المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
بروف/ نبيل حامد حسن بشير
المفهوم الحقيقي للمعارضة
المفهوم الحقيقي للمعارضة
12-29-2014 06:03 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

مفهوم (المعارضة) لدينا جميعا يعني الرفض. ان تعارض فكرة ما يعني أنك ترفضها. أو قد يكون لك راي آخر تعتقد أنه الأفضل. لكن ليس كل ما تؤمن به هو صحيح. كلنا يعرف المقولة الشهيرة بأن رأيي صحيح ويحتمل الخطأ، ورايك خطأ يحتمل الصحة.
في عالم السياسة المتعارف عليه عالمياهنالك (حكومة ومعارضة). للحكومات عادة برامج وسياسات تقوم بتنفيذها بعد أن تكون قد خاضت انتخابات (حرة ونزيهة وشفافة) طبقا لهذه البرامج التي طرحتها علي الجماهير. بالتالي فبقية الأحزاب من المفترض تلقائيا أن تشكل ما يعرف بالمعارضة.
قد يشكل الفائز بأغلبية الأصوات الحكومة (بمفرده)، والحزب الذي يليه ترتيبا يشكل المعارضة بمفرده أو مع بقية الأحزاب الأخرى. وقد يشكل الحاصل علي الأغلبية (حكومة ائتلافية )مع التالي له في الترتيب أو مع حزب آخر يتقارب معه برامجيا وفكريا ، وتشكل بقية الأحزاب (بالضرورة) كتلة المعارضة. في البرلمانات التقليدية تجلس الحكومة علي يمين المنصة بينما تجلس المعارضة يسارها، لذلك كان يطلق علي المعارضة (اليساريين). تحور استخدامها في عصرنا العجيب هذا فيما بعد واقتصر علي الشيوعيين!!!! فعندما نقوا أن فلانا يساريا نعني أنه شيوعي او اشتراكي او تابع للجبهة الديموقراطية!!!
ليس بالضرورة أن تخالف المعارضة الحكومة في كل شيء. بل هي تعتبر مكون أساسي من مكونات نظام الحكم الديموقراطي. فهي بالإضافة الي الصحافة والاعلام ككل يعتبرون المراقب الأساسي لأداء الحكومة. فكلما ضلت الحكومة أو انحرفت عن جادة الطريق تحاول المعارضة أن تعيدها اليه أو أن تنتهز الفرصة لتسقطها بالتصويت داخل البرلمان أو سحب صوت الثقة ان كان الأمر جوهريا. كما تقوم المعارضة بمحاربة الفساد الحكومي وكشفه للرأي العام ان وجد.
المعارضة الجادة يمكنها أن تهنئ وتشكر الحكومة ان قامت بفعل حسن. كما يمكنها توجيه النصح لها ان كان الأمر يصب في مصلحة الدولة والوطن والمواطن. بل في كثير من الدول المتقدمة نجد أن وفود الحكومة الي جهات خارجية تصحب معها ممثلين للمعارضة.
في مثل الدول أعلاه تقوم أحزاب المعارضة بتكوين حكومة ظل تتكون من كل الوزارات التي تتكون منها الحكومة. كل وزير يقابله وزير ظل يقيم ما يقوم به الوزير الفعلي ويقيم قرارته ويناقش ذلك داخل حزبه المعارض وتحديد ما هو موقف الحزب من مثل هذه القرارات.
المعارضة في الاعلام تجد نفس الوزن والثقل الذي تجده الحكومة. كما قد يكون للمعارضة صحف خاصة بها تحلل كل ما تقوم به الحكومة وتوضح موقفها من كل سياسات الحكومة الداخلية والخارجية، وقد تصدر بيانات للجماهير لتوضيح موقفها.
لكن نعود الي أرض الواقع، والسودان الحالي هو خير مثال لما نود أن نفصله، اضافة الي بعض الدول الافريقية والعربية والاسلامية. المعارضة تعني شيء مختلف جدا بالنسبة لهذه الحكومات. طبعا المقصود هنا الحكومات (الشمولية) أو حكومات (الحزب الواحد) الآمر الناهي. الحكومات التي ترفض الرأي الآخر. فإما أنك معنا، أو أنك (معارض). بمعنى أنك (ضدنا)!!!
في السياسة لا يوجد من هو معك علي طول الخط ، ومن هو ضدك علي طول الخط. فعند وضع برنامج معين تنفذه الحكومة لابد من وضع استراتيجية وخطة عمل ثم أنشطة محددة للتنفيذ مع توضيح من سيقومون به وكيف سيقومون به ومتي يبدأ العمل ومتى ينتهي مع وضع الميزانية اللازمة بشفافية تامة وتوضيح الجهات أو الفئات المستفيدة منه من فئات المجتمع. كل ما جاء أعلاه لن يتم دون مشاورة بين رئيس الوزراء والوزير المختص والمستشارين والتنفيذيين وقد يكون للبرلمان دور في ذلك، بما في ذلك المعارضة. تقوم المعارضة بدراسة كل ذلك وقد تبدي رأي فيه ككل أو في مرحلة من مراحله أو في طريقة التنفيذ..الخ. النتيجة بالتأكيد تكون في مصلحة نجاح المشروع أن نال رضاء الطرفين.
لكن في حالة الحكومات (الشمولية أو ذات الحزب الواحد) التي تعتبر المعارضة معول من معاول الهدم، فسنجد أنها تحاول اخفاء كل شيء عنها. بل تعتبرها عدو لبرامجها ولكل سياساتها ويجب مطاردتها ومنعها من ابداء رأيها بالإعلام. وكما هو حادث بالسودان (تمنع) بطريقة أو أخرى من التمثيل بالبرلمان حيث أن كل عضوية البرلمان والمجالس التشريعية تتبع للحزب الحاكم، وعليه (لا توجد معارضة) ككتلة برلمانية هامة بالبرلمان والمجالس التشريعية، أي يغيب مكون المعارضة داخل البرلمان. أما المعارضة بالنسبة للحكومة السودانية فهي (كل الأحزاب الأخرى)!!! أو الرافضة للانضمام للحزب الحاكم، أو تلك التي لديها مبادئ وأهداف وبرامج تختلف عن مبادئ وأهداف وبرامج الحزب الحاكم. يتساوى في ذلك المعارضة (السلمية) والمعارضة (المسلحة)!!
فان حاولت المعارضة السلمية أن تتقرب منهم كوسيلة تكتيكية أو لمطامع شخصية، قاموا بإعطائهم بعض المناصب المركزية والولائية حتى يقوموا (بالسكوت) عن ما يقوم به الحزب الحاكم و(دون مشاورتهم)، أو أن تستمر في معارضتها ويتعرض من ينتسبون اليها لما لا يحمد عقباه، وقد يغادر قادتها البلاد لمنفي اختياري (كما في حالة الحزبين الكبيرين) وممارسة الضغوط من الخارج.
أما عن تلك المسلحة فيطلق عليها (متمردون) منذ عهد الرئيس السبق نميري وحتى تاريخه. فهي تحارب صيفا وخريفا وشتاءا وتمارس الحكومة معها سياسات التشظي الفاشلة والتي أدت الي أكثر من 30 فصيل بدارفور وحدها بدلا عن فصيل واحد أو فصيلين مما يصعب عملية التوصل الي حلول يوافق عليه الجميع. كما حاولت الحكومة استيعاب البعض من تلك الفصائل بعد حوار (غير ناضج) أو فطير كما يقولون بالبلدي، وتمر الأيام ويكتشف هؤلاء أنهم ديكور (مناوي) ، وان ما عرض عليهم هو رشوة للسكوت فيذهبون من حيث ما أتوا، ويكونون أكثر شراسة وخبرة في التعامل مع الحكومة مع فقدان الثقة والتشدد.
لا يوجد حكم ناجح دون وجود معارضة قوية تحترمها الحكومة أو الحزب الحاكم. والمعارضة لا تعني دائما الرفض والهدم والمناكفة. المعارضة تتطلب الاحترام (دستوريا وممارسة). المعارضة بالضرورة أساس الحكم العادل والمراقب للأداء العام سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا...الخ. الشعب يقول اعطني حريتي أطلق يدي، انني أعطيت ما استبقيت شيئا. وديننا يقول الساكت عن الحق شيطان أخرس. كما جاء بالسيرة يجب علينا أن نقولها وعليكم الاستماع لها ان كنتم مسلمون وتؤمنون بالله ورسوله.
الموقف الراهن ان الشعب غير راض عن حاله وحال الوطن، والمعارضة تتعرض لكل أنواع القهر والكبت، والتقويم بالسيوف لن يجدي في عصرنا هذا. السودان البلد الذي اختاره العلي القدير لحضارة الانسان ونشوئه لابد وأن يأخذ مكانه كقائد للحضرة البشرية، يكون مثالا للحضارة الانسانية وتقتفي بقية الدول خطواته الحضارية. لكن أن يصبح رجل افريقيا (الميت) بعد أن كان رجلها (المريض) فهذا ما نرفضه يا مؤتمر يا وطني. أما عن الحوار والانتخابات القادمة فللسودان رب يحميه. اللهم نسالك اللطف (آمين).


بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير
[email protected]
جامعة الجزيرة
28/11/2014م
التيار


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1524

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1179002 [ودتاج الدين]
0.00/5 (0 صوت)

12-30-2014 10:13 AM
السلام عليكم بروف نبيل,
بالنسبة للحالة السودانية حسب نظرتي انها تسير علي خطي ثابتة للاسباب الاتية!!
اولا الشعب السوداني كان لابد له ان يمر بهذه الاخطاء التاريخية التي عاشها منذ الاستقلال وما زال يعايشها حتي هذه اللحظة فكل الحكومات التي تعاقبت علي حكم البلد وكل (القادة) السياسيين الذين مروا علي طول تاريخنا كانوا هم في الاصل اقل واقصر من قامة الشعب السوداني العظيم فالسودان في الواقع بلد عظيم وفيه طاقات بشرية وطبيعية هائلة لم تُكْتَشف بعدْ ومسيرة التجارب السياسية في السودان قد وصلت الي قمة تجلياتها في ظل حكم الاخوان المسلمين الذين لم يتركوا باب للازمات الانسانية الا وطرقوه واوصلوا البلد الي النقطة التي يمكن فيها ان نتوقع حدوث اي شي ولن يتفاجأ الانسان السوداني بما سيحدث لكن فليعلم العالم ان تجربة حكم الاخوان المسلمين في السودان هي في الواقع تمثل نهاية الاستبداد ونهاية حكم العسكر ونهاية الفساد ونهاية التفرقة والتمييز بين افراد الشعب ونهاية سيناريوهات الانقسامات الداخلية ...!!
ما نراه من حراك في الجامعات والمؤسسات النقابية والمنظمات الشبابية والنسوية داخل وخارج السودان يمثل نقطة البداية في طريقنا نحو بناء الامة السودانيةالحقيقية التي ستعيد كتابة التاريخ الصحيح لهذا الشعب العظيم مسنودة بقوة وارادة سياسية واقتصادية عظمي ...!!
وهناك قضية هامة يجي علي الناس ان يركزا عليها جيداً وهي:
ان كل يوم يمر علي الشعب السوداني في ظل حكم الاخوان المسلمين يمثل درس شعبي (عملي ونظري) يجب اخذه بعين الاعتبار للاستفادة منه في المستقبل ...نعم! انهم مثال حي لأسوأ تجربة حكم مرت علي طول تاريخ الانسان .. فالشعب السوداني في هذه الناحية محظوظ انه راي بام عينه هذا الحكم وشهده ل 25 عاماً عجافاً ..!!

شكرا استاذي بروف نبيل

[ودتاج الدين]

ردود على ودتاج الدين
Sudan [نبيل حامد حسن بشير] 12-30-2014 11:17 PM
ما شاء الله. انت رجل عظيم ومفتح وواع جدا، والأجمل أنك شديد التفاؤل وتفكيرك علمي. زاد الله من أمثالك حتى نتخارج من هذا الكابوس المدمر. اتفق معك في كل ما جئت به. بارك الله فيك.


#1178654 [محموم جدا]
0.00/5 (0 صوت)

12-29-2014 09:45 PM
بروف افتقدتك في الشهور الماضية لعلك بخير و لنبدأ من أن السياسة السودانية لا تشبه بقية السياسات المتبعة في العالم لا في الماضي و لا الحاضر فهي على الدوام عسكرية أم مدنية شمولية المحتوى مع اختلاف في المظهر الخارجي (عسكر و طائفية) لذلك فهي تتمرجح بينهم كفتى في حلبة الطار تثنى.. كما وصف محمد المهدي المجذوب رقصات الفتى في طبل المولد.. و نظل بعيدين عن الادب السياسي من معارضة و حكومة و الكل يطاله التعفن و الفساد السياسي بدرجات مختلفة فالحكومات لا يتطلب الموقف لرفع الضوء لرؤية المدى الذي وصلت اليه من التعفن و الفساد اما المعارضة فانظر الى حال القاعدة التي تعارض باسمها و الى قادة المعارضة (الفنادق و الصوف و الليالي و السهرات) و نظل على مضمار السياسة العالمية الوحيدين الذين يستوردون السلاح و العربات الرباعية الدفع المزودة بالمدافع الثقيلة لنهد بها أكواخ المساكين في المنطقة الوسطى ما بين الحكومة و المعارضة .. سبق و أن قلت لك يا بروف نحتاج لجينات جديدة للسياسيين لكني اليوم أخاطب فيك الرجل الاستشاري في مجالات آفات الزراعة هل هناك مبيدات تصلح لإبادة السياسة السودانية (حكومة و معارضة) كما نأمل ألا تكون لهم أجهزة داخلية لتنمية مقاومة هذه المبيدات ( يعني تاني ما تقوم ليهم قايمة) و بعدها نتمنى أن يتطور الجنس السوداني لانتاج طواقم من الساسة تعرف معنى المعارضة و معنى الحكم و لابد من استيراد جينات الديمقراطية لهذه المنتجات الجينية الجديدة ... كما شاع عن الادب التونسي في ثورتهم قرفنا لا نحنا يئسنا و متنا و شبعنا موت .....

[محموم جدا]

ردود على محموم جدا
Sudan [نبيل حامد حسن بشير] 12-30-2014 11:24 PM
أشكرك شكرا جزيلا ، فقد كنت في مهمات علمية بكوريا الجنوبية و وممباسا كينيا وعدت قبل أيام، لكنني نشرت ثلاث مقالاات وانا بالخارج تجدها ان شاءالله بالراكوبة (مكتبة المقالات)
الحقيقة لو تمعنت فيما كتبه الصديق أعلاه لوجدت أن التفاؤل هو طريقنا. نعم كل الحكومات أخطأت، والمعارضة في الحالات الشمولية والديموقراطية لم نمارسها بالطريقة المناسبة لحالة الوطن والمواطن. هل هو قصور فكري وذهني؟ أم هو عدم خبرة؟ أم عدم ايمان بالديموقراطية؟
المبيدات الجينية موجودة!!!!!
بارك الله فيكم


بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير
بروفيسر/ نبيل حامد حسن بشير

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة