المقالات
السياسة
جيل الفراشات الشيوعي: قريب الله الأنصاري
جيل الفراشات الشيوعي: قريب الله الأنصاري
12-26-2014 10:11 PM

ينعقد اليوم الجمعة 26 ديسمبر 2014 تأبين الدكتور قريب الله الأنصاري بتايسون كورنر بولاية فرجينيا. وهذا تأبين آخر يعقب تنادى الناس لمثله بجامعة الأحفاد بأم درمان في 23 ديسمبر الماضي. والتأبين، كصورة موسعة من النعي، فرع غريب في تاريخ الرجال والنساء. وبلغت من أهميته المرجعية عندي أن قلت مرة إنني أكاد أبدأ قراءة صحيفة النيويوروك تايمز من صفحة النعي. فهي صفحة مخدومة مهنياً وبحثياً يتوافر صحفيون على كتابة نعي ذوي السابقة وهم أحياء قبل مماتهم. ومتى ارتحلوا نشروا نعيهم بأعجل ما تيسر.

ومن آيات سعادة قريب الله هذه الحفاوة به وقد استدبرنا في طريق الأولين والآخرين. فلسنا نحسن النعي للأسف. فأقرأ نعي أفواج من السودانيين من جيل الحركة الوطنية وما بعدهم، بل وبعد ما بعدهم، على الشبكة العالمية وأستغرب لماذا الوقوف عند الرجل الراحل والمرأة الراحلة. فنعيهم خلا من التعريف بهم وبمأثرتهم كثرت أم قلت. وبدا لي أننا نقول عن صاحب الفضل ألا يجيء يوم شكره. ومتى حل ذلك اليوم خلا وفاضنا مما نشكره به. وبدا أن يوم صاحب الفضل لن يقع في حياته ولا بعد مماته: ويرجاهو قدام. وحين أقرأ تظاهرة الدعاء للراحل دون التعريف به أقول في نفسي نحن مأمورون في الدين بذلك ولكن الفينا إتعرفت.

وقريب الله سعيد من جهة أخرى هامة. فقد صدر في سيرته بين الناس كتاب قبل اجتماع الناس لطقس التأبين. وعنوانه: "نقوش على جدار الزمان: في صحبة الراحل المقيم قريب الله الأنصاري". وتكلف به جماعة من أصدقائه لم يكتفوا بالكتابة عن منزلته في الوطن وفي قلوبهم بل استثمروا فيه مالاً. فهبش موت رفيقهم الجيب ولم يجد العيب.

توقفت من بين كلمات الكتاب الغراء عند ما كتبه الدكتور فاروق محمد إبراهيم الذي عرف الراحل وهو طالب بحنتوب الثانوية بينما كان هو بكلية الخرطوم الجامعية. وفاروق وقريب الله من جيل الفراشات الشيوعية. وهي عبارة فؤاد مطر وصف بها الشيوعيين حين بدا التعرف عليهم في آخر الستينات. ولن تعرف مغزى كلمتي حتى تقرأ فاروقاً. فقد كان الجيل تطبيقاً حرفياً لعبارة شمعة تذوي لتضيء للآخرين التي كثيراً ما دارت على لسانهم. فكان استعدادهم لفداء الوطن والكادحين خرافياً. لم تكن ثمة ناراً لم يلقوا بأجسادهم الغضة فيها. كانت التضحية للفكرة سباقاً بينهم. قال حاديهم شيبون:

أختاه ما سجنهم، ما قولهم إني شيوعي

فليخسأ الأعداء لو شاءوا رجوعي

يا بئس ما طلبوا إذا طلبوا خضوعي

طلبوا محالاً دونه نزع الضلوع

وهو جيل الفتوح. وسيذكر له التاريخ أنه هو الذي كسر الحاجز بين المتعلم الحديث وجمهرة الناس. وهي مهمة عاد جيل طلائع المتعلمين ( حين عرض نفسه للزعامة السياسة في مواجهة زعامات العشائر والجماعات الصوفية في العشرينات والثلاثينات) من غنيمتها بالإياب. فترك تلك الجمهرة تحت وصاية هذه الزعامات التقليدية لها "وصرف" تغاضيه لها لاحقاً في شكل دوائر إنتخابية "مقفولة". كان جيل الفراشات هو المرة الأولى لخروج متعلمين حديثين لبناء قواعد للتغيير الاجتماعي والسياسي بين كادحي المدن والأرياف. فتجدهم، مثلاً، يبعثون بطه محمد طه، ولم يتخرج من الثانوية، لبناء اتحاد لمزارعي شندي. وشادوا منابر للحزب والنقابة والاتحاد والرابطة والجمعية مستقلة الإرادة. ولذا حرس أستاذنا عبد الخالق محجوب هذه المأثرة في اعتزال دعاة التغيير نفوذ الزعامات الأبوية التقليدية بقوله: "سنقوم بالأمر تحت رايتنا المستقلة".

وكانوا فراشات بمعنى آخر. ما مستهم الماركسية حتى تغلغلت حياتهم وصار لها فيهم مسرى النار والخطر والروعة في مسامهم ذاتها. وستعرف أن الذرى التي انتظرت قريب الله في مسار حياته في شغل الاقتصاد والتخطيط مما تولد عنده وهو على بوابة الحزب. فقد قال لفاروق في لقائهم القديم إنه يريد أن يتعلم الاقتصاد لأنه "محرك التاريخ". وكانت تلك بذرة الاقتصادي الأولى فيه. وسترى بصمة مثل أشواق قريب الله الباكرة ليتعلم علماً نافعاً للوطن في سائر الجيل طبعت حياتهم بقوا في الحزب والماركسية أم تركوها.

أرجو لحضور التأبين في فرجينيا وغيرهم الحرص على اقتناء نسخة من كتاب "نقوش على جدار الزمن" ليقفوا على "حستو". وهي الأحرف الأولى من "الحركة السودانية للتحرر الوطني" التي نشأت في 1946. وهي المنظمة الماركسية الأولى. وعرَّفت بها كلمة فاروق كما لم يسبق في اللغة العربية. فهي عند الشيوعيين مجرد توطئة لحزبهم الذي اتخذ اسمه في 1949. ومع صحة خروج الحزب من بؤرة حستو إلا أنها ليست مجرد زفة ميلاده. وأحسن فاروق حين عدد عضويتها وانشغالاتهم وشبابهم المؤرق بالوطن. ومتى استقلت حستو بتاريخها "المؤمم" في تاريخ الحزب الشيوعي سيتسلط الضوء على سياسييّ يسار الاتحاديين من أمثال خضر عمر وحسن أبو جبل وأحمد خير المحامي ممن نازعوا لتثوير الحركة الاتحادية ومؤتمر الخريجين. وأطاح بهم الزعيم الأزهري حتى أضطروا لتكوين مؤتمر خريجين بديل هو "مؤتمر السودان" (1952). وهذا تاريخ متروك لضياع شخصية حستو الاعتبارية وتحولها لبادرة باكرة للشيوعيين.

أشجاني فاروق في كلمته باستعادته لأغاني جيل الفراشات الشيوعي بله وأغاتي البنات التي ترافقت مع صعود الحركة الجماهيرية في الخمسينات:

الوادي ضجت

وحنتوب احتجت

وسكرت خور طقت

كنا في أمان

جوه في بستان

أيوه

يا وسيلة (عبدالرحمن عبد الرحيم الوسيلة) أسمعنا نغم النضال

سافر

حمزة الجاك (نائب رئيس اتحاد العمال) ثار نحن أنصارو

والشفيع باكر بحطم أغلالو

والله لي كوريا يا شباب كوريا

وبالطبع تذكرت ليال "الطرب الغشوم" ونخن نغني مرثية الشاعر المصري كمال عبد الحليم لصلاح بشري، الشيوعي الطالب الذي استشهد في براثن الأمن المصري، وحملته طائرة خاصة ليدفن في عطبرة. وكانت شعرة جلدنا "تكلب" متى فرغنا من غنائها لنراوح في نشوة وفرح زمالة وشغفاً بالقضية:

يا صلاح آه يا صلاح آة يا صلاح أنا يا صلاح آه

وآه آه آه خاتمة كل تنزيل إبداعي في الوطن. تجدها عند الخليل. وتجدها عند محجوب شريف يرثي عبد الكريم ميرغني "يابا مع السلامة" بأداء عقد الجلاد.

رحم الله قريب الله. كان حفيفاً باسلاً باهراً من جيل الفراشات.

[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1311

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1177459 [امبكول نفر نفر]
0.00/5 (0 صوت)

12-28-2014 12:11 AM
ان شاء الله نقراء نعيك عما قريب يا ارزقى يامنبطح

[امبكول نفر نفر]

ردود على امبكول نفر نفر
Saudi Arabia [عكر] 12-28-2014 02:25 AM
من انت حتي تتكلم عن قامات كبيرة و كبيرة جدا ...و قدمت و اسهمت ماذا فعلت انت و ما هي مساهماتك اتجاه الوطن ...اري الجبن و الابتزال يختفي خلف عباراتك ...!!! و لك ان تفرح فمثلك كثيرون و مثله نادرون و قلة...


#1177222 [سامى]
5.00/5 (1 صوت)

12-27-2014 01:58 PM
وين حرية التعبير يا ناس الراكوبة ؟ !!
ولا خايفين تزعلو عبدالله على ابراهيم او غيرو, وللمرة الثانية والمليون , نعم جيل عبدالله والجيل السبقو هم اسباب كل المصائب , عدوها كلها شية و سنكيت وقعدات ويا ليلة ليلك جن , وهسة شايلين السبح وعاملين فيها شيوخ , ما حا نطلع الشارع هم المفروض يطلعو الشارع لانهم السبب الرئيسى فى مجئ الكيزان واستيلائهم على السلطة , خمسة وعشرين سنة بيكتبو وكتابتهم ما عملت حاجة , حقو بعد كدا يفهو يا الحولتو سلة غذاءالعالم ل سلة غباء العالم

[سامى]

ردود على سامى
[almor] 12-27-2014 07:06 PM
مين اداك الحق في نزع الدال من د عبدالله ام هو الحسد والغيره ، التي لوثت رايك بالغرض


#1177125 [خالد حسن]
5.00/5 (1 صوت)

12-27-2014 07:14 AM
رحم الله جيل الفراشات الشيوعي
ورحم الله كل شيوعي ناضل عن هذا الوطن ..
وعاش نضال الحزب الشيوعي

[خالد حسن]

#1177026 [يا دار عبلة]
5.00/5 (1 صوت)

12-27-2014 03:45 AM
إلتقيناه فى بيت نسبه دكتور عبد الله هداية الله فى زيارة مع أخى الأستاذ ضرار صالح ضرار . وقد كانا هو وعبد الله من تلاميذ ضرار .فسأله ضرار عن مسألة تخرجه ب Degree فى ال physics ثم ماسترز فى الإقتصاد ؛ وكيف جمع بين الإثنين وما العلاقة . فذكر بأنه تخرج Mathimatics/Physics واتجه للاقتصاد لدراسته العليا ؛ وكما ذكر أستاذنا عبدالله على إبراهيم ( الصديق والأخ والذى أحييه تحية خاصة أبادماك ) فأعتقد أنه بعد ذلك درس الإقتصاد ومن ثم درَّسه لطلبته بجامعة الخرطوم - وكان لاتجاهه فى خدمة الرسالة التى آمن بها - رحمك الله يا قريب الله الأنصارى .

[يا دار عبلة]

عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة