المقالات
السياسة
المرشح .. المرشح
المرشح .. المرشح
01-07-2015 11:57 PM


وصلت ملكة متأخرة وانحشرت بسرعة بين جموع نساء القرية, وجعلت تدفع كل من يقف فى طريقها حتى استقرت فى مكان فى المقدمة بحيث تستطيع رؤية الشخص الذى سيتحدث فى الندوة. وتلفتت لتنظر حولها بعيونها الجريئة. وكانت تركز بصرها فى النساء اللاتىكن يمعن النظر اليها ويراقبن تصرفاتها ويتشككن فى نواياها. وهى تدرى بان سحرها المتجاوز للحدود وعطرها الاستوائى الفواح وفستانها الاحمر الذى يشد على جسمها المغرى, وثوب السارى السودانى الشفاف الذى لا يقوى على ستر اكتافها البدينة, كلها ساهمت فى لفت الانظار اليها. وتحركت بارجل مصقولة ثابتة ممتلئة بالنشوة والسحر. كانت تحتفظ بابتسامة عريضة تعلو وجهها القمحى الصبوح الذى ازداد جمالا عندما بانت اشرها المشعة بالبشر. ومدت يدها لتسلم على صديقتها فأخذتها الصديقة فى حضنها. والنساء يعرفن شغفها الكبير بالتجمعات العامة والاحتفالات وعدم اعطاءها للسياسة ادنى اهتمام. وهى اتت الى هذه الندوة بدون ان تجمع معلومات كافية عنها. وعندما اعلن مقدم الندوة اسم المتحدث, فتحت ملكة فمها واسعا من فرط الدهشة وتلاشت علامات البهجة من وجهها رويدا رويدا. واطرقت للحظات لتسترجع تفاصيل الساعة الاخيرة التى قضاها اغبش معها فى البيت فى نهار هذا اليوم. وكانت تعلم انه احد المرشحين فى الانتخابات المحلية لكنها لم تكن على يقين بانه سيكون المتحدث الوحيد. وتصورت بوضوح حاله عندما يستطيع التحكم جيدا فى مسار الندوة ويحقق النجاح. وبحركة تلقائية هزت راسها مستنكرة. لكن صديقتها التى تعرف الكثير عن علاقتهما, استطاعت ان تخمن شيئا عن الذى يجرى الان بين اغبش وخطيبته. ومنذ ترشحه امسك اغبش تماما عن الخوض معها فى اى جزئية من امور السياسة مهما صغر شأنها. اضافة الى ذلك فان اصراره على ان تظل خطوبتهما سرية ساهم بقدر ميسور فى اثارة حفيظتها. وزاد ركام غيظها وهى تفكر وتستدعى شكوكها الدفينة واصبح الغضب يبدو ظاهرا لكل النساء اللاتى كن يقفن بجوارها. ولا شك فى ان المجموعة اليمينية المتزمتة التى ساعدت اغبش بكل ما تملك ودفعت به للانتخابات, وهو فى التاسعة والثلاثين, قد استطاعت ان تدربه جيدا على كتم الاسرار.

ولما خاب املها فى ان ترى المرشح المنافس الذى سيتحدث و يتحدى اغبش فى العلن, تراجعت لتستجمع قواها وتفكر فى بدائل اخرى للحد من تسلطه. وهى عكس ما تظهر الان, تحب اغبش حبا غزيرا, لكنها ترى بان عليها الاسراع بالقيام بخطوات تساهم فى وضع قطار علاقتهما فى المسار الصحيح. عند الخامسة من صباح اليوم كان حبيبها قد تسلل الى داخل غرفتها وكان يقصد ان يرتاح و يدع نفسه تطمئن الى السكن فى المكان الذى يعشقه كثيرا. وقبل الظهر لاحظت علامات الاستعجال واللهفة تبدو واضحة على وجهه, كما لاحظت ان جسمه الرشيق اصبح يتنقل بسرعة بين اطراف الغرفة. وبعد دقائق اوشك صبرها ان ينفذ فجذبته من يده متوسلة اليه بان يجلس بجوارها على السرير, لكنه رفض متعللا بان هنالك مهمة تخص عمله وعليه الذهاب لتنفيذها . قبل يدها وتركها ثم ذهب فغسل بشرته السمراء الناعمة بالماء الدافئ. ورجع فثرثر معها قليلا اثناء تناول وجبة خفيفة ثم طلب المغادرة. وحين صبت كاسا من خمر عرق البلح رفضه على الفور, على غير عادته, ثم نهض وهم بالتحرك لكنها اسرعت وامسكت به من جديد. وعندما لاحظ التبرم الواضح على وجهها وطن نفسه على هدوء مصطنع, فاحاطها بذراعيه النحيفتين ثم قبلها بسرعة وذهب. وظلت تتمسك بخيط امل وهى تنظر اليه وتراقب كل اجزاء جسمة حتى خطا اخر خطوة وهو يغادر الى الخارج. وهى تتذكر بدقة تفاصيل اللحظة التى ثارت فيها وطلبت منه ان يخطبها. لم يعاندها كثيرا بل وافق, لكنه اشترط واصر بعناد بعد ذلك بان تظل الخطوبة سرية. لكنها تعلم ان ثورة الغضب التى تسيطرعليها باحكام فى هذه اللحظات لا تقلل من مقدار الحب العنيف. وهو يسميها خديج وكان يعلن لها باستمرار بانه ظل فى سنوات البعد يشتهى كل نقطة فى جسمها. وبعد ان ارتبط بها ظل يتغزل فيها باستمرار, تماما كما كان يفعل فى السابق. وقبل ان يغادر كان يشير باصبعه الى مكان ما فى جسمها, فاسرعت وغطته وعدلت من وضع فستانها. وفى لحظة صعوده الى خشبة مسرح مدرسة البنات صفق الجمهور المتحمس بحرارة. وعندما لاحظت الحماس على وجوه النساء زاد غضبها وزادت غيرتها. وشعرت بان عليها ان تتحرك بسرعة لترد الامور الى نصابها. وبعد لحظات بدات تصفق بقوة كى تجارى النساء, لكن حماسها قل بعد برهة,واحست بكفيهاالثقيلتين تبطأن الحركة. وعندما انزلت يديها الى الجانبين ونظرت الى جوارها لاحظت ان جاراتها كن ينظرن اليها باستغراب, فتداركت نفسها واسرعت برسم ابتسامة مصطنعة على وجهها الجميل الجذاب. لكنها لم تتمكن بعد ذلك من ان تقلل من شدة الغضب العارم الذى اوشك ان يقودها الى تهور

وهى اخطات فى السابق عندما وافقت على علاقة سرية انفضت بدون زواج. وهى بنفسها لم تخبر اغبش لكنه يدرى بالعلاقة ويكتم عنها علمه. وفى صباح اليوم كان لطيفا معها ودافئا. فى اللحظة التى هم فيها بالمغادرةاطلق بعض عبارات الغزل المبتذلة فامسكت به من اصابعه وعبثت بها ثم ضربت برفق عدة مرات على جسمه حتى جعلته يضحك وتسيل منه الدموع الغزيرة. وفى تلك اللحظات سالته عن الامر العاجل الذى يشغله فتلعثم وتردد فى الاجابة وكثر العرق على جبهته. صمت ليفكر فى مخرج فلم تلح عليه بل تركته تفاديا للاحراج. كانت تحس بشئ ما مدفون فى الجوف لكنها كانت راضية عن المسار العام للعلاقة. وهى علاقة ظلت تمر بلحظات يحدث فيها سوء تفاهم و ثورات غضب شديد لكن كان الحبيبان يستطيعان تجاوز الازمات بسهولة ويتصالحان. وكان حبهما يقوى ويزيد بعد كل مصالحة. واحيانا كانت ملكة تشتط فى الغضب وتصيح وتهدد بالقيام بافعال غير مألوفة. وبعد المصالحة تنسى كل شئ. وزاد اهتمامها به عندما سمعت همس النساء عن سحره وجمال سمرته وجاذبيته. وكن يقلن ذلك منذ ان كان فى نهاية عقده الثالث. كان يعتنى بنفسه كثيرا ويعمل فى دكان القرية ويبتعد عن الاعمال العسيرة الاخرى. وقد ساعده عمله على الهدوء والمقدرة على التعامل مع الناس من مختلف الفئات. كذلك تعود على المزاج المتوازن والضحك وسرد النكات. وهى كذلك تعرف مدى انجذاب الرجال لها بالرغم من انها اصبحت تقترب من سن الثلاثين. واصبحت فى هذه اللحظات تراقبه وهو يتحدث ويحرك سبابته باستمرار. وهى ليست وحدها بل كل النساء فى القرية يعرفن مقدار القوة التى حصل عليها وكيف يمكن ان يستخدمها لتحقيق ما يريد

وبالامس استثمر اغبش بعض ساعات الليل مع اعضاء فريق حملته الانتخابية لتحضير خطابه بصورة ممتازة ومراجعة طريقة الالقاء. ساعدوه فى وضع المقدمة المدهشة وحذفوا الحشو الزائد والحديث عن الذات, تاركين النقاط التى تتحدث عن خدمات التعليم والصحة والعناية بالبيئة ومشاريع خدمة المواطنين وزيادة عدد الوظائف. كذلك اثنوا على اختياره لمدرسة البنات كمكان للندوة عوضا عن دار شيخ القرية. وكان الشيخ يصر على ان يحظى مرشح القرية باجماع اهلها. وعندما كثرت عليه ضغوط المجموعة اليمينية المتشددة وافق على تعدد المرشحين. وفى اجتماعه مع اعضاء اللجنة ظهر اليوم كان اغبش يضع اللمسات الاخيرة للمؤامرات و لخطط الطوارئ. وهى خطط هجومية محكمة اعدوها للرد على هجوم محتمل من قبل الخصوم. واللجنة تدافع عن اختيارها له لانه فى نظرها محدث لبق ويجيد العمل فى دهاليز مجلس المدينة وتكوين مجموعات الضغط التى تؤثر على اصحاب النفوذ فى الحكومة المحلية. اما سلوكه الشخصى فهى لا تهتم به او بالدفاع عنه وترى ان الانجازات التى سيحققها ستجعل المعارضين يغضون الطرف عن المسائل الذاتية. وكان اغبش فى الماضى يحمل قيما لبرالية يدافع عنها بحماس اكبر من حماسه فى الترويج لشعارات اليمين التى يرددها فى هذه الندوة. وهو كان مع اعطاء حقوق كثيرة للنساء لكنه الان يقف مع مجموعة تريد منع مشاركة النساء فى الحياة العامة. ومع كل ذلك فان من رشحوه يشعرون بانه افضل من يضمن لهم كسب اصوات النساء والشباب. ولحسن حظ التيار اليمينى فقد انتبه اغبش منذ سنوات الى اهمية الحفاظ على سرية تفاصيل حياته الخاصة, وتمكن من وضعها بعيدا عن متناول الثرثارين والخبثاء

شدت ملكة على يديها المشبوكتين مع بعضهما وهى تسند ذقنها على الابهامين. ثم اصبحت تضرب بسبابتيها وهى تنظر مليا الى حبيبها الجذاب الرشيق الانيق. كانت تفحصه بترو لكى تجد فى مظهره ما يعيب. وبعد طول تمحيص لم تجد مثلبة واضحة. التفتت حولها وبعد تردد همست فى اذن صديقتها قائلة: “طويل واهبل“. وكان المرشح قد استطاع بخطابه المتزن ان يكسب المترددين ويحيد الكثير من الخصوم. وكان بعضهم فى السابق يقول بانه انتهازى ومنافق وسطحى, تارة يردد شعارات ليبرالية لارضاء المتحررين, وتارة يردد شعارات يمينية لا يدرك عمق محتواها. لكن لا احد من خصومه تجاسر اليوم وهاجمه او انتقده. وهم الان يرون مدى تاييد الجمهور له ويتحسرون على اضاعة الفرص التى لاحت لهم قبل هذا اليوم. وبمرور الوقت شعر بانه قادر تماما على السيطرة على مسار الندوة. اما ملكة فقد ضغطت بيديها على الجانبين واصبح احمرار عينيها يزداد بوضوح من فرط الغضب. وبعد حين وضعت يدها على كتف صديقتها وقربت فمها من اذنها وهمت بان تبوح بشئ لكنها ترددت. واستدارت لتراقب النساء حولها. كن يتحدثنعن اعجابهن باغبش وهندامه الحسن وجاذبيتة. بعضهن قال انه مازال وسيما جدا كما كان قبل عشر سنوات وكذلك حلو العينين. وعند اقتراب النهاية علت صيحات الجمهور بالهتافات والتصفيق واصبح البركان متاهبا ويقترب من احداث كارثة

واذ دنا موعد نهاية الندوة ظهرت علامات الرضى على وجوه مسؤولى ضبط الامن وشعروا بالتحرر الكامل من مناكفات المراهقين الذين كانوا باستمرار يحاولون الاحتكاك بالفتيات. اما ملكة فرات بام عينيها دنو لحظة نجاح اغبش وتيقنت من حتمية ان تتحرك وتنفذ ما استقر فى قلبها. واغمضت عينيها فشاهدته وهو محاط بالنساء ومنغمس فى انغام الموسيقى والغناء والزغاريد. كان يرفععصاته ملوحا و يرقص مبتهجا ومبشرا بالخير والمال. وتذكرت كيف مكنته من نفسها بسهولة وادركت مدى صعوبة ارجاع الامور الى سيرتها الاولى. وكلما اغمضت عينيها لتمسك بلحظات مماثلة, يفرح فيها الرجال والنساء والاطفال بزواجهما, تفر منها المشاهد وترى منافسة اخرى تقف فى طريقها. وهى تعلم ان اغبش يمكن ان يسكتها بالقوة اذا افشت اسراره, فهو خبيث وقوى وذو دهاء كبير ويعرف سبل الابتزاز. اما زواجه من امراة اخرى فلن يرغمه على تغيير الوضع الحالى الذى اجبرها عليه. وكلما تذكرت هذه الافكار كانت تزداد غيظا. وتلى مدير الندوة كلمات الختام. وفى هذه الاثناء كان اغبش يجلس على كرسى وهو يفكر فى ردود افعال ملكة الغاضبة التى ما انفكت تراقب كل حركة يقوم بها. لكنه كعادته احتفظ بثقة تامة بانه سيستطيع حل اى خلاف معها. وكان متيقنا بانه سيكسب رضاها عندما يذهب اليها فى البيت هذا المساء كما كسب رضا الالاف فى الندوة. لكنه يضع فى الحسبان حماقتها وفجورها فى الخصومة. وحين التفت وركز بصره فى عينيها نظرت اليه نظرة حادة وضمت رؤوس اصابع يدها اليمنى مع بعض ثم رفعتها باتجاهه وهى تهزها بهدوء. وعندما فهم قصدها التفت الى الناحية الاخرى. واستطاع سريعا ان يستعيد توازنه لانه يدرك بان قلبها طيب ولا تحقد عليهوهى فوق ذلك تحبه بعنف مميز

وتنفست ملكة بعمق وبصوت واضح فاثارت انتباه النساء حولها. والتفتت صديقتها ووضعت يدها على كتفها وطلبت منها بان تبوح لها بما يجيش بصدرها. تريثت ثم تحدثت باقتضاب وحذر. وقد ساعدها ترددها على التنبه لاحتمال ان تستخدم الصديقة بعض المعلومات لتؤثر على قلب اغبش. وحين هدات تذكرت ان هدفها هو عدم السماح لنجاح ندوة اغبش بان يمر بدون خسائر. وهى تعرف قدرته على البطش اذا نمت قوته وتعلم بان لا احد يستطيع منعه من الزواج من امرأة اخرى. وهو الان يفتخر بابقاء الخطوبة طى الكتمان وابعاد خطيبته عن نشاطه السياسى. وكذلك لا يحس باى انزعاج بشان سمعته او تحسين صورته اوالسعى لكسب المزيد من المؤيدين. وهو يعتقدبانه سعى بجد ملحوظ نحو الفرصة التى لاحت له وان من حقه ان يحمى نفسه من المتربصين والحساد. وهو يؤمن بان العقد بينه وبين الناخبين هو البرنامج السياسى فقط. ولما شعرت ملكة بدنو اللحظة الحاسمة امسكت بيدى صديقتها, وكانت يداها ترتجفان وشفتاها تتحركان بسرعة, وبعبارات مضطربة ومتلعثمة اخبرتها بموضوع الخطوبة وطلبت منها ان تكتم السر. ثم اضافت بانها تفهم الموقف الفكرى لفريقه الانتخابى,وتتوقع ان يزيدوا ضغوطهم لاجباره على القطيعة الكلية مع الماضى, ومع ذلك فهى لا ترى نفسها ضمن هذا الماضى. وهى تعلم انه مرشح لجماعه تدعو الى العفة والطهارة والمحافظة على الاسرة و تشجيع الزواج المبكر وترفض العلاقات الجنسية خارج اطار الزواج. وهى موضوعات تجعل كل اطراف جسمه ترتعش عندما كانت تذكره بها وهو معها فى البيت. وفى تلك اللحظات كان لا يجرؤ على التفكير فى موقف حزبه. واغمضت عينيها من جديد ووضعت كفيها على وجهها. وعندما انتبهت صديقتها لحالها, وضعت يدها على كتفها وضغطت عليها باصابعها برفق ثم احتضنها. وبعد ان نجحت الصديقة فى غرس الطمأنينة فى جوانحها, وضعت يدها فى خد ملكة ونظرت اليها مليا فى عينيها ثم قالت: ” لن يستطيع الزواج من اخرى“. وحركت ملكة عينيها بسرعة وهى تفحص كل شبر من وجه صديقتها ثم شكرتها وهى توافقها الراى. وبذلت طاقة كبيرة لكى تخفى شكوكها فى نوايا الصديقة, لكنها فى النهاية تماسكت ثم وجهت بصرها شطر الفراغ البعيد لتراقب الصورة المزعجة الماثلة امامها

وعندما انتهاء الندوة انتظر اغبش هدوء تصفيق الجمهور حتى يتمكن من الترجل من على خشبة المسرح. كانت ملكة تنتظره وهى تنظر اليه بعينين محمرتين وفى نفس الوقت تشعر بالا احد يستطيع الوقوف ضدها. ولما نظر اليها فى عينيها ضمت كل رؤوس اصابع يدها اليمنى ورفعتها باتجاه وجهه ثم انزلتها بهدوء وهى تنظر اليه. ارتعد حتى ادرك من حوله ما شعر به. اما صديقتها فلاحظت مظاهر الغضب الشديد والحزن على وجهها. امسكت بيديها وادارت وجهها لكنها لم تستطع ان تمنع الدموع التى اصبحت تجرى بعنف على صفحات خد ملكة المرهف.وحين احتضنتها انكشف لها عمق الجرح الذى سببه لها اغبش. كذلك استبانت لها نقاط الضعف ودوافع الهواجس الكثيرة. قالت ملكة بانها تحب اغبش حبا يفوق الوصف وتريد الزواج منه, لكنها لا ترى اى مستقبل للعلاقة بشكلها الحالى, وهذا هو ما يربك فكرها وشعورها باستمرار. قالت لها الصديقة: “واذا فشل فى الانتخابات؟“. فى هذه اللحظة ابتعدت بسرعة من حضن صديقتها. وكست وجهها ابتسامة مشرقة وهى توضح لصديقتها كيف ان الوضعفى هذه الحال سيتحول كلية لصالحها

نزل المرشح من على المسرح واتجه صوب المئات من المحتشدين الذين ينتظرونه قرب المدخل الرئيسى لفناء المدرسة. وتدافع الشباب المراهقين نحو المدخل واقتربوا من الفتيات. واكتفى البعض الاخر بما انجز من كتابة على الجدران والسبورات وترك بعضهم الرسائل الغرامية فى الفصول لكى تقراها البنات عند الغد. وزاد الازدحام للفوز بمصافحة المرشح من الكبار والصغار. وعندما اقترب منهم مد يده ليصافحهم وهو مبتسم. كان يصافح الناس بحرارة ويهزهم بسرعة وقوة. اما النساء فكان يصافحهن برقة وعيناه تلمعان ويطغى عليه زهو الانتصار ويظهر على وجهه الصدق عندما يشكرهن على مساندتهن له. وعندما راته يقترب منها عدلت من وضع فستانها وثوب السارى الشفاف وانتظرته وهى تنظر اليه بنظرة اختلطت فيها العديد من المشاعر. وعندما انتبه لها لاحظ الصرامة والغرابة فى نظرتها لكن لم يكن بمقدوره القيام بخطوات ملموسه بخصوص مايراه مناسبا. واستمر فى التحرك ومصافحه النساء والرجال. وكان يعلم تقدير النساء له واعجابهن به والصورة الايجابية الملتصقة فى اذهانهن عن تعامله الراقى معهن عندما كان ليبراليا. وهو يعرف تميزه عن الكثير من رجال القرية, فهم محافظون ولا يتحمسون لمصافحة النساء ويعاملوهن بخشونة. وبعضهم يعلن صراحة استهجانه لمن يقترب من النساء او يعاملهن بلطف. لكن اغبش خالفهم ودافع عن افكاره الايجابية تجاه المراة. والكثير من المعارضين لا يرون فيه سوى شخص منافق وانتهازى يتودد الى النساء من اجل كسب اصواتهن. وعندما التفت الى ملكة مد يده ليصافحها فمدت يدها وامسكت به بكل قوتها.وحاول ان يحرر يده من قبضتها وهو يتمسك بالابتسامة التى فرضها على نفسه مرغما. وتمسكت بيده واحكمت قبضتها بشدة

وعندما لاحظت اصراره على التملص منهانظرت اليه فى عينيه مليا حتى شعرت بانه تنبه لمقصدها. وجذبته اليها ثم قالت له بصوت واضح : ” انتظر. اريد ان اخبرك بشئ“. وادنى اذنه من فمها فالصقت خدها المرهف بعنقه وضغطت عليه. كان يتبسم ويتظاهر بالثبات. وكان يجتهد ليظهر عدم شعوره بما تحاول ان تجره اليه. مدت يدها اليسرى وجذبت عنقه اليها فطاوعها وانحنى كثيرا. وضغطت على يده بقوة فلم يقاومها, فجذبت جسمه كله اليها. واصرت ان تلصق صدرها البارز بجانب صدره الايمن فتصبب العرق منه بغزارة. ولاحظ الرجال والنساء المتجمهرين حوله وضوح انقباض عضلات وجهه والتغير المفاجئ على هيئته. واصبحت النساء يتهامسن مع بعض حول الوضعوينظرن اليه.ولم تعبأ ملكة بما يدور حولها فقربت فمها من اذن عشيقها المرشح حتى احس بالحرارة المنبعثة من بين الشفتين النديتين. كان يرتجف بشدة والعرق يسيل من جسمه. فتعمدت ان تضغط عليه وتدعك صدرها بجسمه. ولاحظت ازدياد معدل تنفسه واحست بارتعاشه وبحرارة جسمه. واحس بطول الانتظار وبدا توتره يزداد واضطرابه يكثر. وكان فى السابق يرى اليوم يمر مر السحاب حين يكون معها فى البيت ويعتبر ساعات متعته معها انجازا كبيرا. وهو الان يتالم من طول اللحظة ويتعذب فى داخله وفى العلن ويرفض الصدر الذى كان يشتهيه فى كل ساعات صباح اليوم. وكان وقتئذ يخطو بثبات مبتعدا من بيتها وهو واثق من انها ستستقبله بشوق وترحاب عندما يرجع. وحين نظرت الى عينيه اشفقت عليه فلم تدع عذابه يطول, فهمست له فى اذنه. وظل مبتسما وهو يعانى من صعوبة الاحتفاظ بوجه مشرق والالم يحاصره من كل جانب. وتلفت حوله فلاحظ ازدياد عدد الذين يراقبون الموقف. وعندما ارخت عشيقته قبضتها, سارع وحرر يده منها. وشبك اصابع يديه وهو يحرك مفاصلها كانه يعبث. ثم وضع كفيه على عنقه وهو يتنفس بعمق. ورغم كل شئ اصر على التمسك بالابتسامة المصطنعة. وقاوم مشاعره وحاول ارخاء عضلات وجهه, ثم قال لها بلطف: ” شكرا“. وخرجت الكلمة جافة من فمه كجفاف شفتيه المرتعشتين. وكانت فى تلك اللحظات تنظر الى عينيه الوجلتين المنكسرتين. واستمتعت بهذه اللحظات ايما استمتاع واستدعت لحظات زهوها وطيشها العنيف ثم قالت:

- مع السلامة

- مع السلامة

ودعها وهو لا يدرى ماذا سيفعل غدا. ولاحظ الحاضرونالتغييرالواضح عليه وارتعاشه البين وهو ينطق كلمة الوداع والخجل يسيطرعلى جسمه كله. وتراجع الى الوراء بسرعة وكاد ان يصطدم بمن يقف خلفه. وامسك به احد معاونيه وسارا معا. وفى هذه اللحظات ضحكتبصوت عالى وضحكت صديقتها كذلك. وعندما تحرك مع مساعديه كان يتعثر فى مشيه ولا يقوى على الالتفات خلفه لكنه واصل السير. والتفتت ملكة الى صديقتها وابتسمت وغمزت لها بعينها. وضحكتا من جديد باصوات عالية. وامسكت بيدى صديقتها وظلتا فى مكانهما منتظرتين

ولا شك ان ملكة ستحتفظ بنشوة الانتصار لكنها لا تقوى على مقاومة طبيعتها الثرثارة. وستواصل الحديث مع صديقتها التواقة لمعرفة الكلمات التى وصلت الى اذنى اغبش. وستسعى الى معرفة المزيد من الاسرار المثيرة. لكن ما حدث فى نهاية الندوة سيظل ملتصقا بلا شك باذهان الذين شاهدوه والذين سمعوا به. وهو ليس مالوفا فى مجتمع القرية المحافظ. وهو مجتمع الرجال فيه هم المسيطرون على النساء. واحيانا يقوم الرجال الكبار والصغار على السواء بضرب النساء فى الاماكن العامة. والبعض سيقول ان اغبش تجاهل استخدام سلطته كرجل فى هذا المجتمع, فحدث له ما حدث. وفى نهاية الندوة كان على يقين تام بانه كسب اصوات الرجال والنساء اجمعين. لكنه اخيرا وجد نفسه فى موقف نادر يصعب نسيانه. ليس اثناء الحملة الانتخابية فحسب انما لسنوات عديدة قادمة.

muhagir@diversitypress.org



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 479

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد مهاجر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة