المقالات
السياسة
كيف تفرق بين الحق والباطل (13) بين علي ومعاوية –د-الفاروق علي..
كيف تفرق بين الحق والباطل (13) بين علي ومعاوية –د-الفاروق علي..
01-10-2015 10:17 AM






هناك فرق بين من يأتي بالحق ويعمل به، ومن يدعي الحق ولكن يسلك سبل الباطل ليأخذ حق ليس له.

معاوية..

فقد اتخذ دم الشهيد عثمان وقميصه وسيلة ليصل لكرسي الحكم. وعندما وصل فعلا فلا قصاص ولا يحزنون. وكان في إمارته ينادي بما نسميه "الحق الإلهي" في الحكم، ويعمل بأسلوب "الغاية تبرر الوسيلة". ومن ثم اتخذ قناع الدين وسلطان المال وسيف الطاعة لإخضاع الجميع لحكمه. وذلك بإتخاذ رجال دولة من طراز عمرو بن العاص و مروان بن الحكم كوزراء له.
ومن ثم أدخل في أذهان الأمة فكرة القضاء والقدر المحكم. فحكمه وحكم بني أمية قدر من الله تعالى للناس ويجب أن يرضوا به. ويأخذ أموال الناس ويستأثر بها، ويوحي بأنه المتصرف بها بأمر الله. فقد أجبر الناس على القول المأثور دبر كل صلاة: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت.."، لكي يتطبعوا على ذلك ووقوله: "إن المال هو مال الله وخليفة الله في الأرض هو الذي يتصرف فيه كيف يشاء". فهو الخليفة الذي يستأثر بأموالهم. ويتداول الناس حديث الملك العضوض إلى يومنا هذا ليستكينوا لجبروت الطواغيت. وكان يقول إن قريشا هم أهل البيت ليطمس آل بيت رسول الله، والإمام علياً بالتحديد الذي أصبح شتمه في المنابر كل جمعة، في زمن بني أمية، من تمام الصلاة. وكان يمارس سياسة التهميش للمناطق التي تناوئه كالمدينة. فقد قال لأبو قتادة الأنصاري ألم يقل لكم رسول الله: إنكم ستلقون بعدي أثرة، فما نصحكم؟، قال لنا: (فأصبروا حتى تلقوني على الحوض). فقال لهم: فأصبروا إذن!.
ولقد اتخذ لنفسه الحراس والجلاوزة يسيرون في موكبه إذا سار في شوارع الشام كما تسير الملوك والأباطرة. ففي زمن حكم عثمان كان الصحابي أبو ذر الغفاري بالشام، وكان يرى الترف والبذخ وإستئثار فئة بأموال الناس، ومعالم العدالة الإجتماعية للإسلام تتغير، فلا تنفك آية الكنز الجليلة من لسانه و التي يقول: ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)) [التوبة: 34]. و لما رأى قصراً يبنى لمعاوية قال له: "إن كان هذا من مالك فهو الإسراف وإن كان من مال الأمة فهي الخيانة!".
ومن تلك أصبح من الطبيعي أكل الحكام المسلمين لأموال الناس بالباطل. فهو حلال بإبتداعهم الأفقه المختلفة كالضرورة والسترة والحيل.

تحليل مهم..

إن أكل أموال الناس بالباطل يؤدي للفساد في الأرض كالقتل. إقرأ إن شئت: ((ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون)) [البقرة: 188]. وفي الآية الأخرى: ((يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما*ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا)) [النساء: 29].
في الآية الأخيرة لابد ان تسأل نفسك عن علاقة قتل الناس أنفسهم بأكل الناس أموالهم بينهم بالباطل!. فمن السذاجة أن نربطها بالإنتحار فقط، ولا نعرف علاقة قتل أنفسنا بأكل اموالنا بيننا بالباطل. فهذه تحتاج تحليل إجتماعي.

عندما يسود ظلم الحكام قد يضطر الناس لأكل اموالهم بينهم بالباطل بدخول حياتهم الكذب والنفاق، وكل سبل الباطل: كالرشوة والمحسوبية والواسطات والكومشينات، والتطبع معها لإكتساب الرزق: ((وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)). فأكل الناس أموالهم بينهم بالباطل يقوم بقتلهم تدريجيا ومعنويا قبل ان يموتوا حقيقيا، كيف؟. فكلمة "ولا تقتلوا أنفسكم" قد وردت في بني إسرائيل: ((ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان...)) [البقرة: 85]. وفي أخرى: ((وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم)) [البقرة: 54]. فقتل النفس يأتي بمعنى آخر، وهو الخروج لمواجهة الظالم الطاغية الذي يمكن أن يفتك بهم أو أن يخرجوا من موطنهم طوعا أو جبرا، هجرة أو تشريدا. وفي آية أخرى في المؤمنين: ((ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ..)) [النساء: 66].

فبعدم العدل وسيادة الظلم سيتدهور الإقتصاد، فسيغترب ويهاجر البعض طوعا ويظل المغلوب على أمرهم في الوطن جبرا. وقد يضيق بهم الحال ويصل بهم للجنون. وبتراكم الظروف النفسية ينتحر بعضهم ألما، كما حدث للبوعزيزي وغيرهم الذين شنقوا انفسهم. فحساب هؤلاء بقتلهم أنفسهم فعليا عند رب العالمين، ولكن ما مصير الظالم الذي أوصلهم لهذا الحال، وهو من دفعهم لقتل أنفسهم حقيقة. ففي حين أنهم قتلوا أنفسهم بطريقة مباشرة، من هو الذي دفعهم لذلك أساسا.
و الآخرين أيضا يقتلون أنفسهم بسكوتهم على الظلم، ولو أن سبب موتهم ليس القتل المباشر، فتفشى الجوع والفقر والمرض يقوم بقتلهم فعليا.
إذن من قتل الإثنين نفس المصدر. فليس شرطا أن يكون القتل بسفك دم إنسان. فبتجويعهم وإمراضهم وتشريدهم يتم قتلهم. ومثال حي مأسي النازحين في كالذين في دارفور وسوريا وغيرها. فبسبب تعنت الحكام وتمسكهم بالحكم بأي طريقة وبغيهم تموت الألاف المؤلفة ولا يبالي الطغاة. لذلك من يفعل ذلك عدوانا وظلما، أي باغيا ويأكل أموال الناس بالباطل، فالينتظر عذاب الله الذي سيصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا، وليس من ينتحر فقط.

الإمام علي..

أما علي فكان شديداً في الحق كالفاروق عمر أو أشد. وكانت سيرته عامرة بالبساطة والتواضع. فقد أبى أن ينزل في قصر الأبيض بالكوفة عندما انتقل لها، مراعاة لشعور الفقراء وهو أمير المؤمنين. وكان يحدث البقال والقصاب و الناس في تواضع وزهد، ويمشي منفرداً بدون حراس أو جلاوزة إلى أن قتل في الصلاة شهيداً.
وكان يرى إن المال مال الأمة ولا يجب أن ينتفع به أحد غيرها، وليس لأمير المؤمنين حتى حق فيه إلا ما يكفيه معاشا. ومعاشه يجب أن يكون أقل معاش يأخذه موظف تأسيا بأضعف رعيته دخلا. ولا يجوز له أن يشبع في لذيذ طعام أو يتلذذ بالطيبات. ولا يجب ان يكون لأمير المؤمنين عهد بالشبع مخافة أن يكون أحد رعيته جائعا.
وكان يكره الولائم التي اعتاد عليها الناس سيما التي لا يوجد بها فقير أو مسكين يأكل فيها. فيقول: "إنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو وغنيهم مدعو". فكل طعام يدعى إليها الأغنياء ويطرد منه الفقراء فهو ليس وليمة وإنما لئامة.

ويرى أن الله تعالى أعطى مزيداً للأغنياء في أموالهم بقدر ما يمكن أن يسد حاجة الفقراء. لذلك كان يرى أن لا يترك الأغنياء أحراراً يتصرفون بأموالهم كما يشاؤون. وكانت هذه السياسة تشكل تهديداً للمترفين حيث سيصادر منهم الأموال. فقد أبى أن يعطي أخيه عقيل مالا بحجة أنه مال المسلمين. فذهب عقيل إلى معاوية فأعطاه. فقال عقيل: "إن أخي خير لي في ديني، ومعاوية خير لي في دنياي".
وكان يكره المألوف مثال أن يعطى السائل المتزلف مالاً وفيراً، بينما الذين لا يسألون الناس إلحافا، العفيفون، لا يعطيهم الناس.
وكان يساوي في العطاء فلا يفضل عربياً على أعجمي ولا أسود على أبيض، ولا سيداً على عبد ويساوي بين الناس جميعا. فقد قيل إن معاوية أعطى عجوزاً معروفةً بتشيعها مائة ناقة وقال لها: "إن كان علي حياً لما أعطاك هذا العطاء". قالت: "لا والله ولا وبرة من أموال المسلمين".


الحق يعلو والباطل يخبو ويزهق ولو بعد حين..

ولو لم يشغله الخصوم بالفتن والحروب لكان ممكن أن يحقق الإمام علي أنموذجاً تتحدث عنه البشرية كما كان الفاروق عمر. فما كان ينادي به هو مبادئ الإسلام العليا لتحقيق العدل والمساواة والقدوة و العدالة الإجتماعية.
وكما ذكرنا، فإن غالبية الناس، إلا قليلا، في تلك الفترة بدوية تسعى نحو مصالحها الآنية ولا تفكر في المستقبل ولا أجياله، و تسير خلف السلطان الذي يسيطر عليها بقوة السيف ويغريها بالمال ويبهرها بالجاه كما كان يفعل نده الأموي.
فقد قام معاوية بالتمكين في الشام منذ زمن طويل، وطبع أهلها بسبب حكمه لهم لفترة طويلة. ولم يغير كل حكام بني أمية الشام كعاصمة لحكمهم طوال فترة دولتهم لضمانهم إستكانتهم وجاهزية من يقف معهم.

وقد لخص الإمام علي عليه السلام لمن يحكمون وليس لهم شرعية، ويقننن لها دينيا والناس تستمع له خطبة يقول فيها: "إن أبغض الخلائق الى الله تعالى رجلان:
- رجل وكله الله الى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة ودعاء ضلالة. فهو فتنة لمن افتتن به، ضال عن هدي من كان قبله مضل لمن اقتدى به في حياته وبعد وفاته حمال خطايا غيره رهن بخطيئته.
- ورجل قمش جهلاً فوضعه في جهال الأمة، غارا في أغباش الفتنة، ..... يصرخ من جور قضائه الدماء، وتعج منه المواريث. إلى الله أشكو من معشر يعيشون جهّالا ويموتون ضلاّلا".

في آخر أيام الإمام علي إنفض عنه الكثير من الناس وقد طفق يقول: "أين أشقاها" وكأنه ينتظر من يريد قتله.وقد ورد عنه إنه قال: "حين سكت أهل الحق عن الباطل، توهم أهل الباطل أنهم على حق". وعلى القارئ اللبيب تدبر هذه العبارة.
وعندما ضرب في رأسه بالسيف قال: "فزت ورب الكعبة"، وقتل شهيداً على يد ابن ملجم في الصلاة كما قتل أخوه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وكأن الله تعالى يقول للناس كفوا عن المفاصلات والمفاضلات فإنهم إخوان في دين الله وشهداء عند ربهم وكفى.

لقد مثل الإمام علي الشخصية التاريخية التي تفرق المسلمون حولها وتدعي كل فرقة الإنضمام له وحبه إلى الآن. فهو فاروق للحق والباطل. فمن بعد خلافته الراشدة تفرق المسلمون تفرقا كبيرا. وكل فرقة تدعي إنه منها. فمعظم الناس لم تقف معه في حياته ولكن وقف الكثير معه بقوة بعد مماته. ومن يدري، لو أننا كنا في زمانه لكنا وقفنا نحن ضده أيضا، أو لكنا صامتين كما نحن الآن. والكثير لم يفهموا الفلسفة العميقة المستفادة من نزاعه مع معاوية ولم يفهموا درسه الإجتماعي. وطفقوا يعددون صفاته الشخصية ولكنهم لم يقتدوا بها حتى، وساروا خلف معاويتهم وطاغية زمانهم.
فقد كان من صفاته المروءة والضمير اليقظ في الحق الذي لا يخاف في الله لومة لائم، ليتعلم الناس كيف يفرقون بين الحق والباطل إن كانوا يريدون الحق فعلا.


* الحلقة: كيف تفرق بين الحق والباطل (13) بين علي ومعاوية –ه-لا تستوحشوا طريق الحق..
الإثنين إن شاء الله
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 920

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1185042 [مواطن]
0.00/5 (0 صوت)

01-10-2015 02:20 PM
السؤال هنا اخ ود الحاجة : هل كان معاوية بن ابي سفيان عادلا في فترة حكمه لرعية المسلمين ?

[مواطن]

#1184970 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

01-10-2015 12:16 PM
قول الكاتب : ((ومن ثم أدخل في أذهان الأمة فكرة القضاء والقدر المحكم. فحكمه وحكم بني أمية قدر من الله تعالى للناس ويجب أن يرضوا به. ويأخذ أموال الناس ويستأثر بها، ويوحي بأنه المتصرف بها بأمر الله. فقد أجبر الناس على القول المأثور دبر كل صلاة: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت))

هذا القول يتضمن عدة مآخذ , منها:
1. لم يبين الكاتب صحة هذا الاثر أم لا و هذا الاثر من رواته المغيرة ابن شعبة و هو من اصحاب معاوية و لكن لا يمكن تصنيف هذا الاثر تصنيفا سياسيا حتى لو كان ضعيف السند.
2. لم يعتمد معاوية ابن ابي سفيان على ما ذكره الكاتب من (فكرة القضاء والقدر ) في الوصول للخلافة و لكنه اعتمد على بعض الظروف التي ساعدته و على طاعة أهل الشام له , و بالمقابل أكثر ما ضر عليا ابي طالب هو خذلان اتباعه له و عصيانهم لأوامره .كما أن معاوية اعتمد سياسة بذل المال لاسترضاء الزعماء و الوجهاء

3.لعل الكاتب لا يريد أن يذكر انفضاض الناس عن بني أمية بعد مقتل الحسين رضي الله عنه و لولا وقفة أهل الشام مع بني أمية لصفا الحكم لعبدالله ابن الزبير رضي الله عنه

[ود الحاجة]

سيف الحق حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة