المقالات
منوعات
عرض لكتاب عبد الله علي إبراهيم: "الجماليات الاجتماعية لممارسة العين الحارة "النضل" عند الرباطاب في السودان"
عرض لكتاب عبد الله علي إبراهيم: "الجماليات الاجتماعية لممارسة العين الحارة "النضل" عند الرباطاب في السودان"
01-09-2015 09:34 AM

عرض لكتاب عبد الله علي إبراهيم: "الجماليات الاجتماعية لممارسة العين الحارة "النضل" عند الرباطاب في السودان"
Abdullahi Ali Ibrahim, Assaulting with Words: Popular Discourse and the Bridle of Shariah
ايفي تراويت بول Eve Troutt Powell



مقدمة: هذه ترجمة للعرض الذي نشرته الدكتورة ايفي تراويت بول أستاذة تاريخ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة عن كتاب الدكتور عبد الله علي إبراهيم أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلامي بجامعة ميسوري الأمريكية عن السحر عند الرباطاب، والصادر عن دار نشر جامعة نورويسترن في عام1994م، وذلك في العدد رقم 28 من المجلة العالمية لدراسات الشرق الأوسط Inter J Middle East Studies الصادرة في عام 1996م.
المترجم


يبحث هذا الكتاب في أمر العين (الحارة) Evil eye ، كما يعبر عنها عند أفراد القبيلة العربية المسلمة الرباطاب في شمال السودان. وتعرف هذه الممارسة محليا بـ "السحر". وقد يعبر عن هذه الممارسة باستعارات ومجاز قد يقارن فيها الشخص (الضحية) بحيوان أو شيء ما. وقد يأخذ السحر أشكالا عديدة تشمل النكات والقصص والأساطير والخرافات والألغاز والأمثال، وهي بهذا التوصيف قوة لا يستهان بها في خلال الحديث اليومي. ويستثير انتشار السحر دفاعا قويا، ويلجأ ضحايا السحر إلى أسلحة مقدسة سامية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية (في الأصل الشريعة) لإبطال مفعول السحر. وكما أبان عبد الله علي إبراهيم فإن إيمان وشعور الرباطاب بأنهم يدينون بالإسلام هو ما "يكبح" الإبداع (السحري) وضرره الكامن المرتقب.
وأكثر ما يميز هذا الكتاب هو الطريقة التي يبين بها كيف أن السحر يساعد الرباطاب على التعريف بأنفسهم. فالرباطاب "المهاجمون بالكلمات" يمثلون جزءً من مجموعة قبلية أكبر هي مجموعة الجعليين الكبرى، والذين تناول عبد الله علي إبراهيم سيرتهم في ورقة مثيرة ومستفزة provocative سابقة نشرت في عام 1988م تناولت الصلات الخاصة بين الإدارة الاستعمارية لبريطانيا العظمى ومولد علم الأنثروبولوجيا البريطاني في السودان عنوانها: "كسار قلم ماكميك هوية الجعليين ... Breaking the pen of Harold MacMichael: The Jaaliyyin identity revisited وفي ذلك المقال سرد علي عبد الله إبراهيم كيف أن السير هارولد ماكمايكل عالم الأثنوجرافيا (علم الإنسان/ الأعراق البشرية الوصفي) والإداري الشهير تجاهل تعابير الرباطاب الخاصة بالأنساب، وآثر عليها ترسيم نسب قبلي أكثر ملائمة للخريطة الاستعمارية الجديدة للسودان. وبهذا يعد هذا الكتاب خطوة أخرى في رحلة عبد الله علي إبراهيم الفكرية نحو قبول آراء الرباطاب عن أنفسهم كحقائق اثنوجرافية صالحة ومعتمدة (صفحة 2). وهنا يقدم المؤلف نكات الرباطاب وقصصهم الشعبية وأساطيرهم وإساءاتهم كوسائل وأدوات لوضع "الثقافة كفعل تواصلي" (صفحة 3).
وتتطلب تلك المهمة من المؤلف أن يتعامل مع صعوبة تصوير السحر (والذي هو بالضرورة فعل شفاهي) كعمل قوي يأسر لب القراء تماما كما يأسر اسماع من يتلقونه مباشرة. ولقد نجح الكاتب في مؤلفه هذا نجاحا باهرا في مساعدة القراء على الفصل الدقيق بين عملية "السحر" نفسها، وبين كيفية تعبير الساحر عنها، وعن أغراضه (أو أغراضها) المشكوك في أمرها، وقبول المستمعين لها، والمدركين للأخطار الممكنة التي قد تحيق بمن يقع/ تقع عليه السحر، والتشوق لمعرفة ما قد يحدث له / لها، وأخيرا ردة فعل الضحية، والذي قد تمر أيام أو أسابيع قبل أن يبدأ في الشعور بالضرر الذي أحدثه ذلك السحر.
وركز المؤلف أيضا في كتابه على الطرق التي يكون بها الساحر "ضمير مجموعة/ جمعي Group consciousness، أو يستبعد شخصا ما من تلك المجموعة.
وكخبير بالأثنوجرافيا، فإن المؤلف كان كثيرا ما يضع نفسه موضع شخص أجنبي / غريب outsider عن تلك الثقافة، رغم أنه يقر في مؤلفه بأنه "ابن تلك الثقافة" (ص 146). وبوضعه الحدي المزدوج ذاك كان المؤلف كثيرا ما يجد نفسه هدفا لذلك السحر. وأحسب أن لحظات الوعي بالذات تلك، والتي كان يجد فيها عبد الله علي إبراهيم نفسه داخل أكثر المناطق حساسية في لغة ثقافته، تعطينا مثالا رائعا وشخصيا لمقدرة علم الاثنوجرافيا على العمل من داخل ثقافة ما.
وقدم عبد الله علي إبراهيم أطروحته في ست فصول، تعتمد كل منها على فرضيات نظرية مثيرة للاهتمام، إلا أنها ليست دوما مرتبة أو منظمة بوضوح. فالفصل الأول يقدم للقارئ مجتمع الرباطاب في العتمور عام 1984م، وهي قرية تواجه العديد من التغيرات الاقتصادية، ربما ليس بالمعدل السريع الذي يرغب فيه سكانها. وليس من الواضح تماما في هذا الفصل السياق الذي أتت فيه تلك التغيرات، أو علاقتها بممارسة السحر. إلا أن هذا الفصل يقدم مؤشرا وفهما رائعا عن ذلك الجيل من الرجال الذين تتركز عليهم الدراسة، والذين وجدوا أنفسهم بين سندان النظام الأبوي الذي لا يمكن المساس به، ومطرقة تحديات أبنائهم، والذين يسعون (دون جدوى) لإشباع حاجاتهم الاقتصادية والترقي في السلم الاجتماعي بعيدا عن العتمور. ويصف هؤلاء الرجال علاقتهم بآبائهم بأنها علاقة "استعمار"، ويأمل المرء لو أن المؤلف عمل على الاستفادة بأكثر مما فعل من تلك الكلمة المشحونة (أي "استعمار")، وعلاقتها بالخطر المفروض من الخارج، والذي هو لب السحر.
وفي الفصل الثاني يناقش المؤلف هوية الرباطاب، وكيف يستخدمون عادة الاتهام الذي يوجهه لهم جيرانهم والآخرون بأنهم "سحارين". ويتطرق لعادة "أكل لحوم البشر cannibalism " في السحر بتوضيحه أن نسبة تعبير مجازي للضحية "تقتله" بجعل هويته محض كذبة وخيال. ويعقد الناس أيضا وجود صلة ما بين أكل لحوم البشر وبين الشعوذة witchcraft، وهو سحر الغرباء. ويوضح عبد الله علي إبراهيم كيف أن الرباطاب قد وظفوا الاتهامات بالسحر والشعوذة ضد مواطني منطقة الفونج وقبائلها الافريقية السوداء.
ويناقش عبد الله علي إبراهيم في الفصل الثالث قضية الايمان بالسحر وعلاقتها بالمفاهيم الإسلامية عن السحر، والتي يضم فيها الساحر إلى زمرة غير المؤمنين. وهذه وثيق الصلة بالمرأة، إذ يجعلها أكثر عرضة لضمها لأولئك النفر، فالنساء في الغالب أقل تعليما في المجتمع المسلم وأقرب إلى تصديق القصص الفلكلورية والحكايات الخرافية والتي تلون حياة الأطفال. وعند بلوغ الطفل مبلغ الرجال يرفض تلك الجوانب التي سمعها (وصدقها) في غضون سنوات طفولته، ويوجه نظره إلى ما هو مفيد وعملي، خاصة في الجانب اللغوي. وهنا يفلح المؤلف في ربط موضوعات التغيرات الاقتصادية وأهمية العمل (والتي تركت معلقة دون رابط في الفصل الأول) بأمر الممارسات اللغوية في السحر.
ويناقش المؤلف أيضا في هذا الفصل الثاني الصراع التاريخي في العالم كله بين الأصوليين وبين غيرهم من المسلمين. فالأوائل يقولون بأن أي كلام هو من عمل الشيطان سوى ما قال الله وقال رسوله. فإن تحدثت بأي كلام بخلاف الكلام عن حياتك أو ما قال الله وقال الرسول (مثل وصفك لشيء ما) فإن ذلك من عمل الشيطان (صفحة 71). ويرى عبد الله علي إبراهيم أن الرجل من هؤلاء "الضحايا" هم، وبحسب قوله "رجال بلا خيال fictionless men" (صفحة 77). إنهم لا يرون قصة عنتر، بل يرون قصصهم هم، أو غاراتهم وحروبهم القريبة، والتي لا تزال عالقة بحافظة الأحياء منهم. وكما كتب المؤلف: "دمر رجال العتمور تقريبا كل إيمان بما هو نص خيالي" (صفحة 78).
وناقش المؤلف في الفصل الرابع المكون الشفاهي للعين الحارة (وقد يشمل ذلك الفم الحار أيضا)، ومكونها الإسلامي المتمثل في التفوة بـ "التعوذ" بعد القيام بعملية سحر. ويذكر المؤلف هنا نقطة جديرة بالاهتمام وهي أنه كان عليه أن يقبل أن الأفراد الذين شملتهم دراسته كانوا في الغالب غير دقيقين في التفريق بين الإيمان belief وعدم الإيمان disbelief ، وأنه من الضروري لعالم الأثنوجرافيا أن يقارب ويلائم ويوفق بين عملية التفكير المنطقي reasoning وبين المعتقدات المتعارضة عندما يعمل مع "الأهالي" وهم ينظرون (يقدمون تنظيرا) عن أنفسهم.
ويحدد المؤلف في الفصل الخامس موقع السحر في خضم المناقشات والحوارات الدائرة بين فلاسفة اللغة وبين علماء الأثنوجرافيا فيما يخص موقع "قوة المنطوق operative force" في اللغة، ونوايا المتحدث، و"السياق الاجتماعي" الذي تتولد فيه معاني الحديث ( صفحة 122). وبفحص عبد الله علي إبراهيم في مؤلفه للضرر الذي يزعم الضحية أنه وقع عليه بفعل السحر، فقد أمكن له استكشاف الموقع الذي تتركز فيه قوة منطوق اللغة. وهنا يربط المؤلف بين فكرته المركزية عن القلق الذي يساور ضحايا السحر، والفكر الإسلامي الأصولي وبين الفكر الانثربولوجي فيما يتعلق باللغة.
وباستخدام سحرة الرباطاب للمجاز والتشبيه فإنهم يقومون (وببعض التعالي) بإعادة تعريف الناس والأشياء، وتجعل عملية إعادة التعريفات هذه العالم ينقلب لمعنى غير محدد (صفحة 129). ويقرر المؤلف أن مجتمع ربطاب العتمور هم في موقع "هجنة / تقليد فترة ما بعد الاستعمار postcolonial hybridity or mimicry" . وفي نظري كان واجبا على المؤلف أن يضيف مزيدا من النقاش والتوضيح في هذه المسألة، دون أن يترك للقارئ مهمة تصنيف وموقع ذلك المجتمع في فترة ما بعد الاستعمار.
وأثبت المؤلف في الفصل السادس والأخير أنه قارئ ممتاز لكتابات م. م. باختن (عالم لغوي وناقد أدبي وفيلسوف روسي عاش بين 1895 و1975م. المترجم) ونظريته عن "حوارية الخيال". وهنا يلخص عبد الله علي إبراهيم ما أتى به في الفصل الخامس بالقول بأن السحر يمثل "أروقة أصوات corridors of voices" (صفحة 148)، وأن موقع قوة منطوق اللغة (عند الرباطاب) تتمثل في مثلث أضلاعه تتكون من مرسل السحر (الساحر/ السحار) والضحية والنظارة. ومن خلال هذا الإطار الحواري، فإن المتحدث يستجيب لما ينطق به الأخرون، ولا يعبر فقط عن موقفه الشخصي تجاه الرجل المستهدف بالسحر.
إن كتاب عبد الله علي إبراهيم يثير موضوعات متنوعة تشمل الأنثروبولوجيا والفلكلور والتاريخ والنظريات الأدبية واللغوية ودراسات ما بعد الاستعمار، وكلها موضوعات تحتاج إلى استنتاجات وخلاصات لم يوردها المؤلف في كتابه هذا. فقد كانت تلك الاستنتاجات والخلاصات كفيلة بتقديم إجابات تربط كل الأسئلة والقضايا التي طرحها وأثارها الكتاب، وأن تؤطر الرباطاب بصورة أدق في طيف المناهج النظرية التي استخدمها المؤلف وطبقها على ذلك أفراد ذلك المجتمع وطرق كلامهم.
إن كتاب عبد الله علي إبراهيم كتاب طموح ومثير ومستفزprovocative في آن معا. وهو بلا شك مساهمة قيمة، ويتميز بنهج دقيق وحريص في تناول الصراع في / بين جوانب الشعور الديني والفكاهة والفلكلور عند الرباطاب لحظة تحدثهم. وأحسب أن هذا العمل يعد مثالا أثنوجرافيا ممتازا لدراسة أجريت في وسط مجموعة (from within a group)، وأعد وجود المؤلف كراوي في كتابه هذا، ومن بين كثير من كتبه، يمثل أفضل حالاته. غير أن الكتاب كان سيكون أكثر فائدة وأثرا لو أن الكاتب أعاد النظر في تنظيم نقاش الموضوعات العديدة التي أثارها. ورغم هذا، فإن الكتاب سيكون مفيدا لكثير من القراء المتخصصين في علوم اللغة والفلكلور والأنثروبولوجيا وغيرهم، ولكل من له اهتمام بالسودان.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 1 | زيارات 1531

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1184569 [سوداننا الحبيب]
5.00/5 (2 صوت)

01-09-2015 05:38 PM
هذا الكتاب يمثل في حقيقته رسالة الدكتوراة لعبدالله على إبراهيم والتى حصل عليها من إحدى الجامعات الامريكية لكن السؤال الذى يتبادر إلى الذهن هو ما فائدة مثل هذا البحث لدولة نامية ترنو إلى التطور الإقتصادى والبناء التنموى وهل كان من الضرورى حصول كاتبه على منحة دراسية لأمريكا تكلف خزينة الشعب آلاف الدولارات كانت كفيلة ببناء مدارس تنتشل المواطن في ذلك الزمان من الجهل وتقيه من المرض؟؟ كان يمكن للباحث ان يجرى بحثه هذا في معهد الدراسات الأفريقية الآسيوية بجامعة الخرطوم حيث حصل منه على درجة الماجستير وسيجد هناك كل ما يحتاج إليه من بيئة وبحوث فماذا ستقدم إليه جامعة أمريكية في موضوع كهذا كالسحر والسحارين؟ في مجال الدراسات العليا في أوروبا وأمريكا تجد معظم الدارسين الأجانب يتخصصون في المجالات العلمية والتكنلوجية والطبية خاصة القادمين من دول جنوب شرق أسيا وحتى دول الشرق الاوسط ولا تجد بينهم دارسين في بعض العلوم الإنسانية كالفلكلور مثلا فهذه بطبيعتها علوم مرتبطة بالمحلية.

[سوداننا الحبيب]

ردود على سوداننا الحبيب
European Union [الأزهري] 01-10-2015 04:14 PM
أصبت أحسنت


ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة