المقالات
السياسة
السياسة مهنة تشليع الوطن
السياسة مهنة تشليع الوطن
12-31-2014 05:10 AM

أن الوعي الفوضوي الذي تتسم به العقلية السياسية السودانية وما يميز مسيرتنا السياسية المترنحة منذ الاستقلال وما انتجته لنا صراعاتنا السياسية طول هذه الفترة وما وصل اليه هذا البلد من التمزق والتشليع كلها مواجع يتكي عليها الوطن وهو تمر عليه هذه الايام المباركات التي تصادف تلاقيها تمازج تاريخي جميل من ذكرى الاستقلال وذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم وذكرى اعياد المسيح عليه السلام عند اخوتنا المسيحين.
ان الملل وقصر البصر والبصيرة التي ميزت تفاعلات نخبنا السياسية على مر التاريخ وعدم الانتظام على فعل واحد ذا طابع مؤسسي بعيد الأثر ينظم مسيرة البلاد بمشهد سياسي واحد ، والحال التي وصلت اليه الدولة السودانية الان من فشل وتمزيق لهو مؤشر ينبئ عن الحالة المزاجية للسياسي السوداني ونفسيته المتفلتة التي لا تصتبر لمنطق المناسقة والمناظمة في الممارسة السياسية والاندفاع العاطفي الذي يكثر معه حرق مكتسباته المنطقية والتي قد يكون صنعها بنفسه . إذ هم جملة من الفوضى "الاخلاقية" (عندنا في السودان مصطلح الاخلاق تعارف به بعيدا عن معناه المعروف والذي هو جملة من السلوكيات حميدة كانت او سيئة . ولكن الاخلاق عندنا هي سرعة التقلب المزاجي) سريعاً ما تضيق ذرعاً بواقعها وتبدأ في خلق الازمات لتدمير ذلك المكتسب الذي توافق عليه الجميع . كل ذلك برغم العقلية الواعية للفرد السوداني بعيدا عن السياسة والذكاء الاكاديمي الذي يميزها وهذه التشكيلة الرفيعة من الاخلاقيات التي وسمت بها إلا أن الانكفاء والتدهور سريعاً ما يأخذ سبيله الينا الامر الذي يربك قضية الاتزان العام لدينا . فالفوضي ملمح اساسي يعبث بنا من اقصى اليمين الى اقصى اليسار. وهوجة القرارات الغير مدروسة وسرعة التحلل والتفلت منها والملل الشنيع الذي لا نقوى معه على مسايرة النهج الطويل هي العوامل التي تنخرط في منظومة حياتنا السياسية فتنتج لنا خواتيم كارثية لا نعرف التحلل منها لاننا شعب ببساطة لا نضع الخطة والخطة البديلة ولا نصبر على حال كأن حياتنا ستنتهي مع مغرب يومنا الذي نعيشه . ونحن شعب لا يعرف يرتب أولوياته ابداً اسألوني لماذا عرفنا في المحيط الذي حولنا بالكسل في النهوض ببلدنا ؟ وهل هذا الكسل هو ذلك الكسل الفيزيائ البسيط الذي يعتري اجسادنا ام هو كسل في عزيمتنا الوطنية ؟ وما هي الاشياء التي تلح على عقليتنا اكثر من غيرها ؟ بمعنى ماهي الاشياء التي تشبع رغباتنا اكثر من غيرها ؟ هل هي نجاحنا في العمل وضروب الحياة؟ ام تعتبر نجاحاتنا الاجتماعية مصدر اشباع لنا ؟ أم رفعة أوطاننا؟ فمعروف عننا اننا شعوب اجتماعية جداً ومتكاتفة لدرجة الهوس وهو شئ جميل والذي أتى في كثير من الحالات على حساب العمل ، وحتى هذه الاولوية الاجتماعية كثيراً ما تأتي لصالح الاصحاب و( الشلليات) على حساب الاسرة والاولاد في نفس الوقت نحن شعب ميت وطنياً ولا يشكل عندنا الوطن اي مساحة تلح علينا ليل نهاراً للانتصار لها بقدر انتصارنا للاشياء الاخرى . وتكاد تختفي عندنا الاستراتيجيات والخطط المدروسة في ممارساتنا السياسية والتي ولدت هذا الواقع المذرئ الذي فلحنا في تبريره بحجج ان هذا من القدر وكل شئ مقدر وهذه القوالب التعبيرية الجاهزة التي لا تغني عن شئ عبارة عن تبريرات انتجها سياسونا للهروب من مبدأ المحاسبة الوطنية . في ظل شعب لا تمثل له ضياع مكتسبات الوطن اي نوع من الاهمية يراها تستحق العقوبة حيث انعدمت المحاكمات الا من محاكمات التصفية التي يمارسها الانقلابيون بعضهم على بعض خوف الغدر والخيانة .
للشعب السوداني مكتسبات قل ما توجد في محيطه فاننا أمة حباها الله برغم كل ذلك بواقع منفتح نوعاً ما نستطيع من خلاله التعبير عن آراءنا وافكارنا بحرية تامة عبر العديد من المنابر والاليات . ودون ان نحمد المولى عز وجل على هذه النعمة ، قلبناها نقمة علينا فأن هذا الوسع والبراح الديموقراطي النسبي الذي اتيح لنا ساعد في تشكيل شخصيتنا السياسية ذات الانا المستعلية لاننا تشربنا مفهوم الديموقراطية بمعاني خاطئة وتجاوزت تعريفاتنا لمفهوم الحريات فمددنا حريتنا على حساب حريات الغير وآل كل فرد على نفسه أحقية الاكتساب هذه فأستعلينا على بعضنا البعض ونشرنا ثقافة الاقصاء وتحقير الغير بنرجسية فريدة فلهذا قل صبرنا على كل من انتجته لنا صناديق الاقتراع ووسع لنا في حرياتنا واهدانا ساحة نتحرك خلالها كيف نشاء. الفعل الديموقراطى او ممارسة الحريات تتطلب شخصية مسؤولة قبل كل شئ عن تصرفاتها الشخصية، لا تصرفها العواطف العابرة والنفسية المترنحة فالثبات حتى على العواطف تجاه الاخر ضرورة لتوازن عملية الكره والحب الذي نمارس فلا يجب ان نتعامل مع الاخر بقمة الكراهية او بفرط الحب ويجب ان يسبق صوت العقل صوت العاطفة فلا نؤخذ بهوجات عابرة مدمره ، فنحن شعب كثيراً ما نسارع لحرق المخطئ بمجرد ان اخطأ خطأ عابراً ، وسرعة اتخاذ قرارات التدمير والحرق عندنا مدهشة بشكل مخيف وإن كان هذا المخطئ هو شخصنا نفسه فقيمة ماتنتجه العاطفة قيمة متغيرة لا تقوى على الثبات أبداً .
وهذا الثبات هو جل ما نرجوه لواقعنا السوداني ، لا توثر فيه تعاقب الحكام والساسة والحكومات وهو من محالات المنطق حدوثه مع عقلية ساستنا التي برمجت على نسق الاقصاء ، فمفهوم الاقصاء عندهم يطال كل المكتسبات الوطنية التي صنعها من هم قبلهم . فالأنا الفرعونية عندهم لا تتقبل الا أن ترينا ما ترى وعلى هذا قس في تسلسل الدمار ، يسبق فعل فيعقبه دمار ليسبقه فعل ليعقبه دمار اخر مسبوق بفعل . ودوامة التشليع هذه لم تشبع نهمها إلى ان طالت الوطن في حدوده الجغرافية نفسها . عند الامم المتحضرة الدساتير ومكتسبات الامة الاخرى خطوط من المقدسات التي لا يمني كل من يأتى نفسه بمساسها ولكن عندنا ما اهون ان تضع بين يوم وليلة قانون للطوارئ "مُعِطل" بنفس العقلية السابقة ليظهر منتوج جديد مفصل بمقاس العقلية التي وضعته . والديموقراطية هي اول مكتسب لهذا الشعب يصعب التساهل مع من تهاون به ولكنه القيمة المفقودة في معادلة الارباك هذه هو المعادلة التي ان كانت انتظمت البلاد من وقتها لما كان حالنا وحال سياسونا هذا ولعملت على تربيتهم التربية الوطنية الحقة بعيدا عن تربيتهم الحزبية المأفونة . فعملية التقطيع والبتر التي كثيرا ما طالت الديموقراطيات رسالة سالبة نشأت مع الاجيال منذ الاستقلال فاستسهلتها وبخست الديموقراطية نفسها واعتبرت ان الديموقراطية ما هي الا عبارة عن كسب ذاتي يحرزه الشخص لنفسه او لحزبه.
للاسف الشديد الديموقراطيات التي تمتعنا بها كانت مرهونة للجشع السياسي الذي امتازت به قيادات احزابنا المختلفة هذه القيادات والمناط بها الحفاظ على هذه المكتسبات بالممارسة القويمة والاشتراك مع الاحزاب الحاكمة وصنع نوع من الندية التقويمية التي تكون في شكل رقيب قوي على افعالها وحركاتها ونصير لها في خط السياسات والاستراتيجيات السليمة لتسيير البلد بدل التربص بعثراتها وعمل معاول الهدم والتقويض فيها . وما وضع البرلمان الا ليكون توليفة من هذه الاحزاب تكون متواجدة حيث يصنع القرار . ولكن بدل ان تستفيد الاحزاب من هذا الكسب تجد تواجدها اتسم بروح الندية التدميرية التي تحاول ان تقتل القرارات التي تكون في مصلحة البلد حتى تصل الى المواطن فكرة فشل الحكومة القائمة ، وهذه القيادات هي التي قادت المؤسسة العسكرية للانكفاء على الديموقراطيات وهي التي ملأت الفضاء ضجيجاً بها . والغريب في الامر ان هذه النخب الفاشلة والمسؤولة عن هذه الفوضى العارمة ثابت لا يتغير في منظومة السياسة السودانية وهو ما نستنتج منه لماذا حالنا يستمر بتموالية تدميرية بغيضة كهذه ؟ فالذي ينتج الدمار باقي ولا يزول وما ينتجه من دمار باقي لا يزول ولكن السودان زائل لا محالة .
هذه الايام تزاحمت علينا ببريقها ونحن نعيش محنة وطن اصبح ممزقاً في كل نواحيه نحاول ان نقتبس من نورانيتها لهذا الكيان المحطم على ايدي ابناءه بارقة امل بعيداً عن هذه النخب المتخمة بالفشل والتي أوغلت في الاساءة للوطن منذ نعومة وعيها عليه ، هذا عام جديد يقف على عتبات هذه الوطن ونحن كما نحن يرمي كل واحد منا بسوءاته على الاخر ولم تحدثنا انفسنا يوم للجلوس مع الذات وترتيب اولواياتنا للخروج لهذا الوطن بقيادات حقيقية تأخذه بعيدا عن الوكسة التاريخية التي يعيشها .

حيدر الشيخ هلال
قطر – الدوحة
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 389

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




حيدر الشيخ هلال
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة