المقالات
السياسة
السيد عبدالرحمن المهدي و الإستقلال
السيد عبدالرحمن المهدي و الإستقلال
01-02-2015 05:19 PM


بالرغم من حالة الشتات التي نعيشها لدرجة فقدنا معها معنى الإستقلال لا بد من تهنئة الشعب السوداني بيوم رفع العلم و تحية أرواح السادة الأزهري و المحجوب و كل الذين بذلوا النفس و النفيس من أجل أن ينال السودان إستقلاله، و هم رجال و إن ضاق المقام بذكر كل أسمائهم هنا صدقوا ما عاهدوا الله عليه فرحم الله الذين إختارهم إلى جواره منهم و أطال في عمر الذين بيننا، و في هذا المقام لا بد من ذكر السيد عبدالرحمن المهدي الذي شهد له الكثيرون من الباحثين و المؤرخين بأنه كان العقل المدبر و الدينمو المحرك لإنتزاع السيادة السودانية من براثن التاجين المصري و البريطاني، و وصولاً لهذه السيادة إتخذ السيد نهجاً مغايراً لنهج السلف بقيادة الإمام المهدي في تحقيق الاستقلال الأول مما جعل البعض يشك في مصداقية توجهه في بادئ الأمر لكن هيهات فقد قام ابن المهدي بدم الشهادة و قيد الهزيمة مما جعله مكبل بالمسئولية تجاه بلاده و الواجب في أن يكون السودان للسودانين، ذلك الشعار الذي رفعه و لم يهدأ له بال حتى تحقق بعد مسيرة ناطحت الخمسة عقود و هي مسيرة لا مكان لإيفائها حقها هنا لكن و بمناسبة الفاتح من يناير رأيت إلقاء بعض الضوء على ما نشر من سيرة قائدها مع التركيز على الجانب الإقتتصادي لأهميته.
أدرك السيد عبدالرحمن منذ البداية أن إختلال ميزان آلة الحرب مع العدو لن يمكنه من القيام بواجبه الوطني تجاه أهل السودان بالصراع المسلح، و لذا سلك نهج تكتيكي مهادن في شكله و صفه السيد باللين في غير ضعف و القوة في غير عنف و وصفه الشاعر و المعلم المرحوم عبيد عبد النور بالصبر و التسامح، فتحقيقاً لشعار السودان للسودانين سلك أسلوب الجهاد المدني و هو على علم بطول طريقه و حوجته لتنظيم محكم يخاطب عبره الآخر و من خلاله يضغط عليه متى ما دعت الضرورة لذلك، و قد كان ذلك من الصعوبة بمكان في ظل الظروف العدائية التي كان يعيشها و من حوله من النساء و الأطفال لكن كما قال الشاعر:
بقدر الكد تكتسب المعالي و من طلب العلا سهر الليالي
كانت بداية متواضعة في 1906 و هي تقديم طلب للحكومة للتصديق له بأرض زراعية في الجزيرة أبا بحجة أنه يعول أسرة فبعد الأخذ و العطاء كان له ما يريد و أعطي أرض مليئة بالأشجار و ملكها بعد خمسة سنوات لأن قانون الأراضي وقتها يملك الأرض لمن ينظفها و يزرعها لمدة خمسة سنوات متتالية، و أخذت البداية المتواضعة تنمو و أتت الوفود من مختلف بقاع البلاد للوقوف جنبا إلى جنب مع ود المهدي و هو بدوره يقوم بواجبه معهم من إستقبال و إستيعاب و إرشاد ...إلخ مع التوسع المستمر للأنشطة الإجتماعية، الدينية، و الإقتصادية.
بعد توفيق المولى عز و جل و مقدرات السيد عبدالرحمن الشخصية نجد أن السيد إستفاد الكثير من الحرب العالمية الأولى حيث لم يكن الفحم الحجري متوفر للإنجليز فقام بتوريد أخشاب لهم مما در له مال كثير أحدث به نقلة كبيرة في مشاريعه الزراعية أيضاً توفرت عمالة من الصعب وجودها في أي مجال إستثماري و لا نستطيع القول أنها كانت رخيصة بل نقول أنها كانت مخلصة و الكل يعمل كصاحب حق و وصف هو تلك العلاقة في مذكراته بأنها تقوم على أسس أبوية محضة يلتزم فيها بسداد حاجات العمال بغض النظر عن إنتاجهم و لما تغير هذا النظام ليصبح بالنسبة على حسب النظام المعمول به في مشروع الجزيرة كانت تكلفة النظام الجديد أقل حسب دفاتر الحسابات. و قد أفلح السيد في خلق بعد جديد وهو ربط المذهب و العقيدة بمشاكل الناس اليومية أي المسألة الحياتية.
مع تنامي نفوذ السيد الديني و السياسي علاوة على المالي رأت الإدارة الإستعمارية أن لاتقف في طريق توسعه الرأسمالي بل تدعمه ما أمكن حتى يهتم بجمع المال و يتناسى دعاواه الدينية و السياسية لكن عوضاً عن ذلك إستخدم نفوذه الرأسمالي المتنامي للكسب السياسي و الديني و كان يحتفل بسخاء بالمولد النبوي و قدم المساعدات المالية لطائفة من طلاب العلم السودانين و طلاب الخلاوي و رجال الطرق الصوفية و الأدب و الأدباء و عمل على إنشاء الصحف و ساهم في تأسيس أول نادي للخريجين و قد وصفه الشاعر المرحوم محمد أحمد المحجوب و هو يرثيه:
الواهب المال لا من يكدره و الصادق الوعد لا من و لا كذب
العطاء السخي أكسبه شعبية و سط ثلاثة مجموعات أساسية:
(1) المريدين (2) الإدارة الأهلية و مشايخ الطرق الصوفية (3) القيادة السياسية لممثلي الرأي الحضري
ذلك الكسب الشعبي مكنه من توحيد المثقفين مع العناصر الدينية و التقليدية في تحالف وطني قوي من الإستقلالين أصبح شوكة في جنب الحكومة الإستعمارية.
مكونات التحالف أعلاه تقودنا للحديث عن دائرة المهدي كأكبر دائرة إقتصادية في تاريخ السودان و كانت الداعم الحقيقي لكل جهود السيد عبدالرحمن في تحقيق الإستقلال و تعريفه لها (بأنها مؤسسة دينية و إقتصادية و إجتماعية تشترك في خدمة أنصار الله في كل ما يتعلق بحياتهم و إسعادهم، أما عملها السياسي فقد كان عملاً وطنياً إقتضته الظروف لإنقاذ البلاد و تحقيق إستقلالها) هذا التعريف للدائرة يجعلنا نعتقد أن تكوينها أصلاً كان لخدمة الدين و الوطن و ليس بدافع الثراء كهدف و هذا يتضح أيضاً من أول بند في وصية السيد عبدالرحمن حيث يقول (نتيجة للإلتزامات الوطنية الدائرة مديونة) و قيمة الدين وقتها كانت بقدر قيمة الأصول لكن شاء القدر أن يصبر الدائنون و يأتي نظام مايو و يضع الدائرة تحت الحراسة و نتيجة للتضخم عندما أعيدت للورثة فاقت قيمة الأصول أصل الدين. أيضاً عندما جاء زعماء العشائر للسيد عبدالرحمن مستنكرين إتفاقية صدقي بيفن التي أعطت مصر السيادة على السودان فقال لهم (إنني عشت ردحاً من حياتي في ضيق و حرمان حتى أكلنا ورق الأشجار و أنني الأن مستعد و مصمم على أن أعود لما كنت عليه أو أسوأ منه في سبيل الإستقلال فلن نفرط في الإستقلال مهما كلف الثمن فإن لزم الأمر للتضحية و الفداء فسأكون أول من يلبي النداء).
المقدرة المالية التي أتيحت له مكنته من تطوير العنصر البشري عبر التعليم الديني و الدنيوي و التدريب المهني و ما للبشر من أهمية قصوى في أي عمل إنساني نجد أن السيد عبدالرحمن إهتم بهذا الجانب كثيراً وجعل له مناديب و وكلاء في كل مناطق الوجود الأنصاري في السودان و إلتف من حوله رجال يمثلون الهرم المهدوي فكان أبناء الخلفاء و زعماء العشائر و أنصار الله أحباب الإمام المهدي ثم توسع الجسم في حزب الأمة ليشمل من هم خارج الهرم المهدوي من السودانين الذين إستجابوا لنداء السودان للسودانين كما وضح من تكوين التحالف المذكور أعلاه و أصبح إعمار الدنيا لخير العباد المنفذ لعمار الأخرة هو ديدنه. و كما أشار إليه شاعر الحقيبة المرحوم محمد عبد السيد أبوصلاح في البيت القائل:
بك يا نور الهدى نتنور و القلوب تنسر و بنجلك عبدالرحمن اللنا بي فضله الإله يسر
أبو الإقتصاد السوداني الأستاذ دكتور المرحوم محمد هاشم عوض في ورقته المقدمة لمداولات الندوة العلمية للإحتفال المئوي للإمام عبدالرحمن سماه رائد التمويل بالصيغ الإسلامية في القرن العشرين حيث ذكر أن السيد عبدالرحمن سبق كافة المحاولات المرصودة لبعث صيغ التمويل الإسلامي و بالفعل قام بتمويل مشروع الجزيرة الزراعي في عام 1926 بصيغة الشراكة المتناقصة، و هي صيغة إسلامية متفق عليها تقوم على المشاركة في رأس المال والناتج المحتمل مع تخارج أحد الشريكين تدريجياً عن طريق بيع حصته للشريك الآخر، وبذلك تؤول ملكية المشروع بالكامل بعد فترة إلى أحد الشركاء، و تمكن السيد عبدالرحمن التوسع من عائدات هذا المشروع و إنشاء مشاريعه الأخرى.
الزراعة هي الحرفة الأولى للإنسان السوداني و يشتتغل بها أكثر من 80% من الشعب السوداني لذلك نجد أن أي عمل تنموي في السودان لا يتعلق بالزراعة يفقد جديته في التنمية الحقيقية و لما كان للسيد عبدالرحمن من إهتمام بالإنسان السوداني نجد أنه كان له دور مفصلي في التنمية الزراعية في السودان و شهد له الدكتور محمد أدم الجلابي المدير السابق للبنك الزراعي السوداني في ورقته المقدمة لمداولات الندوة العلمية للإحتفال المئوي للإمام عبدالرحمن بالأتي:
(1) أول من أدخل زراعة القطن في مشاريع القطاع الخاص.
(2) أول من أدخل التكنلوجيا و الميكنة في المشاريع الخاصة.
(3) أول سوداني أدخل الزراعة المختلطة الحديثة أي التي يتكامل فيها النبات مع الحيوان.
(4) أول سوداني فكر و نفذ مشروعات التصنيع الزراعي معصرة و محلج و مستخرجات البان.
(5) خلق فرص للعمالة الموسمية و الثابتة مما ساهم في تحسين المستوى المعيشي للكثيرين.
(6) أول من طبق نظام التكافل الإجتماعي بالسودان (أنظر أعلاه العلاقة مع العمالة).
(7) وظف كل ثروته داخل البلاد في الإستثمار و التنمية و دعم الإقتصاد.
مع كل هذه الإبتكارات في مجال الإقتصاد و العمل السياسي الدؤوب و سفر الوفود داخل و خارج السودان بدون توقف سعياً وراء السيادة الكاملة للسودان ذكر السيد في مذكراته أن دائرة المهدي قد تحصنت تماماً من أي قرش أجنبي بغرض سياسي و قال أننا نتعامل مع الأجانب لكن على أسس تجارية محضة.
الأن و البلاد فقدت جزء عزيز من أرضها و أخوة أعزاء كان يجمعنا معهم وطن واحد و مهددة لأن تفقد أجزاء أخرى و أهلنا في كل بقاع السودان يقبعون بين قتيل و مشرد و ضحية إغتتصاب ناهيك عن اولئك الذين لايجدون ما يسد الرمق و الفاقد التربوي على طول البلاد و عرضها و سوء الأحوال الصحية و تدهور العناية الطبية التي تكاد تكون منعدمة و مصادرة كل حقوق الإنسان المتعارف عليها و كل هذا لا من مصري و لا بريطاني بل من بني جلدتنا الذين وصف ظلمهم طرفة بن العبد بأن قال:
و ظلم ذوي القربة أشد مضاضة على المرء من ضرب الحسام المهند
و بالتأكيد نحن في حال أسوأ من ما عاشه الأباء و الأجداد زمن الإستعمار و سيادتنا السودانية مسلبة مما جعلنا أحوج ما نكون للإستقلال اليوم قبل غد.

[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1131

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1180601 [Awad Sidahmd]
0.00/5 (0 صوت)

01-03-2015 07:08 AM
مقتطف :
(الأن و البلاد فقدت جزء عزيز من أرضها و أخوة أعزاء كان يجمعنا معهم وطن واحد و مهددة لأن تفقد أجزاء أخرى و أهلنا في كل بقاع السودان يقبعون بين قتيل و مشرد و ضحية إغتتصاب ناهيك عن اولئك الذين لايجدون ما يسد الرمق و الفاقد التربوي على طول البلاد و عرضها و سوء الأحوال الصحية و تدهور العناية الطبية التي تكاد تكون منعدمة و مصادرة كل حقوق الإنسان المتعارف عليها و كل هذا لا من مصري و لا بريطاني بل من بني جلدتنا الذين وصف ظلمهم طرفة بن العبد بأن قال:
و ظلم ذوي القربة أشد مضاضة على المرء من ضرب الحسام المهند
و بالتأكيد نحن في حال أسوأ من ما عاشه الأباء و الأجداد زمن الإستعمار و سيادتنا السودانية مسلبة مما جعلنا أحوج ما نكون للإستقلال اليوم قبل غد. )


تعليق :
نعم الأخ اصيل مهدى , ما قلت الاّ الحق , فقد عبرت تعبيرا صادقا عن واقع الحال , فالبلاد , والعباد كما قلت تعيش فى ظل استعمار داخلى , ومعلوم أن الاستعمار الداخلى أشد وطئتا فى ظلمه , واستبداده , وقهرة , والتعدى على كرامة الانسان من أى استعمار خارجى , نعم ان هذا الذى جاءت به الانقاذ وأنزلته على الأرض يماثل تماما ويتطابق مع ما أنزلته كل أنظمة الشموليات البغيضة السابقة لها , لأنها كلها لاتعدو كونها : ( شر فى شر ) لا خير فيها البتة , ولكن المصيبة الكبرى , والبلية العظمى أن هذا الذى يجرى ونراه أمام أعيننا , يتم وينفذ بأسم الاسلام , باسم الرسالة الخاتمة , التى جاءت أصلا لاسعاد الانسان على هذه البسيطة , ليعيش حياته معززا , مكرما , فى ظل مساواة كاملة , وحرية , وعدالة مطلقة , وبعيدا جدا عن هذه الحالة التى نعائشها , والتى رجعت بنا مرة أخرى الى عهود الظلام , عهود ( الجاهلية الجهلاء ) التى جاءت الرسالة الخاتمة أصلا لانقاذ البشرية منها , فكيف يتأتى لهولاء أن يعودوا , ويرتدوا اليها باسم الاسلام ؟؟؟؟؟؟؟ فهذه هى القضية يا اخوانى , هذا هو الذى يجب أن تتجه أنظارنا اليه بجدية , واخلاص , وتجرد كامل لله , فى عملية البحث , والتقصى عن حالة هولاء الذين لايزال يدعون أنهم هم (الصفوة ) وأنهم أهل دعوة , كأنهم هم على حق , وغيرهم من بقية الأمة على باطل !!!!!!! فكيف حدث هذا لأناس من بنى جلدتنا , ولبسو غرباء عنا ؟؟؟؟؟؟؟؟؟

[Awad Sidahmd]

#1180504 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

01-03-2015 12:33 AM
رحم الله الامام عبدالرحمن المهدي ابو السودان وصانع الاستقلال الحقيقي
مقال جميل جدا شكرا باشمهندس

[سوداني]

#1180457 [يوسف جابر]
5.00/5 (1 صوت)

01-02-2015 08:49 PM
بارك الله في من كتب هذا المفال الجميل عن شخصيه اعظم سوداني في القرن العشرين ورجل الاستقلال الاول نسأل الله ان يجعل مثواه الجنه لكل ما قدم

[يوسف جابر]

#1180450 [شاهد اثبات]
0.00/5 (0 صوت)

01-02-2015 07:32 PM
image


لن نجعل من الحديث عن خاتمة هذا البحث مناسبة لإيجاز الأفكار الرئيسية التي عرضناها في أبوابه ومباحثه ففي ذلك تكرار لا نحمده وترديد لا تدعو تاليه الحاجة ونؤثر أن تكون الخاتمة فرصة لعرض ما فاتنا عرضه في صلب الموضوع وذلك لأننا نرى ان الشخصية التي عرضنا لها تزخر بالجوانب التي يمكن التعرض لها في اكثر من بحث ونحسب ان ما لم نعرض له لا يقل أهمية عما عرضنا له
لقد أصبح واضحا لمعظم الباحثين في التاريخ السوداني الحديث أن الأنصارية الجديدة التي بناها السيد عبدا لرحمن المهدي هي توجه حضاري قائم بذاته ،إنها أنصارية القرن العشرين التي وعت ظروف العصر وأساليبه وأسلحته واستطاعت أن تحقق لنفسها وجودا وبعد الوجود تأثيرا لأنها تعاملت مع الحكم الأجنبي بروح التعاون لشعورها بعدم كفاية ما لديها من مهارات وهو شعور بالتخلف الحضاري واعتراف به والاعتراف بالنقص هو أول درجات الكمال كما ان الوعي بالتخلف هو أول مراحل تجاوزه .
كان السيد عبد الرحمن رجلا واقعيا وليس من أولئك الذين يصنعون الأوهام ثم يصدقونها كان يؤمن انه لابد من التخلص من سيطرة الأجنبي فالأجدر أن يكون ذلك بإعداد أدوات التخلص أولا فالرجل قصد وبوعي تام تأييد خصومه حتى يتمكن من توجيه الناس للعمل المنتج وقصد من الاهتمام بالتعليم والتدريب وإعداد الكوادر التي ستحل محل المستعمر لان إزالة الأجنبي لا داعي لها إذا كان ليس هناك بديل أفضل وأكثر كفاءة لكي تذهب الجهود الذي بذلت أدارج الرياح
الرجل واقعي لأنه اكتشف بفطرته أهم معالم ومظاهر وأسباب الهيمنة البريطانية على السودان وعمل على الأخذ بتلك الأساليب والمظاهر والأسباب،الأمر الذي أثار حوله الكثير من الشكوك والاتهامات التي نعتقد أن مروجيها كانوا يجهلون الأهداف البعيدة التي كان يسعى لها أو كانوا ممن لا يريد للبلد أن يشق طريقه كبلد له خصوصيته وتفرده وليس تابع من التوابع...
واقعية السيد عبد الرحمن وخضوعه للحكم الثنائي هو الذي ا ربك سياسات الحكومة وجعلها تمارس دورا متناقضا وتعيش في دوامة الرفض والقبول لأنها لم تتوقع منه شيئا غير الثورة والتمرد باعتباره زعيم لطائفة قابلة للانفجار لذلك ظلت العلاقة بين الجانبين مشوبة بالحذر وعدم الثقة..
الحكم الثنائي للسودان لم يكن بالسوء الذي صورته الكتابات المختلفة باعتباره استعمارا فحاكم عام السودان لم يكن تابعا لوزارة المستعمرات التي كان يتبع لها كل حكام المستعمرات البريطانية إنما كان تابعا لوزارة الخارجية البريطانية وبالتالي فقد جذبت الخدمة في السودان أفضل الموظفين البريطانيين من خريجين أكسفورد وكمبردج الذين تميزوا أيضا بمهارات رياضية أولئك الموظفون المتميزون لفتوا نظر الكثير من المراقبين الأجانب الذين زاروا السودان في ذلك الوقت وأشادوا بإداريه ومستواهم الرفيع كما أن السودان وقتها كان كعبة الزوار المهمين فقد زاره الرئيس الأمريكي تيودور روزفلت عام 1910 وقضى فيه أسبوعين وأشاد بالإدارة البريطانية في السودان بينما انتقد السياسة البريطانية في مصر..
منذ الاشهر الاولى للحكم الثنائي كان واضحا ان البريطانيين يتعاملون مع رعاياهم بطريقة تختلف عما عرف من تعامل بين مستعمر(بكسر الميم) ومستعمر(بفتح الميم) فهذا كتشنر القائد المنتصر بماعرف به من غطرسة وتعال يقف امام ظبطية ام درمان يتحدث الى التجار والمواطنين بلغة عربية فصيحة عن اسباب غلاء العيش ويوجه كلامه الى كبير التجار ابراهيم بك خليل قائلا يا عم ابراهيم..الخ..كلمة (يا عم) والحوار الذي نقله شاهد عيان* يدلان على بوضوح على روح الاحترام علما بان هذه الاحداث جرت في نفس الاشهر التي اعقبت معركة كري وكان من المفترض ان تكون النفوس مشحونة بالكراهية المتبادلة
الانجليز فهموا طبيعة الشعب السوداني فارخو العنان واحترموا تقاليده وحكموه بتجرد واناصف فامن الناس على لنفهسم واعراضهم ومعتقداتهم ونشا نمط ليس له مثيل في تاريخ الاستعمار حيث المحكوم شريكا للحاكم في السلطة* ويبدوا ان الاتجاه فرضته ظروف المشاركة المصرية في حكم السودان اذ ان المسئولين البريطانيين لم يستسيغو فكرة الشريك المصري بناء على التجربة المصرية سيئة الذكر في العهد التركي المصري والتي يرى البريطاينون انها كانت السبب في انفجار الثورة المهدية ..ولذلك فقد سعى البريطانوين الى اقامة بديل وطني للمشاكرة في الحكم بدلا من الشريك المصري وهذا في – رائينا- من المفترض ان يجد التايد والمساندة من السودانيين وهو في رائينا ايضا-من المعالم التي اكتشفها السيد عبدالرحمن مبكرا في نظام الحكم الثنائي ووجد ذلك في نفسه قبولا قبولا دفعه-دون مجاملة او مراوغة او نفاق- الى تاييد النظرة البريطانية والتعاون معها في دعوة"السودان للسودانيين" التي بدا البرطانيين التمهيد لها من 1899 وولوا بها الى مبتغاهم عام 1923 حينما اجبروا الحكومة المصرية على تعديل المادة 29 من الدستور المصري التي تنص على ان"الملك يلقب ملك مصر والسودان"واستبدات عبارة"ملك مصر. ثم جاءت احداث 1924 لتقطع اخر امل للمشاكرة المصرية في حكم السودان. قبول الانفراد البريطاني بحكم السودان لم يكن قاصرا على السيد عبدالرحمن انما شاكره فيه كثير من المثقفين السودانين الذين كانو يرون ان لبريطانيا-من الامكانات الثقافية والعلمية والمؤسسات والمعرف-ما يمكن ان تمنحه للشرق عموماً.
المرجع"السيد عبدالرحمن المهدي العرشوالمحراب دكتور الزاكي الطيب رسالة دكتوراة -جامعة الخرطوم

[شاهد اثبات]

م/ عبدالرحمن المتوكل
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة