المقالات
السياسة
كيف تفرق بين الحق والباطل (12) محك معركة الجمل..
كيف تفرق بين الحق والباطل (12) محك معركة الجمل..
01-03-2015 12:35 AM

لهذه المعركة أهمية فكرية وإجتماعية ضرورية لفهم التنازع الإجتماعي والتعرف على جوانب الحق والباطل. فهي أول معركة تنشأ بين مسلمين يؤمنون بدين واحد ويتلون نفس الكتاب ويصلون تجاه نفس القبلة. فلقد كانوا يقاتلون أناسا معتدين عليهم على غير دينهم. فكانوا على ثقة بأنهم مع الحق وأعدائهم "المعتدون عليهم" مع الباطل. فهم مع الحق دينا، ومعهم الحق في رد كل إعتداء عليهم، ولكنهم لا يعتدون أبدا كما في الآية: ((وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)) [البقرة: 190]. وما كانت كل الحروب في زمن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام إلا لرد إعتداءات الآخرين، وليس لفتوحات البتة. وما كانت الحروب التي سميت بالردة زورا في زمن أبوبكر الصديق إلا لقتال المعتدين، المشركين ومن تآمر معهم من أهل الكتاب والمنافقين والذين في قلوبهم مرض، الذين أرادوا الإلتفاف للقضاء على الإسلام والمؤمنين به. فهي ليست حروب ردة وكان حري أن تسمى حروب رد العدوان. ولكن للفتنة ولبس الحق بالباطل سميت كذلك، ولإتخاذها ذريعة لتوسيع ممالك السلاطين الذين جاءوا بعد ذلك، لتقنين إعتداء دولهم لنهب الشعوب وسبي نسائهم والتلذذ بها بالإثم والعدوان.

بعد مقتل عثمان وإنتقال الخلافة لعلي كثرت أباطيل الذين في قلوبهم مرض، ودسائس المنافقين، وتدليس المرجفين فأوقعوا بين الطرفين. فالإمام علي رأى عدم إثارة مقتل عثمان وقضية القصاص إلى أن يستقر الحكم. ولعله كان يبحث ولكن يرى صعوبة القصاص لدم عثمان الذي تفرق بين الثوار، والذي قد يتسبب في فتنة. وقد يكون معه حق. خذ مثلا البلاد التي ضجت فيها الثورات. فلتعنتت التاس بالثأر والقصاص، إنجرفوا خلف الدماء ولم تفلح تلك الشعوب في بناء مستقبلها، كالثورة الفرنسية التي إنتهت إلى إمبراطورية من جديد. أما التي تريثت وحاسبت الرموز الكبيرة وأفشت جو التسامح والعفو والمضي قدما في المستقبل أفلحت، كجنوب أفريقيا.

وقد رأت أمنا السيدة عائشة بوجوب التعجل بالقصاص. ولكن الإمام علي تجاهل الأمر ونقل الخلافة خارج المدينة التي كثر فيها النفاق، فحسبته متواطئا في مقتل عثمان ويقف مع الثوار. وغير شك، كان يؤزها أزا الذين في قلوبهم مرض لتحدث هذه الفرقة.
فسارت بجيش عرمرم نحو البصرة لتصحح الوضع بحسب إعتقادها. وكان لابد للإمام علي من التصدي لهذا الخروج غير الشرعي عليه. فهناك ترآى الجمعان، وألتقى الجيشان، فأصطدموا وسالت الدماء، ووقف الحليم حيران: من معه الحق ومن على باطل؟.
فهل الحق في جانب الإمام فتكون أم المؤمنين رضي الله عنها، زوج رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام، على باطل؛ أم الحق مع السيدة عائشة فيكون الإمام علي عليه السلام، مولى المؤمنين رضي الله عنه، على باطل. من هو المبطل ومن هو المحق؟.

كان كل فريق رضي الله عنه ينادي لينضم إليه الناس، ولا يزالوا حائرين. وقد تمثلت الحيرة في الزبير كما يروي الطبري إنه قال: "ما كنت في موطن، منذ عقلت، إلا وانا أعرف فيه أمري، غير موطني هذا..". أي إنه يسترشد بوعيه دائما، ولكن في هذه الفتنة عجز عن إرشاده. وقد أدت به الحيرة الإنسحاب من المعركة والذهاب في الأرض لا يلوي على شئ.
وقيل إن رجلا أتى علي أثناء المعركة يسأله: "أيمكن أن يجتمع الزبير وطلحة وعائشة على باطل؟". فأجابه الإمام بحكمة بليغة قال فيها: " إنك ملبوس عليك. إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال. أعرف الحق تعرف أهله".
أي لا يغرنك إنسان وقدره، أو تعتقد أن فلانا أنه يكون محقا دوما. فقد يكون في مواقف لا يقف فيه مع الحق. فاالطبيعة البشرية التي ذكرناها قد تؤثر عليه. فقد يقف مرة مع الحق ومرة مع الباطل. ولكن بهداية الله وحده، يمكن أن يجد الإنسان نفسه يقف مع الحق كل مرة ولو ضد هواه. فلابد من سؤوال الحق تعالى الهداية للحق في كل موقف.

إنتهت المعركة بإنتصار الإمام علي وإستغفار و أوبة السيدة عائشة ورجوعها إلى المدينة. ولكن لم ينتهي التلبيس قط. فقد فسحت هذه الفتنة المجال لما تلاها من الفتن والحروب الداخلية، ويسرت لكثير من المذابح وإراقة الدماء ليصير قتل النفس رخيصا، ولتتزيف الكثير من المفاهيم واختلاط الحابل بالنابل، ويصعب على الناس معرفة الحق من الباطل. ومهدت فيما بعد لافتراق المسلمين بين سنة وشيعة ولفرق أخرى وطوائف عدة، ويتدمر نموذج خير أمة أخرجت للناس، ومن ثم ليصبح التداول السلمي للسلطة ملكا غصبا و عضوضا وراثي للصبيان ويتحكم به حريم السلطان.

فهذا من الأثار المجتمعية التي إنعكست ليتحول الباطل حقا والحق باطلا، ويتشوه الدين ويجني ثمار ذلك السلاطين وتجار الدين والطغاة والحكام الظلمة والأرزقية والذين في قلوبهم مرض، لتضيع الأجيال بين الحق والباطل جيلا بعد جيل.



* الحلقة: كيف تفرق بين الحق والباطل (13) بين علي ومعاوية –أ- حق وباطل ولكل أهل..
الأحد إن شاء الله.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 892

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1180642 [very sudani]
0.00/5 (0 صوت)

01-03-2015 10:20 AM
كلام مؤسس مابيطلع إلا من زول باحث حقيقي في القرآن الكريم ذلك الكتاب الذي لاريب فيه وهدي للمتقين....الهم أجعلنا من المتدبرين للقرآن الكريم........

[very sudani]

سيف الحق حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة