المقالات
السياسة
صناعة الديكتاتور .. البشير نسخة جديدة بعباءة دينية 1-- 2
صناعة الديكتاتور .. البشير نسخة جديدة بعباءة دينية 1-- 2
01-01-2015 03:51 PM

لايصنع الديكتاتور نفسه ولكن يصنعه المحيطون به من مستشارين ومقربين ,وإنتهازيين ,وفي كتابه طبائع الإستبداد ومصارع العباد يري عبدالرحمن الكواكبي " أن المستبد فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه أعداء العدل وأنصار الجور. وأن تراكم الثروات المفرطة، مولد للاستبداد، ومضر بأخلاق الأفراد. وأن الاستبداد أصل لكل فساد، فيجد أن الشورى الدستورية هي دواؤه." وبمناسبةحلول الذكري التاسعة والخمسين "لإستغلال"السودان وليس "إستقلاله " نحاول في هذه السطور الحديث عن ثلاثة ديكتاتوريين حكموا السودان واضعين في الإعتبار تفاوت طبيعة كل منهم والظروف التي احاطت به.
ففي عام 1958 تسلم الجنرال عبود الحكم من الأمين العام العام للحزب الأمة عبد الله خليل عبر إنقلاب عسكري صوري ابيض لم تراق فيه دماء ولم تشا د فيه بيوت اشباح للمعارضين ,ولا جري فيه فصل الاف من غير الموالين تحت شعار الصالح العام ,وكطبيعة اي انقلاب عسكري عطل عبود الدستور وحل الأحزاب, ولما لم يكن نظامه اصلا نظاما ايديولوجيا مثل لاحقية النميري والبشير , فانه لم ينظر الي الأحزاب السياسية بوصفها احزابا علمانية كافرة تحارب الدين كما لم يرفع شعارا خاصا لقيام دولة إسلامية , ففي نظام عبود كان كل شيء في مكانه , فلم يغير إلا بعض القوانين المرتبطة بوجوده وإستمراره في الحكم , ولكنه تعامل مع المجتمع بالتعامل نفسه الذي مارسته الإدارة البريطانية, فكان البار بجانب الجامع , فمن اراد الاول فله ما اراد , ومن اردا الثاني فله مثل الأول , وحتي في شهر رمضان لاتغلق المطاعم , وكنت تري الجزء الاسفل من الفاطرين من تحت ابوب نصف مغلقة في محلات السندويتشات, كما لا تغلق المحال التجارية لصلاة الجمعة فالتجار بطبعهم كانوا لايفتحون يوم الجمعة لحرصهم علي قداسة هذا اليوم, ليس ذلك وحده بل كانت هناك احياء بأكملها للبغاء بتصديق من السلطات , وفحص طبي دوري لممارسات هذه المهنة, اما المقاربة بين ثلاثة عسكريين حكموا السودان فان عبود لم يكن ديكتاتورا بالمعني المطبق في نظامي النميري والبشير, فنظامه كرٌس كل نشاطه الأمني لمحارب الشيوعيين دون غيرهم ,ولكن عبود نفسه كان حاكما عاديا سودانيا "ابن بلد" منزله مفتوح طوال اليوم , ويستطيع اي مواطن مقابلته ,كما ان قراراته السياسية تصدر بعد تداولها في المجلس العسكري الأعلي المرجعية الحاكمة للنظام ,ولايصدرها او يصرح بها تحت وطأة الإنفعال حسب مزاجه الشخصي ,ولم يسء عبود الي معارضيه السياسيين ,او يستخدم ضدهم الفاظا وتعبيرات خارجة عن الأدب والذوق كما يفعل حاليا البشير ,فالرجل كان يتمتع بأخلاق رفيعة ورثها من تربيته وزادها الإنضباط العسكري إحتراما,, صحيح ان ألإعلام الرسمي كان يحتفي بعبود كرئيس للبلاد في المناسبات الوطنية عبرالأناشيد له و"للثورة" ولكنه لم ينتشر في الأرجاء السياسية كما فعل قبله النميري وبالغ في ذلك البشير عبر منافقين ذوي لحي مدببة وصحفيين منتفعين من النظام .

يظهر الحاكم العسكري في بداية إنقلابه بمظهر المنقذ الذي جاء من اجل القضاء علي الفوضى والفساد في البلاد , وفي نموذج النميري فأن الرجل بجسمه الرياضي المنسق ووسامته وهو في الزي العسكري كسب قلوب الملايين من الناس, بل مارس النميري تواضعا شعبيا منقطع النظير, فكان يوقف موكبه ليتسلم شكوي , او ظلامة من مواطن مسكين يلهث ركضا لمقابلته , وفي ثالث يوم للإنقلاب حرم النميري حلاوة الماكنتوش التي كان يحبها الرئيس الأزهري, وامر مراسم القصر بالإكتفاء فقط بالتمر والفول السوداني ,وشرا ب الكركدي والقنقنليس,إثباتا لتواضعه ولم ينس في اوقات فراغه مفاجئة اصدقاؤه القدامي بزيارتهم دون مواعيد في بيوتهم وشاهدت النميري بأم عيني يزجر ويعنف صحفيا لايزال حيا امام الملأ في القيادة الشرقية بالقضارف لأنه كان ينتظره امام حوض الغسيل حاملا فوطة لينشف يديه عليها.
حتي تلك المرحلة كان النميري شخصا ثوريا شعبيا يري في نفسه منقذا سماويا لشعب يحتاج الي العدالة الإجتماعية والوقوف مع الفقراء والكادحين , وأستمر علي هذا الحال في السنوات الأولي للإنقلاب حتي تسللت اليه سلالة الإنتهازين فأحاطته بالرعاية الملوثة ,ومما يدعو الي الدهشة ان بعضا من هؤلاء الإنتهازيين هم من المثقفيين والأكاديميين الذين اختارهم هو لتنفيذ سياسته ,بل وكان سعيدا جدا , ولم يصدق ان تعرف عليهم بعد ان كا ن يسمع عنهم قبل ان يصل الي السلطة.
وفي مسيرة التقرب منه تنافست مدراس من الإنتهازية حول الرئيس ووضح جليا له ان ماكان يتمني التعرف عليهم من قبل لم يكونوا من بعد سوي صناديق خشبية فارغة, اطلقوا عليه القابا وصفات تفوق التخيل
سمي النميري بالرئيس القائد ,والرئيس الملهم بكسر اللام , والملهم بضمها ,ورائد الحركة الكشفية ,وراعي الجامعة ,وابوعاج , وتطور النفاق حتي صار الرئيس كاتبا , ومفكرا , فأٌ لفت له الكتب " الإسلام لماذا "والأسلام كيف" وكتب عنه الصحفي المصري الراحل عادل رضا كتاب عبر سمساره الإعلامي محمد محجوب سليمان"الرجل والتحدي" وتباري الشعراء في نظم القصائد والأناشيد له ,وبعد ان كان يستمع الي تقارير الوزراء بما انجزوا ومالم ينجزوا صار هو بديلا عن مجلس الوزراء يقترح ويقرر وحده فيتسابق الجميع الي التأييد الإشادة فينسد الطريق علي اي راي اخر, ولمزيد من كسب رضاء الرئيس تخصص بعضهم في نقل حتي مايقال في جلسات الأنس عنه يحرفونها ,ويضيفون اليها فيحدد الرئيس موقفه من الناقلين عنهم بالغضب والكراهية ووضعهم في لائحة المشكوك في ولائهم , اما في الصحافة فكم من صحافيين تغزلوا في الرئيس وكتبوا عن فلسفته في الحكم وعشقه للمدائح النبوية وقيامه الليل وتبتله حتي الفجر, ومرة كتب رئيس تحرير لايزال حيا يرزق في افتتاحية صحيفته بقوله "انني مع الرئيس فيما فعل وماسيفعل في المستقبل", وسجع فيه وزير راحل غزلا هابطا في إجتماع مشهور في قاعة الصداقة اخرج فيه كل مكنوناته من اللغة طباقا وجناسا وحفلة كان حديث المدينة ,غير ان الله اختار الرجل مساء اليوم نفسه وهو يهم بخلع ملابسه في بيته
وداخل استديو التلفزيون حيث كان الرئيس يتأهب لإلقاء خطابه الشهري شوهد مدير التلفزيون يومذاك يحمل علبة بف باف ويطارد ذبابة حتي قضي عليها خارج الأستديو.
هكذا بدأت تنمو في الرجل بذرة الديكتاتورية فتكّبر وتجّبر وإ ختزلت الدولة كلها في شخصه, فصار هو الذي بيده مقاليد الأمور في البلاد, يبعد الناصحين ويقرب المضللين, ويصدق الكاذبين , وينفر من الصادقين لم يكن النميري مطلوبا لمحكمة دولية ولم تكن حقوق الأنسان قد تصدرت ادبيات السياسة الدولية في ذلك العصر, فعقد بمزاجه المحاكمات العسكرية لمخالفيه في الراي فأعدم من اعدم , وسجن من سجن,وزاد النميري إستبدادا بعد المحاولات الإنقلابية المتكررة التي دبرت ضده فلم يعد يثق حتي في المقربين منه من اعضاء مجلس قيادة الثورة ,وفي رحلة تغيير جلده السياسي تخلي عن الكرملين ودخل الجامع ,واستبدل المانيفيستوالإشتراكي بالقرّان ,واستمر الرجل يمعن في القهر والجبروت يدفعه انتهازيو السياسة حتي صار اميرا للمؤمنين يبايعه المسئولون كمجدد للدين,يؤم المصلين ,ويخطب في المسلمين فتكاثر حوله المشعوذين من كل حدب وصوب يجلبهم الي القصرسماسر ة مدربون يقرأون له الكف ويطلقون البخور في ردهات القصر لطول العمروالحكم معا , يطردون الشياطين من روح الرئيس المثقلة بالذنوب والجرائم . وفي مسلسل صراع السلطة ابعد النميري كل من يعارض رأيه واصبح لا يضيق كلمة لا ويعشق كلمة نعم فألفي ا سرابا من الذباب السياسي تسقط في قصعته.
يتبع
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 938

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1180704 [أبو ياسر]
0.00/5 (0 صوت)

01-03-2015 02:27 PM
تحليل ممتاز، جزاك الله خيراً الأستاذ صديق محيسي

[أبو ياسر]

#1180201 [ابن السودان البار]
4.00/5 (1 صوت)

01-02-2015 04:27 AM
احد اقربائي قال انه كان يستمتع بخطب نميري في مسجد القوات المسلحة اكثر من استمتاعه بمسرحيات عادل امام ؟ وحكي انه في احدي خطبه ذكر احدي الايات القرانية وقال انه يتفق مع ربنا في معني هذه الاية ؟؟؟ ومن ضمن ملاحظاته ان النميري كان يعتلي منبر الخطيب ويجلس في الدرجة السابعة وهي اخر درجة في الوقت الذي عرف عن رسولنا الكريم انه كان يقف في الدرجة الثالثة وهي كانت اخر درجة ؟؟؟ وفي اخر ايام ابوعاج الذي بدا حكمه بشعارات وطنية جعلته رمزا وطنيا الا انه كما اشرت تحول الي دكتاتور سفاح كان جالسا وواضعا ارجله في طشت مياه ساخنة فساله احد اقربائه وقال له خير يا ريس اجاب ابو ابو عاج وقال ياخي دي رجولي لعبنا بيها كورة وشلتنا بيها وزراء وبقت ما شايلاني ؟؟؟من ضمن نوادره انه كان فتوة حنتوب وكان يقوم بحماية احد الطلبة الضعفا ء من تحرش الشفوت والان هذا الطالب المسكين اصبح اكبر مفكري فقه المراة في السودان ؟؟؟ وكبير المتحرشين كان يلقب بكشكوش وحكي نميري وقال انه في احد الليالي حماه بادخال سريره في غرفته حتي يامنه شر المتحرشن وفي الصبح وجد النميري السرير خارج الغرفة فزجر اخونا الضعيف وساله لماذا اخرجت السرير من الغرفة اجاب مرتجفا وقال طلعوه الاولاد الشريرين وانا نايم ؟؟؟ ومن ضمن اقواله في اخر ايامه قال انا عسكري بفهم في الضبط والربط جبت معاي الخبراء والدكاترة والمفكرين علهم يقدموا ويطوروا السودان ما عملوا حاجة ؟؟؟ اعمل ليكم شنو اكتر من كدا ؟؟؟

[ابن السودان البار]

#1180163 [حاج علي]
0.00/5 (0 صوت)

01-02-2015 03:23 AM
وسجع فيه وزير راحل غزلا هابطا في إجتماع مشهور في قاعة الصداقة اخرج فيه كل مكنوناته من اللغة طباقا وجناسا وحفلة كان حديث المدينة ,غير ان الله اختار الرجل مساء اليوم نفسه وهو يهم بخلع ملابسه في بيته

ده عمر الحاج موسي
اخوهو الان اسماعيل الحاج موسي يمارس اوسخ الادوار مع دكتاتورية الاخوان
يا استاذ صديق بالله عايزين حلقة خاصة عن احمد البلال لوسمحت

[حاج علي]

ردود على حاج علي
Qatar [ابو خنساء] 01-02-2015 04:24 AM
(وشاهدت النميري بأم عيني يزجر ويعنف صحفيا لايزال حيا امام الملأ في القيادة الشرقية بالقضارف لأنه كان ينتظره امام حوض الغسيل حاملا فوطة لينشف يديه عليها)

وده بشبه لي ود البلال بتاع في الواجهة


#1180074 [بركل بدر]
0.00/5 (0 صوت)

01-01-2015 10:11 PM
حذار أن تضع البشير دكتاتورياً عسكرياً

وإنما هي دكتاتورية الإخوان المسلمين المؤطرة بالفساد ومسح الدولة وأجهزتها بل نكران ذلك والعمل على الأمة الإسلامية.

وهم الحركة الإسلامية طوره الصحفيون حتى أتوا بالحاءات الثلاث حكومة حزب حركة

[بركل بدر]

صديق محيسي
 صديق محيسي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة