المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.عبد الوهاب الأفندي
انفلونزا الشجاعة، حبوب الهلوسة وسموم العنصرية
انفلونزا الشجاعة، حبوب الهلوسة وسموم العنصرية
02-26-2011 12:34 PM

انفلونزا الشجاعة، حبوب الهلوسة وسموم العنصرية

د. عبدالوهاب الأفندي
[email protected]


(1)

لا بد أولاً من الاعتراف بأنني حين علمت لأول مرة باعتزام بعض شباب ليبيا الدعوة لوقفة احتجاج في السابع عشر من فبراير الجاري، لم أعر الأمر كبير اهتمام، خاصة وأن من أبلغني الخبر ذكر أن العقيد القذافي حين سمع بالدعوة اعلن أنه سيكون على رأس المتظاهرين لأنه أيضاً غير راضٍ عن أوضاع البلاد وأداء اللجنة الشعبية العامة. وقد اعتبرنا الأمر كله أدعى للتندر، لأن ليبيا لم تكن عندنا على رأس قائمة الدول المرشحة قريباً للإصابة ب \"انفلونزا\" الانتفاضات الديمقراطية (والتعبير للرئيس اليمني علي عبدالله صالح).

(2)

مبعث تشككنا كان علمنا بشراسة النظام الليبي الذي اعتاد على الدفاع عن نفسه بوحشية، وبدون رادع من خلق أو عرف أو قانونً. فقبل ذلك ما أرسل النظام من يغتال المعارضين ممن أسمهاهم \"الكلاب الضالة\"، حتى في الخارج، وحرض الطلاب على شنق زملائهم في الحرم الجامعي لمجرد الخلاف في الرأي، وارتكب المجازر دون أن يطرف له جفن. وعليه لم يكن في حسباننا أن يخرج لمنازلة مثل هذا النظام إلا من يمتلك شجاعة غير عادية، ولم نكن نعتقد أن في ليبيا كثيرون ممن يمتلكون هذا القدر من الشجاعة الذي يقترب من التهور

(3)

يبدو أن العقيد القذافي وابنه المدلل كانا أيضاً على رأينا، حيث لم يتخيلا أن يخرج معارضون لمواجهة فرق الموت التي أعداها لمثل هذا اليوم، ولهذا صدقا بسرعة مزاعم أجهزتهما الأمنية التي خرجت بتفسير عبقري لهذه الشجاعة غير المسبوقة: اتهام الشباب الذين يواجهون آلة القتل الشرسة بأنهم كانوا تحت تأثير حبوب الهلوسة أو المخدرات.

(4)

ربما كان الأولى بالقذافي وبنيه طرح السؤال بصيغة أخرى: أي حبوب مخدرة أو منومة كان مواطنو ليبيا وبقية الدول العربية يتعاطون قبل أن يستيقظوا فجأة من سكرتهم ليكتشفوا أن بلادهم اختطفت من قبل فئة من المهووسين واللصوص والعابثين.

(5)

لا بد أن نشهد لليبيين بأنهم أشجع العرب، بل الناس طراً، لأنهم حين خرجوا وهم عزل لتحدي القذافي ورجاله كانوا أعلم الناس بطبيعة ذلك النظام، خاصة حين اختاروا السابع عشر من فبراير تاريخاً لهذا الخروج. فاليوم صادف ذكرى مجزرة ارتكبت في حق مظاهرة سلمية شهدتها مدينة بنغازي عام 2005، وقتل خلالها أكثر من ستمائة متظاهر أعزل. وكانت نفس السلطات ارتكبت في سجن أبوسليم قرب بنغازي محزرة أخرى راح ضحيتها أكثر من 1200 سجين عام 1996.

(6)

كثير ممن خرجوا أو مازالوا مرابطين في ثورة ليبيا كانوا يرجحون ألا يعودوا أحياء، ولكنهم كانوا بنفس القدر مصممين على دفع ثمن الحرية. وقد حققوا بمواقفهم البطولية انتصارات غير مسبوقة على آلة القتل الجهنمية، ولم يبالوا بتهديدات العقيد وابنه جهاراً نهاراً بارتكاب المجازر، والقتال كما أكد كل منهما إلى آخر رجل (يقولان هذا وكلاهما يخشى مجرد الظهور في الشارع، فضلاً عن القتال، وإنما يقصدان أن يقاتل الآخرون عنهما).

(8)

لا بد إذن أن نحيي ثوار ليبيا، لأنه لا أحد يستحق الحرية اليوم أكثر منهم، إذا دفعوا مهرها مسبقاً. وهم يستحقونها لأنه لا يوجد في العالم العربي، على ما فيه من مصائب، حكومة أشد بؤساً من حكومتهم يقوم عليها مهرج جعل البلاد مسخرة العالمين، وهو يعتقد جهلاً بأنها كما قال أصبحت تقود العالم. وهو رجل غاية في اللؤم والخبث كما ظهر من خطابه الأخير الذي فاض بالحقد على ليبيا وأهلها، واصفاً إياهم بالجرذان والجراثيم، ومحرضاً بعضهم على بعض. فليست هناك مصيبة أكبر من مصيبة أهل ليبيا إذ قام عليهم حاكم كهذا.

(8)

ندعو الله أن تكلل ثورة ليبيا بما تستحق من نجاح، ولكن لنا ملاحظة، وهي أن مواقف أهل ليبيا البطولية لا تبرر بعض المقولات العنصرية التي تواترت هذه الأيام، وأكثرت من توزيع الاتهامات لمن يسمون بالمرتزقة الأفارقة على أنهم هم من يديرون آلة القتل الرسمية. الملفت أن سيف القذافي وأباه قاما أيضاً بتوجيه اللوم للأجانب (خصا المصريين والتونسيين بذلك) في إذكاء نار الثورة وتولي كبرها، كأن ليبيا ليس فيها رجال يتصدون للظلم. ومعظم هذه التهم لا أساس لها، فالعمال المهاجرون من عرب وأفارقة جاءوا إلى ليبيا لكسب الرزق، ولم يأتوا لا لإشعال الثورات ولا لإخمادها، وإلا لكانت بلدانهم التي ضافت بهم أولى بإشعال الثورات فيها

(10)

إن من شروط تطهير ليبيا من ماضيها الأليم المسارعة بمواجهة الحقيقة، والاعتراف بأن من تولى كبر جرائم النظام التي لم تكن بدايتها في فبراير/ربيع الأول، كانوا ولا يزالون في مجملهم من أهل ليبيا نفسها وأبناء قبائلها وعشائرها. فقد أنتجت ليبيا للأسف القتلة والمجرمين، كما أنجبت الأبطال. وهي في ذلك ليست بدعاً من البلدان، وعليها لذلك أن تعترف بنصيبها من الإثم، وأن تواجه ماضيها وتعالج حاضرها بلجم وردع المجرمين من أبنائها، ثم الانتقال إلى المصالحة وقبول التوبة بعد المصارحة والمواجهة. ما لا نريده لليبيا هو أن تتحول غداة نيلها الحرية إلى صربيا جديدة تصب حقدها غلى المهاجرين من عرب وأفارقة ممن خدموا ليبيا وشاركوا في بنائها جنباً إلى جنب مع أبنائها، إن لم يكن أكثر.


القدس العربي


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2811

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#102755 [Mohamed]
1.00/5 (1 صوت)

02-26-2011 11:55 PM
ليت وزير خارجيتنا الغطريس يقرأ هذا االمقال العبرة، فقد سارعت وزارته على لسان الناطق باسمها الي اتهام ثوار دارفور بالضلوع في المجازر المرتكبة في ليبيا ما يرقى إلى مستوى التحريض الصريح للشعب الليبي للانتقام من جميع السودانيين الموجودين على الأراضي الليبية. كم هو رخيص ومبتذل هذا الوزير، لا عجب- من منسقية الدفاع الشعبي إلى هرم المنسقية الدبلوماسية.


#102611 [النور]
1.00/5 (1 صوت)

02-26-2011 06:08 PM
صحيح ان اغلب الناس لايتوقعون الثورة الليبية لادراكهم بصعوبة وشراسة هذا النظام وتغلغله في مفاصل الدولة وحتي الثورة المصرية والتونسية تجاوزت توقعات الناس ويا دكتور هذه سنة الله في خلقه هكذا دائما يسقط الطغاة والغريب في الامر حتي الغرب الذي كان دائما له اجندة فيما يحدث في اقطارنا, هذه المرة لم يجد الفرصة ليدس اجندته وذلك لتسارع الاحداث لا احد طبعا ينكر جهود الاخوة الثوار في هذه الاقطار ولكنها سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا هذا مآل الفساد دائما . كثيرا ما نسمع عن الحرية وبعض الشعارات التي في الواقع لاتمثل الاولوية لبعض الدول عندنا علي الاقل في الوقت الحالي ولكنه الفساد والظلم هذه عاقبته.


#102589 [ميسره ]
1.00/5 (1 صوت)

02-26-2011 05:26 PM
شكرأ لك دكتور اتهم المهرج الثوار بالهلوسه وانهم جرزان وقطط لماذا يريد ان يحكمهم لاول مره اعرف ان القذافي جاهل والايام القادمه سوف تكشف لنا عن بقية المهرجلين


#102575 [Shah]
1.00/5 (1 صوت)

02-26-2011 05:09 PM
ماتنسى بلدك و بنات بلدك المغتصبات ياللفندى هوى.


#102557 [بوعزيزي]
0.00/5 (0 صوت)

02-26-2011 04:50 PM
وليت من يطلبون النزال يقلون عددا ويزدادون فهما!!!!


د. عبدالوهاب الأفندي
 د. عبدالوهاب الأفندي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة