحابية وانعدام المبادرة والفعل الإبداعي والتماهي مع القاهر" وهذا ما يؤكد عليه هذا الخيط وما اتسق ونظرية د. حجازي في الإنسان المقهور. وعرّفت المرحلة التي يتواجد السودانيون حاليًا فيها بالمرحلة التي "مات غول القهر فيها" وقد تكون هي بداية لتلك المرحلة إلا أن غول القهر (فينا) لم يمت بعد، إنما الذي يجري في دمائنا منذ آلاف السنين هو غول القهر-الإنسان المقهور- وأكثر آثار القهر بقاءً فينا حتى اليوم هو الرق، والرق لم يبدأ قبل ألف سنة فحسب أو انقرض اليوم، ولتكن تسميته -الرق النفسي- بمعنى قد تكون حقب الرق التقليدي من سلاسل وكرباج بيعًا وسخرةً قد ولّت معظمها، ولكن تبقّت آثارها النفسية في الشخصية السودانية لدرجة تحكّمها في الكثير من سلوكه. إن الرق النفسي أسوأ من الرق التقليدي لأن بمقدور الإنسان أن يظل حرًا ولو تعرّض لاسترقاق فعلي وفي عزيمته تظل شرارة التحرر متقدة، أما الرقيق النفسي فقد ماتت بفعل القهر المستمر في داخل ذاته شرارة التحرر، كما ولا يرجى استشفاؤه بوصفات عاجلة، وهذا ما توقف كثير من دعاة الإنسانية عنده بأن الإسلام لم يحسم أمر الرق بضربة لازب.


إن الجرح الغائر في جسد الإنسان قد يبرأ ولكن قلّ أن يندمل سطحه تمامًا فما بال جرح النفس! إنّما قاساه إنسان السودان قديمًا وإلى اليوم هو عينه ما قاسته بنو إسرائيل في الماضي البعيد، إذ من جراء سنين الرق الطويلة من قِبل الفراعنة حتى استكانوا فيها للرق وقبلوه كواقع ولم يحاولوا قط أن يخرجوا من بئر الرق تلك بثورة تحرر، لولا أن تداركتهم رحمة الله بنبيٍ منقذٍ ومعجزاتٍ إلهية حيّة، وبعد عملية تحررهم الشاقة تم اختبارهم وهم خارج مصر وذلك بدعوتهم لتحرير بيت المقدس فسقطوا في أول اختبار للحرية وآثروا حياة الرق. إن كل المعجزات التي رأوها رأي العين من نبيهم والتي من ضمنها تحررهم بعبورهم البحر لم تعتقهم من فوبيا الرق! حينئذٍ كان الحل الذي لا مفر منه هو إبادة جنس العبيد بكامله بعقوبة مقدارها أربعين سنة تيهًا وهي كفيلة بالقضاء على جيل كامل – حقبة الجيل= 33 سنة-وإنما فضلة السبع السنين الزائدة –كفضلة خير-حتى يتم الفصل بين الحقبتين تمامًا لكيلا تمتد عدوى الرق إلى ما بعدها من حقبة التحرر، ويولد أحرار من أصلاب العبيد في أرض الأحرار ليحرروا قبلتهم. إن الحرية التي تُمنح دون كد لهي حرية زائفة وإن الاستقلال الإمبريالي الذي يوهب هبةً لا يرجى منه استقلالٌ حقيقي، أما من ساقه قدره إلى الرق السرمدي فمصيره إما أن يتم استئصاله من الأرض وإما أن يوطّن نفسه ومن بعد نطفه لرقٍ أبدي، وإلا وهو في أمس الحاجة لعملية جراحية قاسية وهزات عنيفة لتعاد لذاته سيرة إنسانيته الأولى.


لإن ثبت أن الإنسان المقهور مأزوم حقيقة فإن الصفات الشخصية مثل الكسل والحقد والمحاكاة و(الغتاتة) والمكر والتبخيس والكراهية والحمق واللامبالة لا يستبعد أن يمارسها المقهور على بني جلدته دون الآخر الأجنبي الأبيض المتسلط الذي يتقزّم في حضرته، وبعرض مثال واحد من الصفات الشخصية السالبة سيغني عن كثير.

إن صفة الكسل التي ألقى بلائمتها تهرّبًا (رمتني بدائها وانسلت) بعض مواطني الدول العربية وقد بلغ بالبعض من الحماس الوطني لتفنيدها، إنما أصلاً أطلقها المصريون على السودانيين من جراء تنافس سوق العمالة في دول الخليج النفطية لما امتاز به السودانيون من صدق واتقان في العمل، لواحدة من مثالب الشخصية السودانية الكبرى وهي من نفايات الرق النفسي التي تستوجب دفع مكوس عليها.

تميّز السودان منذ القدم على كثيرٍ من الدول بقلة الكثافة السكانية وذلك مرده لكبر المساحة وتعرضه للحروب المستمرة سواء كانت الحروب البينية أو بفعل الغزو الخارجي مما أدى إلى التجريف السكاني بسبب آلتي الحروب والرق ومكنسة الأوبئة، بينما بالمقارنة بدول مثل مصر ونيجيريا الإقليميتين اللتين تمتازان بالكثافة السكانية العالية التي جعلت من بيئتيهما أكثر تحفيزًا للتنافسية الفردية ومدرارة للنشاط البشري نجد الفرق شاسعًا بين مراتع الكسل هنا ومضارب الكد والنشاط الدؤوب هناك. في بيئة مثل السودان والتي كان عدد سكانها في عام 1900م لم يبلغ المليونين نسمة يعيش فيها الإنسان شهورًا ولا يرى إنسانًا آخر على مدى مرمى بصره، وبتوفر سبل العيش الأولية وانتفاء المشارك الذي يحرّض على التنافسية ورث الإنسان السوداني الاسترخاء والكسل لعدم الحاجة التي هي أم الاختراع. عامل آخر مدعاة للكسل يكمن في المناخ الحار الجاف والذي لأشعة الشمس تأثير مباشر في تكسير كريات الدم الحمراء فيصيب المرء بالتراخي ولهذا لم يُشرع بعد في إيجاد وقاء له وإنما ظل الكسل نفسه ينصب المشانقَ لكل من تأفف من الحر أو اتقاه بمظلة! (إن اتخاذ المظلة لقندفة) ضف إلى ذلك أن الرزق في السودان وإلى يومنا هذا لم تكن للحكومات الكسولة سعيٌ فيه، فإن أغلبية الناس تعتمد على الأمطار في ريها ومرعاها وما تبقى من معظم شهور السنة يقضيها الناس مواسم مناسبات أو قيلولة أو احتراب،(القطاع الزراعي يشكل 80% ، القطاع الصناعي يشكل 7% والقطاع الخدمي يشكل 13% - المصدر The World Factbook ) ومن هنا اعتمدت الأسرة النواة الأولى للمجتمع كليًا على عائل واحد فيها، واتكأت الأسر بدورها على القبيلة والمجتمع المحلي سواء في حصاد محصولها أو بناء أكواخها أو صناعة جعتها بل حتى اليوم لا توجد وظيفة في السودان تسمى حانوتي لأن المجتمع البطريقي موكول بالقيام بدوره الكامل تجاه الفرد والجماعة من لدن (السماية) وحتى مغادرة الإنسان السودان نهائيًا بحاجب الموت، فأصبح عمل الإنسان (فضل كفاية) إذا قام به المجتمع سقط عن الفرد. مجتمع هذا ديدنه تسنده نصوص مقدسة موروثة بالسنين وصوفية ميتافيزيق تؤكد أن (الله ما شق حنكًا ضيعه) والعرجا لمراحها، وموت الكتيرة عيد والزاد البكفي واحد بكفي ميّة، لا غرو سيكون مرتعًا للكسل الممنهج حتى وإن اجتهد الكثيرون بمنطق مقعّر في نفي تهمته.

خُلاصًة، إن الدواعي الأساسية التي كتب بموجبها د. حجازي كتابه المركوز هذا هو أنه رأى كثرة الدراسات التي تم تقديمها منذ الخمسينيات لحل قضايا التخلف لما يسمى بدول (العالم الثالث) ولكنها لم تلامس شغاف القضية. فقد ذهبت الخطط المستوردة طبقًا لنماذج البلدان الصناعية بينما تم إغفال النظر إلى إنسان هذه المجتمعات ولم ينظر إليه باعتباره محورًا أساسيًا في خطط التنمية، وأسقط من منظورهم البعد الذاتي (الإنساني) والبعد الموضوعي الاجتماعي الاقتصادي وفهم العلاقة الجدلية بينهما. لذا ذهبت كل الجهود أدراج الرياح. ولا يغفلنّ في ذلك عملية الاستيراد المضطردة للوصفات السياسية والفكرية - مع عدم التقليل من أهميتها- التي ما فتئ أبناء هذه المجتمعات يقومون بنقلها إلى مجتمعاتهم من العالم الصناعي دون تروي، وغفل متبنوها أن المشكل الأساس يكمن في الإنسان المقهور في ذات نفسه داخل مجتمعاتنا ، فبينا أن هذه القضايا قضايا الساعة وملحة لدى العالم الذي ابتدعها، فهي لدى عالمنا الذي يرزح تحت القهر مجتزئة وثانوية بل إن حامليها لما يُعانونه من سُـل القهر في أنفسهم ليس بمقدورهم حملها أبعد من محيط قهرهم.

وحسب المعطيات التاريخية السابقة، فقد ثبت أن انهيار مملكة الفونج على يد الغزو التركي – المصري تم لعدم توفّر عنصر الوحدة الداخلية، وهوى نجم المهدية لارتباطه بأشطانٍ غير مرئية ممدودة بالسماء ولم يدر بخلدها أهمية الوحدة الداخلية التي دونها، وتساقطت الحكومات الوطنية والعسكرية على التوالى لعدم اكتشاف إكسير الوحدة الوطنية. بل إن أهم عوامل استمرار الاسترقاقات الحسية السابقة والاسترقاق النفسي الكائن كان وما زال لغياب عرى الوحدة ونبذ الاختلاف! وهذا ما جاء به ثوار اللواء الأبيض ولكن تم تبخيس فكرتهم، وهذا ما فلسفهُ الدكتور جون قرنق بمصطلح (السودانويّة) القاسم الوحدوي المشترك الأعظم لهذا التراب، ليبقى الشرط الوحيد الذي لم يجرّب لبقاء السودان وبقاء أمة.


آدم صيـــام
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 820

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1176322 [daldoum]
0.00/5 (0 صوت)

12-25-2014 11:02 PM
وجد قرابة 3000الف طبيب سوداني بين تخصصات مختلفة وبعضها نادر في بريطانيا ،فمابالك ببقية اوربا واميركا ودونك دول الخليج فضلا عن اساتذة الجامعات وقارن هذا مع اي دولة كانت عربية او افريقية ،اين الكسل؟
هنالك السكة حديد على طول وعرض السودان، وورش القطارات تم تشيدها هؤلاء السودانيون
ومصانع النسيج واولهم مصنع النسيج السوداني والذي كان يحوي اكثر 20000الف عامل وفني ومهندسين وميكانيكيين وووووالخ ومشروع الجزيرة ومواسم الحصاد كله تم بسواعد سودانية مشمرة عن ساعدها وقت الجد والكد ،والرعاة الذين يقطعون الاف الكيلوميترات في ترحالهم وكانوا بناة كل المنشآت ودور التربية والمستشفيات والابنية، لم ياتوا باجانب شغيلة بدلا عنهم ، وطلاب العلم الذين كانوا في بدايات مراحلهم الدراسية يقطعون يوميا المسافات الطوال لمواصلة الدراسة والتحصيل ، اين الكسل هنا .
كل ما نفتقده هو الادارة السياسية وأنسنة السياسة والسياسات ‘وفيما يتعلق باتفاقية البقت ، ارجو أن تفيدنا اما اذا كان ملك النوبة آنذاك يقوم بارسال تلك الجموع من شعبه ام انهم من اسرى حروبه مع الممالك المجاورة كالحبشة مثلا.

[daldoum]

#1176017 [الحقيقة مرة]
0.00/5 (0 صوت)

12-25-2014 09:48 AM
دا العمق المفروض يتكتب ويتقري

[الحقيقة مرة]

آدم صيـــام
آدم صيـــام

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة