المقالات
السياسة
بنية إرث : الرق العسكري في شمال شرق أفريقيا
بنية إرث : الرق العسكري في شمال شرق أفريقيا
12-31-2014 12:11 AM

بنية إرث : الرق العسكري في شمال شرق أفريقيا
The Structure of a Legacy: Military Slavery in Northeast Africa
Douglas H. Johnson دوغلاس هـ. جونسون
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في مقال بقلم دوقلاس هـ. جونسون عن الرق العسكري في منطقة شمال شرق أفريقيا (ومن ضمنها السودان)، نشر في المجلة الأمريكية " التاريخ الاثني Ethnohistory " (والتي تصدرها جمعية التاريخ الاثني الأمريكية) في عددها رقم 36 الصادر في شتاء 1989م. والكاتب - بحسب سيرته المبذولة في موسوعة الويكيبيديا بالشبكة الإسفيرية – هو باحث بريطاني متخصص في تاريخ شمال شرق أفريقيا والسودان وجنوب السودان، وسبق له العمل خبيرا في شئون المناطق الثلاث (أبيي والنيل الأزرق وجبال النوبة) في مفاوضات السلام الشامل في 2003م.

المترجم
******** *********** ********** ********

يتناول هذا المقال تأثير مؤسسة عسكرية على الحياة المدنية في شمال شرق أفريقيا، وتكوين جيوش من المسترقين في السودان.
ولم تظفر في السابق قضية تجنيد الرقيق في الجيش (الاستعماري) بكثير من النظر الفاحص عند دراسة الرق وتاريخه في أفريقيا. ويعلم الكثيرون – وخاصة علماء التاريخ- بوجود أفراد من المسترقين الجنود، غير أنهم لم يولوا كثيرا من الاهتمام بقضية مؤسسة الرق العسكري التي أنتجت هؤلاء، وحددت وضعهم.
وهنالك بعض الدراسات السابقة المنشورة حول أصول جيوش الرقيق في العهود الإسلامية القديمة، ونشاط جيوش الرقيق في السودان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومصير الجنود السودانيين المسترقين والذين استقروا في أوغندا. غير أنه لا توجد دراسات معمقة عن "مؤسسة" الرق العسكري في وادي النيل في العصور الحديثة، وعن إرث تلك المؤسسة في بناء وتطوير جيوش الاستعمار وجيوش ما بعد فترة الاستعمار والمراكز الحضرية في شرق أفريقيا.
ومعلوم أن للرق العسكري ولمؤسساته تاريخ قديم في الشرق الأوسط المسلم. فبعد اختفاء الرق العسكري من قلب العالم المسلم عقب مجزرة المماليك في مصر عام 1811م، والانكشارية في تركيا عام 1826م، ظهر الرق العسكري مجددا عبر غزو محمد علي باشا للسودان في عام 1820م. وكانت الممالك السودانية في سنار وتقلي ودارفور قبل ذلك الغزو التركي - المصري قد استخدمت مسترقين جنودا في جيوشها. وكانت بالجيش المصري بين عامي 1821م و1925م أعدادا مقدرة من الجنود السودانيين المسترقين (أو بالأصح المنحدرين من أصول مسترقة. المترجم)، ولعبوا أدوارا مهمة في غالب المعارك (والمغامرات) المصرية في القرن التاسع عشر. وكنتيجة لتلك الغزوات والمغامرات ظهر جنود مسترقون في أماكن أخرى في وسط السودان وفي شرق أفريقيا. وأرسل كثير من هؤلاء الجنود لأماكن متفرقة في العالم. فقد أرسلوا في إحدى المرات لليونان للحرب في صفوف جيش الخلافة العثمانية، ثم أرسلوا مرة أخرى لسوريا للقتال ضد السلطان العثماني، واستعارهم نابليون الثالث إمبراطور فرنسا من خديوي مصر والسودان كجزء من جيش ماكسميلان في المكسيك1. وبيع بعض هؤلاء الجنود المسترقين إلى الألمان في 1888م لقمع ثورة بشري (بن سالم) في تنجانيقا، وأرسل بعضهم للحاميات المصرية في الصومال وأوغندا وإثيوبيا. وكان لبعض التجار الأثرياء جيوشهم المستقلة والتي كانت تضم في الغالب الجنود المسترقين الذين كانوا يعملون في الجيش المصري، مثل رابح بن فضل الله2 في ما يعرف الآن بشاد، والذي هزمه الفرنسيون في عام 1900م. وهنالك الجنود السودانيون المسترقون الذين فروا من الجيش المصري وانضموا لمهدي السودان، وهنالك أيضا منهم من حارب بإخلاص في صفوف المصريين. وفي بعض الأحايين كان نفس الجنود يتنقلون بين الطرفين المتحاربين! بينما ظل فوج من الجنود السودان المسترقين في إحدى قواعد الجيش المصري في الاستوائية بعد سقوط الخرطوم (على يد المهدي) على ولائهم لجيش الخديوي إلى أن قام البارون البريطاني فريديرك ليوقارد (1858 – 1945م) من شركة شرق أفريقيا الإمبريالية البريطانية بتعيينهم في عام 1891م، وكونوا نواة الجيش اليوغندي. وفي القرن العشرين كان أبناء وأحفاد هؤلاء الجنود يخدمون في جيش الاستعمار وفي العهد الذي أعقبه في كل من أوغندا والسودان.
إنه بالفعل تاريخ طويل ومتنوع الأدوار. ولكن تحت حشود كل تلك الجيوش والشعوب كانت هنالك ذات المؤسسة، وفي بعض الأحايين ذات الجنود. لقد كانت مؤسسة محلية / أهلية indigenous استولى عليها المستعمرون المصريون والبريطانيون والألمان واستغلوها - بعد تغييرها – وأقلموا أنفسهم عليها. وكان لهذه المؤسسة - بعد تغييرها- أكبر الأثر في الاستيلاء والسيطرة على السودان وشرق أفريقيا، وعلى دولتي السودان وأوغندا منذ (وبعد) استقلالهما.
ولدراسة الرق العسكري في منطقة شرق أفريقيا على وجه العموم كان من اللازم الاطلاع على مختلف الوثائق الرسمية المتعلقة بمصر والسودان وأوغندا وكينيا والمتوفرة في مكتب السجل العام البريطاني (دار الوثائق) والأوراق غير الرسمية المتعلقة بالجيش المصري الموجودة في أرشيف السودان بجامعة درام البريطانية، وفي دور الوثائق في عدد من الدول الأفريقية.
وتضاف لتلك المصادر ما نشر من تفاصيل عن حياة الجنود المسترقين (أورد الكاتب عدة مراجع منها قصة حياة اليوزباشي عدلان المنشورة في "السودان في مدونات ومذكرات" عام 1961- والتي نشرنا بعض أجزائها مترجمة- ولم يكن الرجل جنديا مسترقا بأية حال، ولكنه دخل الجيش المصري كأحد أبناء زعيم قبيلة سودانية. وأورد الكاتب أيضا اسماء آخرين. المترجم). وكان من مصادر البحث الحالي ما تحصلت عليه من نتائج الاستقصاء الميداني الذي قمت به في أوساط أحفاد هؤلاء الجنود المسترقين في غضون السنوات التي عملت فيها مساعدا لمدير دار الوثائق للحكومية الإقليمية في جوبا. ورغما عن كل تلك المصادر فالدراسات عن مؤسسة الرق العسكري في وادي النيل ما تزال شحيحة وغامضة على الرغم من فائدتها العلمية في مجالي التاريخ الاجتماعي والسياسي لمنطقة شمال شرق أفريقيا، وأيضا في مجال دراسة الكيفية التي فرضت بها مؤسسة عسكرية نفسها على الحياة المدنية. وكان من ضرورات بقاء تلك المؤسسة وجود سكان مدنيين ووجود رق.
(تطرق الكاتب بعد هذا الجزء للمقارنة بين مؤسسة الرق العسكري في منطقة شمال شرق أفريقيا وبين ما حدث في بريطانيا (خاصة شمالها) في العهد الروماني القديم من تجنيد قسري للسكان ومحاولة تغيير لهوياتهم. وأقر الكاتب بأن أوضاع جيوش المسترقين في السودان لم تكن تطابق تماما الجيش الروماني في بريطانيا، ولكنه يقول أيضا بوجود عناصر مشتركة ومختلطة منها حالة الاستعباد، والحرية، والعرق ethnicity . المترجم).
ويتضمن "الرق العسكري" الحصول على/ اقتناء الرقيق وتدريبهم وتعيينهم كجنود، ولكن تظل هوية "العبد العسكري" باقية فيه حتى بعد حصوله على حرية قانونية أو حقيقية، وهذا ما يميز الرق العسكري من أنواع التجنيد الأخرى. إذن فالرقيق العسكري ليس فقط نتاجا للعبودية وحدها، بل هو نتاج نظام متكامل للرق العسكري. فهو ليس جنديا لأنه كان عبدا، بل في الغالب هو عبد لأنه كان جنديا. وحالة كونه "رقيقا عسكريا" ليست حالة فردية، بل هي "حالة مؤسسية" مفروضة على مجموعات من الناس بواسطة الدولة، وهي التي تعرف (وتحدد) علاقتهم بها. وتظل هوية المجموعة قائمة حتى وإن اختفت الدولة، وحتى وإن تغيرت العلاقة مع الدولة.
ويعد وجود رب عمل patron (قد يكون رئيس الدولة، أو الدولة ذاتها، أو قائد محلي) لازما وضروريا لصيانة الجسم الموحد لهؤلاء الجنود المسترقين. فبإمكان رب العمل هذا أن يحل وحدات هؤلاء الجنود المسترقين، أو أن ينقلهم (بصورة مؤقتة أو دائمة) إلى دولة أخرى (مثلما حدث للجنود السودانيين الذي حاربوا في المكسيك. المترجم). ويمكن لوحدات جيش المسترقين أن يحولوا ولائهم من "رب عمل" إلى آخر (مثل الجنود المسترقين الذين كانوا في جيش الخديوي وانتقلوا إلى صفوف جيش المهدي. المترجم). غير أن هذا الاصرار على تعريف الرق العسكري وربطه بـ "رب عمل" هو السبب الذي به يمكن الزعم بأن مؤسسة الرق العسكري استمرت في خلال سنوات عهد الحكم الاستعماري رغم أنه تم في ذلك العهد الغاء الرق رسميا وقانونيا. وتحولت مجموعات الرقيق العسكري أو الرقيق العسكري السابق إلى مستوطنات ومستعمرات colonies لأناس ذوي هوية "عرقية" خارجية / أجنبية external “ethnic” identity ، ولكنها هوية معرفة بالخدمة للدولة – سواء أكانت مدنية او عسكرية.
وبدأ تدريجيا التنظيم العسكري الاستعماري، على الأقل تحت الإدارة البريطانية في السودان وشرق أفريقيا، في التغير ليشمل نسبا أعلى من الجنود الذين يعملون لفترات قصيرة short – term soldiers، ويعين هؤلاء في الغالب من السكان المحليين. غير أنه تبقى هنالك مجموعة مركزية core من الجنود المحترفين (المهنيين) من أبناء المجموعات الأصلية للجنود الأرقاء. وواصلت تلك المجموعة – على الأقل في أوغندا، عملها في الجيش خلال سنوات القرن التاسع عشر. وسأقدم هنا بعض الأمثلة لتوضيح هذه النقطة.
لقد كانت أولى أفواج السودانيين في الجيش المصري – التركي مكونة من المسترقين الذين قبض عليهم في الحملات الضخمة والمنظمة التي شنها ذلك الجيش في كل أنحاء السودان النائية. وكانت كل قوات ذلك الجيش مكونة من وحدات نظامية وحلفائها من شمال السودان.. وعندما تم الحصول على عدد كبير (وكاف) من المسترقين، توقف الجيش المصري – التركي عن شن الغارات للقبض على الشباب لاسترقاقهم وتجنيدهم في صفوفه، وترك تلك المهمة لأفراد من الرحل، والذين كانوا يدفعون ما عليهم من ضرائب ومكوس من المسترقين الذين ينجحون في اصطيادهم. وسجل أحد من كانوا قد استرقوا من شباب الشلك في فشودة سيرته الذاتية في مجلة كورن هيل Corn hill magazine في عام 1896م3. وكان بعض البقارة العرب قد قبضوا عليه وهو في مرحلة الصبا، وسلموه للحكومة كجزء من الضرائب السنوية المفروضة عليهم. وقامت الحكومة بإرساله لمصر للعمل بالجيش لأربعين عاما متصلة.
وانتقلت حملات جلب الرقيق جنوبا فيما (كان) يعرف في السودان بالمديريات الجنوبية الثلاثة. وكانت تلك الحملات تنظمها شركات تجارية لها مراكز عسكرية في معسكرات (تعرف بالزرائب). وكانت لتلك الشركات قواتها المسلحة الخاصة المكونة من المسترقين الذين يقبض عليهم جنود ذات الشركة. وكان غالب المسترقين الذين يقبض عليهم الجيش التركي – المصري من الرجال البالغين، بينما كانت قوات الشركات تسترق الصبية والبالغين أيضا.
ونقرأ صورة نابضة بالحياة للعيش في تلك المعسكرات "الزرائب" بقلم مسترق سابق هو سالم ويلسن، الدينكاوي الذي ولد في ستينيات القرن التاسع عشر. ففي حملة استهدفت قريته شهد الصبي حرق قريته وقتل أبيه، ثم أسر ورحل من مكان لمكان، وتنقل بين "سيد" وآخر. ووجد الصبي في تلك الزريبة التي ضمته أفرادا من الدينكا والشلك تم أسرهم بذات الطريقة التي تم أسره بها، ولكنهم الآن يحملون البنادق والسكاكين ويحاربون من أجل الشركات التي اصطادتهم من قبل واسترقتهم، إلا أنها كانت تمنحهم مقابل خدمتهم قليلا من المال. وفي أيام تمرد سليمان بن الزبير باشا في عام 1878م قرر "سيد / مالك" سالم بحكمة وبعد نظر أن يتحالف مع الحكومة المصرية (الأقوى)، وكان سالم أحد صبيانه، يحمل عنه الذخيرة ويعبئ بها البنادق (أورد الكاتب هنا نقلا عن أحد الضباط البريطانيين قوله إنه قد لاحظ أن الأطفال السودانيين لديهم ميل فطري للجندية وحب طبيعي للعسكرية، فتجدهم ، ومنذ الصغر، يلعبون في صفوف منتظمة! المترجم). وبعد أن هزم سليمان وأخمد تمرده قامت الحكومة المصرية بتحرير سالم، وعينت عددا من الرجال المحررين في الجيش التركي – المصري، بينما أعادت أعدادا أخرى من المسترقين إلى مواطنها الأصلية. ولما لم يتبق لسالم أي أهل على قيد الحياة فقد تبناه جندي من الزاندي، هو وولدين آخرين من الدينكا، وعينهم جميعا كـ gun boys لتنظيف وحمل بنادقه، وعلمهم أيضا الرماية والصيد. ثم أنتهى المطاف بسالم خادما لقسيس كان يعمل مبشرا في المنطقة اسمه شارلس ويلسون، والذي عاد به لبريطانيا حيث غدا مبشرا هو الآخر وبقي في مدينة اسكنثروب Scunthorpe كـ "قسيس الشمال الأسود". ولو كان قد قدر لسالم أن يظل مع جندي الزاندي لصار جنديا مع جهادية المهدي أو جنود كتشنر، أو على الأرجح جنديا في قوات ليوقارد وشركة شرق أفريقيا الإمبريالية البريطانية بالاستوائية.
وغدا السكان المدنيون المرتبطون بالزرائب (المعسكرات) في الجنوب، وفي حاميات الشمال أوسع مجتمعات الرق العسكري وأكثرها استقرارا. ففي الشمال والجنوب كانت تعيش في تلك المجتمعات عائلات كثيرة، الزوجات والبنات فيها من المسترقات أو من اللواتي تم اصطيادهن. وذكر واحد من الجنود السودانيين أن الجنود المسترقين كانوا ينقلون من كتيبة لآخري دون أن يسمح لهم بأخذ عائلاتهم معهم، ليأتي جنود غيرهم ويتولوا أمر عائلات من غادروا. وتزايدت أعداد أفراد عائلات المسترقين في المعسكرات بالجنوب مع تزايد حملات اصطياد الرقيق التي كان يشارك فيها الجنود المسترقون، والذين كان يسمح لهم بالحصول على أكبر عدد من الزوجات يطيقونه. وكان من العادة عند وفاة الجندي من هؤلاء أن تؤول عائلته لجندي مسترق آخر.
وفي غضون سنوات الثورة المهدية في السودان بين عامي 1881 – 1885م حارب بعض الجنود المسترقين في صفوفها، بينما حارب بعضهم الآخر ضدها. فقد كان الرماة "الجهادية" هم من صفوف الجنود المسترقين، وكانوا هم الجنود الوحيدون في جيش المهدي الذين تلقوا تدريبا نظاميا على الرماية وغيرها من فنون القتال، إذ سبق لهم العمل في الجيش المصري. وكان لهم دور حاسم في غالب انتصارات الجيش المهدوي. بل لقد قيل أن غردون أصيب بطلقة مميتة من أحد الرماة السودانيين من الجهادية وهو علي سلالم قصره. وفي المعارك التي دارت بين جيش المهدي وجيش الحكومة المصرية في سواكن بين عامي 1885 – 1898م وجد الجيشان أنه من الصعوبة الاحتفاظ بكامل جيشهما، إذ كان كثير من الجنود من الجانبين يفر للجيش الآخر. وعاني الجيشان منذ عام 1890م وبعده من قلة أعداد الراغبين في التجنيد.
ومما كان مصدر قلق للجيش- التركي المصري ارتفاع نسبة جنوده من كبار السن والذين كانوا لا يزالون في الخدمة، وربما كان ذلك بسبب قلة المتقدمين الجدد للتجنيد فيه.
وكان الجنود السودانيون يعينون في الجيش لـ"مدى الحياة"، كما كانت تكرر الدعاية الترويجية الحكومية. وكان هذا بالفعل هو حال العبيد. وكما ذكر أحد جنود الجيش المصري القدامى (عبد الله عدلان) فإنه لم يكن يسمح للجندي في الجيش المصري بالتقاعد أبدا، فهو يظل على رأس عمله حتى يخر صريعا. وعندما يطعن في السن ولا يقدر على الخدمة الشاقة يحال للخدمة في حدائق منازل الضباط. وتم تطبيق ذات النظام في السودان لاحقا. وأودعت بجامعة درام البريطانية وثيقة تتحدث عن مسيرة (مارش March) من النيل إلى ساحل البحر الأحمر قامت بها في عام 1893م سرية من الضباط مع جنودهم (من بينهم أحد المحاربين السودانيين القدامى في المكسيك والحبشة، كان قد أصيب إصابة بالغة في القدم، وعمل لما يزيد على 36 عاما في الخدمة العسكرية). كتب ضابط بريطاني أنه كان خلال تلك المسيرة يجبر ذلك السوداني أحيانا على الركوب على أحد خيوله، من باب الشفقة عليه. وكان كبر سن كثير من الجنود يثير قلق بعض الضباط (وتبرم وشكاوى من زوجاتهم أيضا). وهنالك وثيقة أخرى في جامعة دارم عن طلب قدمه في عام 1914م عريف سوداني للطلاق من زوجه بحجة أنه "لم يعد يرغب فيها، إذ كانت تذكره دوما بأنه قد طعن في السن ...".
ولم يبدأ الجيش المصري في تسريح جنوده الطاعنين في السن إلا بعد أن استعاد مزيدا من الأراضي في السودان. وأرسل الجنود المسرحون للعمل في الزراعة في منطقة طوكر الخصبة بعد استعادتها في 1892م وذلك لإطعام مدينة سواكن. وحلت مشكلة العمالة بين أعوام 1896 و1899م عن طريق تشغيل جنود المهدية الذين أسروا في مختلف المعارك التي جرت في تلك الفترة في الأعمال الزراعية وغيرها. وبحلول عام 1900م تم الاستيلاء على غالب مناطق السودان ولم تعد هنالك حاجة ملحة لوجود أعداد كبيرة من الجنود في الجيش. فطلب سلاطين باشا من كثير من الجنود (المسترقين سابقا) العودة لـ"سادتهم" القدامى والعمل في مزارعهم كما كانوا يفعلون في الماضي، ووعد "السود" (بحسب عبارته) ممن ليس لهم "سادة" ويرغبون في الاستقالة من الجيش بمنحهم أراض زراعية ليقوموا بفلاحتها. وكان سلاطين المفتش العام لحكومة السودان هو من أمر بعدم استخدام كلمة "رقيق" في مكاتبات الحكومة السودانية واستبدالها بكلمة "سود".
وعمل غالب من سرحوا من "الجنود المسترقين" السابقين في النصف الأول من القرن العشرين في الزراعة وقطع الأخشاب والحراسة الليلة والشرطة، وكانت كلها أعمال "خفيفة" مقارنة بما كان عليهم فعله في سنوات خدمتهم في الجيش. وأقام معظمهم في الأماكن التي كانت بها "الزرائب/ المعسكرات" في جنوب السودان في أحياء مثل حي "الملكية"، والذي يوحي اسمه بامتلاك الحكومة له. وعمل بعض الجنود والضباط المسرحين في التوسط بين الحكومة وبعض القبائل. فعمل أحدهم مثلا في التوسط بين كتشنر وملك الشلك وقبيلة الشلك التي تسكن حول منطقة فشودة، مما أدى لفشل مخطط الفرنسيين في الدخول للمنطقة. وكذلك عمل بعض الجنود السابقين مترجمين لزعماء القبائل، بل تولى بعضهم مناصب حكومية رفيعة في جنوب السودان.
وسيكون من الخطأ الزعم بأن الرق العسكري هو أس كل مشاكل السودان وأوغندا، فذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة. وليس من الانصاف أن نخلص إلى أن الرق العسكري كان شرا محضا. ولكن يظل تاريخ الرق العسكري مكونا مهما ضمن مكونات الطريقة التي بها ارتبط مصير الدولتين، وكان ذلك الارتباط يائسا وفاقدا للأمل، وتراجيديا أيضا.
إن النسب الشخصي personal pedigree للفرد من الجنود المسترقين ليس هو الأمر الأهم. ولكن الأهم هو تأثير ومثال تلك المؤسسة. فعلى سبيل المثال لم يكن إيدي أمين سليل جندي مسترق، غير أنه أتى من منطقة لها علاقة غامضة وملتبسة بمجتمع النوبة في أوغندا وبالجيش الذي كان معظم رجاله منه. وجذبته الشبكات networks التي أنشأت في القرن التاسع عشر للعمل في الجيش الأوغندي في القرن العشرين. وجذب أمين آخرين للعمل في الجيش بربطهم بذات الخيوط. وبدون إرث الرق العسكري فربما كان الحكم العسكري سيستمر في أوغندا مثل ما حدث في كثير من الدول الإفريقية. إلا أنه بدون رق عسكري في المنطقة فلم يكن إيدي أمين ليظهر أبدا.

هوامش

1. للمزيد عن هذه النقطة يمكن الرجوع لمقال مترجم للكاتب ر. كيرك بعنوان "سودانيون في المكسيك" ومقال "تنازع القوانين" بقلم ريتشارد هيل وبيتر هوق.

2. بحسب ما جاء في موسوعة الويكيبيديا فإن الأمير رابح بن الزبير بن فضل الله كان زعيماً سودانياً ولد في عائلة عربية في حلفاية الملوك بالخرطوم) وعمل في سلاح الفرسان غير النظاميين المصري أثناء حملة الحبشة ، وقد أصيب في تلك الحملة. أقام مملكة إسلامية في منطقة تشاد، وكان عاصمتها مدينة ديكو، ومات بعد قيام الفرنسيين بغزو مملكته والدخول إلى عاصمته وقتله في معركة فاصلة عام 1890م.

3. Machell, Percy (1896). The Cornhill Magazine, n.s, 1: 30 40, 175 – 87


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1050

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1179749 [د. احمد حسن]
1.00/5 (1 صوت)

01-01-2015 01:16 AM
المقال بما فيه من زخم بلاغي الا انه يحوي العديد من المغالطات والميل العنصري بل وبين سطور هذا المقال تشم رائحة المادة المدسوسة والتي هي بلا شك عبارة عن تحريض وشحن لنفوس فئة ضد فئة اخرى .
التاريخ الاوروبي مليء بفظائع اشد من هذه ولكن لا احد يذكرها وان ذكرت تذكر بصيغة اخرى غير التي صاغ بها الكاتب هذا المقال ( الكاتب الاوروبي ) .
جيش المماليك كان من العبيد - تخيل - الف الف عبد عسكري ذابوا في المجتمع المصري وصاروا ملوكا - لم يجرؤ احد ان يكتب في هذا الموضوع لحساسيته الشديدة وانعكاساته غير المريحة على ا لمجتمع المصري الحديث ( الان ) ونرى هذا بوضوح في تحاشي المؤرخين المصريين والصحافة المصرية الخوض في هذا الموضوع ( وبحسب قراءتي لسيكلوجية الشعب المصري فكل كاتب او مؤرخ لا يريد ان يستذكر انه يمكن ان يكون سليلا لتلك الفئة ) .

[د. احمد حسن]

ردود على د. احمد حسن
Sudan [Gehadelectroni] 01-01-2015 10:16 AM
يا دكتور الباشا الذى قضى على المماليك و ضم مصر الى التاج العثمانى ثم انفرد بحكمها الى اخر ملوك اسرته فاروق (ملك مصر والسودان) محمد على باشا لا احد يعلم اسم ابيه ولا حتى هو (ليس على محمد على اسم واحد) فهو عبد البانى اسر صغير وادخل الى الجندية التى برع وترقى فيها حتى وصل الى رتبة الباشا فى حرب اليونان.
كلف لقيادة الجيش لتامين طريق الحجاز لكنه دخل مصر بحجة القضاء على المماليك كجزء من تاميين طريق الحجاز وطاردهم حتى هربوا الى السودان واستقروا ب دنقلا
ومن الاسباب غير المعلنة لغزو السودان (غير الرجال والمال التى درسناها) كانت القضاء على المماليك فى السودان وايضا تاميين منابع النيل


#1179718 [daldoum]
5.00/5 (1 صوت)

12-31-2014 11:45 PM
فيما يتعلق باعادة بما تسموه باعادة المسترقين من العسكريين الى وطنهم الاصلي فقد سبق هذا اعادة بقايا افراد ثورة الزنج في العراق ابان الدولة العباسية الى وطنهم الاصلي في السودان وهم اصلا من صلب المسترقين السودانيين بما يعرف باتفاقية البقط ،هكذا روى في كتاب (العقد الفريد)وذكر ايضا في كتاب الشعر الجاهلي لطه حسين - كمرجع.

[daldoum]

#1179668 [daldoum]
0.00/5 (0 صوت)

12-31-2014 10:09 PM
السؤال الذي يفرض نفسه ،هل كانت تلك الحملات بقصد الاسترقاق ام بقصد التجنيد ؟
لان الاسترقاق عمل مدني بحت يختلف عن عمل الجندية وخاصة في حالة الاجر او الراتب المدفوع
ولكن الاهم من ذلك الارادة والرغبة في التجنيد بالنسبة للمجند اذ تمثل له مصدر دخل يتكسب منه حتى اذا كان هنالك عنصر الاجبار والاكراه
وصمة الرق لاتنطبق على العسكرية والا ماذا تسمي حملات الكشة والتجنيد الاجباري لطلبة المدارس وابناء الوطن وزجهم في الحرواب الاهلية في السودان ،الى حد اصطيادهم وقتلهم اثناء هروبهم كما حدث في معسكر العيلفون ، اليست هذه عبودية واسترقاق وخاصة يتم ذلك في غياب دفع اجرة او راتب .

[daldoum]

#1179349 [محمد عبدالله الحسين]
0.00/5 (0 صوت)

12-31-2014 02:12 AM
مقال مهم يلقي الضوء على جزء مفقود من تاريخ الرق في السودان . بارك الله فيك و زادك الله نوراً و علماً و نفعك و نفعنا الله بعلمك .

[محمد عبدالله الحسين]

ردود على محمد عبدالله الحسين
Oman [بدر الدين حامد الهاشمي] 01-01-2015 02:31 AM
تاريخ الرق في السودان. دكتور منصور خالد

http://classic.aawsat.com/details.asp?section=4&article=185414&issueno=9015

Oman [بدر الدين حامد الهاشمي] 01-01-2015 02:24 AM
هذا تعليق من أحد القراء الكرام

قصة سالم ويلسون (ونقرأ صورة نابضة بالحياة للعيش في تلك المعسكرات "الزرائب" بقلم مسترق سابق هو سالم ويلسن، الدينكاوي الذي ولد في ستينيات القرن التاسع عشر.....الخ
هذه القصة ( قصة سالم) تتبعتها من عدة مصادر ، منها مذكرات القس ويلسون وزميل آخر له اسمه دكتور فلكن وهما أساسا كانا يعملان لدى الجمعية التبشيرية البروتستانتية في أوغندا ، وكانا مسافرين في تلك الفترة عائدين من أوغندا إلى إنجلترا بطريق الشمال ناوين الذهاب بطريق غوندوكرو الخرطوم برفقة ثلاث سفراء أرسلهم معهم أمتيسا ملك مملكة بوغندا ( بالطبع لم تكن أوغندا يومها موجودة) ولسبب ما وحين وصلوا إلى غوندوكرو اتجهوا غربا عبر رمبيك وديم الزبير وقابلوا رومولو جيسي الإيطالي حاكم بحر الغزال وكان قد فرغ لتوه من قتال وتصفية سليمان بن الزبير رحمة ، وفي ديم الزبير قابلوا الصبي سالم وكان عمره لا يتعدى السبع سنوات تقريبا ، وأخذوه (في الحقيقة اشتروه) معهم واتجهوا شمالا حتى دارا التي قابلوا فيها سلاتين (سلاطين باشا لاحقا)الذي كان يومها مدير لدارا قبل أن يكون حاكما لعموم دارفور ، وقد أشار سلاتين في كتابه السيف والنار لمرور فلكن وويلسون ومعهم الصبي سالم الذي أطلق عليه سلاتين اسم كبسون وقال إنه من الفرتيت!! ،ومن دارا واصلوا حتى وصلوا الخرطوم ومنها إلى بربر ثم سواكن ثم بالباخرة إلى انجلترا وبرفقتهم سالم ( أو كبسون !!) ولاحقا تم في انجلترا تنصير الطفل الذي لا حول له ولا قوة وعاش حياة تتبعتها من عدة مصادر أهمها سيرته الذاتية بعنوان (Life story of Hatashil Masha ) التي استكتبتها له الكنيسة ولدي الكثير جدا مما يحملني على الاعتقاد بأن الادعاء بأنه كان دينكاويا كان مجرد ادعاء زائف وأنه لا صلة له بالدينكا من قريب أو بعيد ، وعاش هذا الرجل وذكر أنه سافر إلى فلسطين والتقى غردون فيها سنة 1883م ، ولم تستطع المصادر المتاحة تلك الفترة ولا حتى سالم نفسه تبرير لماذا لم يعد إلى السودان بعد كرري 1898م للتبشير بالمسيحية وسط أهله الدينكا وكان هذا هو التطور المنطقي للأحداث ، بل ظل يعيش في إنجلترا ولاحقا تزوج سيدة بريطانية بيضاء كان زواجه منها حديث الساعة ، وقبره وقبر زوجته البريطانية متجاورين
وتقبل احترامي
كمال حامد


ترجمة : بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة