المقالات
السياسة

01-10-2015 06:47 PM

الخليفة وتطبيع السلطة الكاريزمية
The Khalifa and the Routinization of Charismatic Authority
Kim Searcy كيم سيرسي
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذه ترجمة لبعض ما جاء في مقال للدكتور كيم سيرسي أستاذ الدراسات الإسلامية والأفريقية نشر في العدد رقم 43 من المجلة العالمية للدراسات الإفريقية التاريخية Inter J. African Historical Studies والصادر في عام2010م.
وقد استغرقت محاولة ترجمة العنوان زمنا ليس بالقصير في مراسلات عديدة مع المؤلف وعدد من خبراء الترجمة السودانيين، إذ أن المؤلف (وهو أمريكي من أصل أفريقي ومسلم ومجيد للعربية التي درسها في القاهرة وفي جامعة أفريقيا العالمية) يرى أن أقرب ترجمة عربية لكلمة الكاريزما في المفهوم الإسلامي هي "البركة"، ورأي آخرون أن كلمة "الهيبة" أو "الجلال" هما الأقرب. وآثرت هنا الاحتفاظ بكلمة كاريزما كما هي لشيوع استخدامها الآن في العربية.

المترجم
******** *********** ********** ********

انتصرت الحركة المهدية على قوات الحكم التركي – المصري في عام 1885م، والذي كان قد سيطر على السودان النيلي منذ 1821م. ودارت سلطة وشرعية تلك الحركة حول قائدها محمد أحمد المهدي، وبنيت سلطته على ما يسميه ماكس فيبر1 الأساس الكاريزمي القائم على التفاني للقدسية المحددة والاستثنائية، وعلى البطولة أو الشخصية المثالية لفرد طاغي الحضور وشديد الجاذبية ونافذ البصيرة. (الأصل اللغوي للمصطلح يوناني وهو كاريزما Charisma يعني موهبة أو عطية إلهية). ويرى فيبر أن أهم جوانب الكاريزمية هو الكيفية التي بها يرى بها الناس قائدهم ويتبعونه. وأنا أرى أن فكرة "البركة" في التقاليد الإفريقية الإسلامية هي الأقرب لمفهوم الكريزما.
وقُبِضَ المهدي قبل أن يرى حلمه بدولة إسلامية يتحقق. ولذا وقع عبء بناء تلك الدولة على الخليفة عبد الله التعايشي، الرجل الثاني في الحكم. وعقب توليه الحكم بعد المهدي (القائد الكاريزمي الأصلي) استخدم الخليفة، من أجل تأسيس شرعيته، استراتيجيات سياسة ورمزية وبيانية مشابهة لما كان يستخدمه المهدي. وبما أن المهدي كان يأخذا موقعا مقابلا / نظيرا analogous للنبي محمد، فإن الخليفة عبد الله أخذ موقعا مقابلا/ نظيرا للخليفة الأول أبو بكر الصديق.
وتتناول هذه الورقة اللغة الاحتفالية في حالة / سياق حكم الخليفة عبد الله، واستخدامه لإشارات وعلامات insignias تميز سلطته، وخلق ما سماه بول كونيرتون2 "توافقا اسطوريا" ليس فقط بين الخليفة عبد الله وأبو بكر الصديق، بل مع المهدي كذلك.
عهد جديد للمهدية A New era for the Mahdiyya
بوفاة المهدي في 22/6/1885م (الموافق 8 رمضان 1302هـ) بدأ عهد جديد للمهدية. فقد كان المهدي قد أفلح في إنهاء الاحتلال التركي – المصري للسودان خلا أجزاء قليلة معزولة. فبعد سيطرته على الأبيض في نهايات 1883م صوب المهدي نظره للخرطوم (عاصمة الحكومة التركية – المصرية)، وبالفعل نجح في اسقاطها، إلا أن لم يعش طويلا بعد ذلك إلا لنصف عام فقط. وكان المهدي قبل موته يواجه معضلة ألا وهي كيف له أن يشيع الاستقرار وأن يبني بلدا أدمن الحروب وعدم الاستقرار. وشكك ثيوبولد3 في كتابه عن المهدية في مقدرة المهدي على بث روح الاستقرار والسلام في أوساط السودانيين حتى وإن كان قد كتب له العيش بأطول مما عاش. وأضاف بأن منشورات المهدي كانت تدعوا لنشر دعوته في أرجاء العالم الإسلامي مما يشير إلى أنه كان سيبقى شعبه في حالة مستدامة من الاستعداد للحروب المتطاولة.
وظلت السياسة الرسمية للنظام المهدوي هي الجهاد، وورث الخليفة بعد وفاة المهدي تلك السياسة. غير أن الخليفة أخذ في هجر تلك السياسة تدريجيا في أعوام 1889م وما بعدها بسبب المجاعة التي ضربت بلاده، وكذلك بسبب فشل غزوه لمصر. ولا ريب أن العبء الذي وقع على الخليفة كان أكبر من ذلك الذي كان على المهدي، فقد كان على الخليفة بناء الدولة، وفي ذات الوقت تأسيس سلطته الروحية والسياسية والحفاظ عليهما. وواجه الخليفة في سنوات حكمه الأولى (1885 – 1889م) العديد من المشاكل الداخلية والخارجية والتي شكلت تهديدا خطيرا لاستقرار دولة المهدية. ففي سنوات حكمه الأولى واجه الخليفة محاولات أقرباء المهدي (الأشراف) لزعزعة حكمه، وقام بسحق تمرد ضده في دارفور في 1888م، وحدثت مجاعة عمت أرجاء بلاده في عامي 1889 – 1890م. وبذا فإن سلطة الخليفة كان دوما محل اختبار، مما حمله على دعم سلطته بخلق "توافق أسطوري" بينه وبين أبو بكر الصديق. وخلق هذا التوافق الأسطوري ليس فعلا ينبه الناس لماض تليد أو يذكرهم بحادث قديم معين فحسب، بل هو فعل يولد الاحساس عند الناس بأن الماضي مرتبط بالحاضر. ولهذا لم يكتف الخليفة بتذكير شعبه بأن عليه ذات الأعباء التي ألقيت علي الخليفة أبو بكر الصديق، ولكنه أعاد تصوير نفسه في ذات الصورة والسرد المقدس للخليفة الراشد الأول، وذلك من خلال العديد من الطقوس والاحتفالات.
وكان المهدي وقبل أن يسيطر على كامل البلاد قد عين ثلاثة من معاونيه المقربين في مواقع من السلطة تناظر / تقابل ثلاثة من الخلفاء الراشدين، متشبها بما حدث في عهد الدولة الإسلامية الأولى. ولم يكن خلفاء المهدي الثلاثة مجرد نواب في طريقة دينية، بل كانوا هم من سيتولون الحكم من بعده في الدولة الإسلامية الوليدة. فتولى الخليفة عبد الله ذات المكان الذي احتله الخليفة أبوبكر الصديق، وعين قائدا لأقوى فصائل قوات المهدية. وجلب هذا الوضع المميز للخليفة الكثير من مشاعر البغض والحسد والغيرة عند كثير من الأنصار خاصة الأشراف. ونتيجة لهذا أصدر المهدي منشورا أعلن فيه أن الخليفة هو ممثله الأول في كل شئون الدولة. وكان ذلك يعني فعليا تعيين الخليفة في منصب الوزير الأول. وهذا مما جعل الخليفة ساعة وفاة المهدي هو أكثر الناس أحقية بخلافته. وساعد على ذلك أمران هما المناخ العسكري والذي كان يؤثر اختيار الخليفة على غيره، والجانب الديني والذي أوصى به المهدي والقاضي بأن يكون الخليفة عبد الله بالنسبة للمهدي هو بمثابة الخليفة الأول الصديق للنبي. وكانت النقطة الأخيرة هذه هي أكثر ما استخدمه الخليفة لإعلان سلطته وشرعية حكمه عقب وفاة المهدي المفاجئة.
التوافق الأسطوري: دعاوي الخليفة في السلطة
The Mythic Concordance: The Khalifa’s Claims to authority
عقب وفاة المهدي مباشرة دعا الخليفة عبد الله لاجتماع حضره الخليفة ود حلو والخليفة محمد شريف وعدد آخر من كبراء المهدية وقادتها. وحضر ذلك الاجتماع كذلك عدد من أقرباء المهدي (الأشراف). وفي ذلك الاجتماع أعلن الخليفة عبد الله أن المهدي قد توفي، وأن النبي محمدا كان قد مات، فخلفه أربعة خلفاء ساروا على نهجه من بعده. وذكر الخليفة عبد الله المجتمعين بأن المهدي كان قد حدد الخلفاء الذين سيتابعون ما بدأه من عمل عقب موته، وأنه يجب على من يوقرون المهدي، والمؤمنين بدعوته، أن يبايعوه خليفة للمهدي حتى تتحقق رؤية المهدي في إقامة دولة اسلامية. وختم الخليفة خطابه للمجتمعين بتذكيرهم بأن المهدي كان قد نصبه ليقوم مقام الخليفة الأول أبوبكر الصديق.
غير أن دعاوي الخليفة عبد الله في السلطة السياسية والمستندة على أن تعيينه "خليفة للمهدي" كنظير للخليفة الصديق لم تمر دون اعتراضات، خاصة من الأشراف، والذين كانوا يرون أن محمد شريف هو أحق الناس بخلافة المهدي. وقدم يوسف ميخائيل (ذلك القبطي السوداني والذي أنضم للمهدية في 1883م) وصفا تفصيليا لذلك الصراع بين الخليفة عبد الله والأشراف عقب وفاة المهدي (انظر مذكرات يوسف ميخائيل من تقديم وتحقيق أ.د. أحمد إبراهيم أبو شوك. 2004م، من منشورات مركز عبد الكريم ميرغني. المترجم)، والذي ختم – مؤقتا – في ذلك الاجتماع بمبايعة الحاضرين للخليفة عبد الله، وكان منهم زعيم الأشراف أحمد شريفي، والذي قدم للخليفة عمامة المهدي وسيفه، بينما كان آخر المبايعين هو الخليفة محمد شريف.
وكانت عملية البيعة تلك هي إيذان واعتراف بعهد جديد من المهدية. فعلى أحد المستويات بايع كبراء المهدية الخليفة عبد الله قائدا لهم، ولكن على مستوى آخر، أكد الخليفة هيمنته على المهدية بذلك الطقس، وهو الآن بعد تلك المبايعة يحتل نفس المكانة التي كان المهدي يحتلها.
وكل البدايات، كما يقول بول كونيرتون في كتابه "كيف تتذكر الشعوب"، تحمل في ثناياها عناصر التذكر. ففي اجتماع الخليفة عبد الله الذي بويع فيه تم استدعاء ذكرى مبايعة الخليفة الأول أبو بكر الصديق، وذكرى المهدي كذلك. واستند المؤيدون لخلافة عبد الله للمهدي على المثال الإسلامي الأول (المقدس) لمبايعة أبو بكر الصديق خليفة للنبي. وبذا كان من بايعوا الخليفة عبد الله يسبغون عليه نفس السلطة التي أسبغت على الخليفة الأول، ويؤكدون على إيمانهم بما قاله المهدي قبل موته من أن "الخليفة مني وأنا منه".
وكان تقديم عمامة المهدي وسيفه للخليفة شارة لتأكيد سلطة الخليفة، ورمزا لانتقال السلطة من حاكم لآخر. فمتعلقات المهدي الشخصية كانت لها نفس القداسة التي كانت تعطي للرجل نفسه، والعمامة كانت تعد رمزا ماديا للسيادة وتمثل العظمة الروحية، بينما يمثل السيف السلطة الزمنية والقوة. وبتقديمهم لهذين الرمزين للسيادة والسلطة فقد كان الكبراء يعترفون بعبد الله كحاكم روحي وزمني في آن معا. وكان لاجتماع المبايعة ذاك هدفان، الأول هو الاعتراف بأحقية الخليفة عبد الله في الحكم، والثاني هو عمل "جسر رمزي" بين السلطة القديمة والسلطة الجديدة.
وجاء في منشور للمهدي بتاريخ 27/1/1883م ما نصه: "أعلموا أيها الأحباب أن خليفة الصديق المقلد بقلائد الصدق والتصديق، فهو خليفة الخلفاء وأمير جيوش المهدية المشار إليه في الحضرة النبوية، فذلك عبد الله بن محمد، حمد الله عاقبته في الدارين، فحيث علمتم يا أحبابي أن الخليفة عبد الله هو مني وأنا منه، وقد أشار إليه سيد الوجود صلى الله عليه وسلم، فتأدبوا معه كتأدبكم معي، وسلموا إليه ظاهراً وباطناً، كتسليمكم لي وصدقوه في قوله، ولا تتهموه في فعله". ومثل هذا المنشور (ومنشورات أخرى تحمل ذات المضمون) مثلت القناة التي نقل عن طريقها التعيين الإلهي للسلطة من النبي محمد عن طريق المهدي للخليفة عبد الله. ومن الضروري هنا تذكر أنه، وعلى الرغم من زعم المهدي من الاقتداء بالنبي في أمر تعيين خليفة، فإنه من المعلوم أن النبي لم يكن قد حدد شخصا بعينه ليخلفه بعد موته. وأوضح النبي مرارا أنه "خاتم الأنبياء والمرسلين"، وما من أحد يمكنه الزعم بوراثة دوره كنبي. وكان أول سؤال واجه الدولة الإسلامية الوليدة هو: من سيقود؟ وما هي نوع السلطات التي ستكون عند ذلك القائد؟ وظلت تلك الأسئلة تؤرق المسلمين بعد السنوات التي تلت وفاة النبي محمد، وبقيت المشاكل التي سببتها عصية على الحل على مدى سنوات، حتى أتى العصر الأموي (661 – 750م) فصارت الخلافة بالتوريث.
وليس من المعلوم إن كان المهدي قد عين خلفائه قبل وفاته تحاشيا للمشاكل التي قد تحدث بسبب الخلافات حول من سيخلفه في قيادة دولته المهدية. ولم تترك منشورات المهدي الخاصة بمن سيخلفه أي مجال لمعارضة خلافة عبد الله للمهدي، خاصة وأن المهدي كان قد أكد في منشوراته على أن سلطته مصدرها الله، وأن اختياره لعبد الله خليفة له هو أمر رباني، وأمر نبوي أيضا أتاه في رؤية منامية للحضرة النبوية (في وجود شيخ المهدي السابق شيخ القرشي ود الزين المتوفى في عام 1878م). وقد أعطى كل ذلك الخليفة عبد الله سلطة روحية وزمنية تعادل تلك التي كان يتمتع بها المهدي نفسه. وقام الخليفة محمد شريف وعلي ود حلو عشية مبايعة الخليفة بالإعلان عن تلك الرؤية المنامية في بيان للناس لإزالة كل قلق أو شك في شرعية خلافة عبد الله الدينية أو السياسية. وعزز ذلك أحساس الناس بأن حكم وسلطة الخليفة عبد الله سيكونان امتدادا لحكم وسلطة المهدي.
وبحسب المصادر المتوفرة فقد بدا واضحا أن الخليفة عبد الله كان هو أكثر الأشخاص تأهيلا لقيادة الدولة بعد وفاة المهدي، وذلك لثقة المهدي فيه وتقريبه له واسناده له مهمات قيادية. غير أن "الأشراف" كانوا يرون بغير ذلك، ويعتقدون أن الخليفة اغتصب منهم قيادة كانوا هم أحق بها منه بحكم قرابتهم للمهدي.
غير أن الناس كانوا يوقرون المهدي لدرجة صعب على الخليفة عبد الله مجاراتها، وتعذر عليه ملء الفراغ الكاريزمي الذي حدث بوفاة المهدي. فقد كان أتباع المهدي قد حاكوا عنه قصصا وسيرا فيها كثير من التقديس والتبجيل في غضون سنوات حياته وبعد مماته. ولم يحدث هذا للخليفة. فقد بدأت سمعته تسوء منذ اللحظة الأولي لمبايعته. فقد قبل "الأشراف" مبايعته على مضض، وربما لم يرضوا في قرارة أنفسهم أبدا بالتخلي عن سلطة كانوا يرون أنفسهم أحق بها من رجل – بحسب اعتقادهم - متواضع الأصل، لا يدانيهم في الشرف والمكانة (ورد في موسوعة الويكيبيديا أنه ورد في مخطوطة آل الخليفة عبد الله التعايشي أن عبد الله هو حفيد محمد المعطي الداري، وأن أمه هي أم نعيم من فرع الجابراب أم صرة وينتهي نسبها للعباس بن عبد المطلب. المترجم). وكان "الأشراف" كانوا يرون أن قربهم من المهدي (وبالتالي انحدارهم من العترة النبوية) يعطيهم شيئا من بركته، ويمنحهم الحق في أن يتولوا الحكم من بعده.
أصول الخليفة The Khalifa’s Origins
هو عبد الله بن محمد كرار بن علي التعايشي، وهو كما يتضح من الاسم، من قبيلة التعايشة (وهي فرع من فروع البقارة)، وهم شبه – رحل ويعملون بالرعي وبالزراعة. وكان والده وجده يتبعان الطريقة السمانية، وعرفه والده بالتقوى والعلم الديني، وكان عرافا يتنبأ لأفراد قبيلته بالموعد الملائم لشن الغارات على القبائل الأخرى في جنوب دارفور، وجنى من ذلك ثروة مقدرة مكنته من التزوج بأكثر من زوجة والتسري بمحظية.
وكان من المتوقع أن يخلف عبد الله والده في تلك المهنة، وعده الكثيرون فكيا. وبالفعل مارس تلك المهنة مع قبيلة الرزيقات، خاصة عندما دخلوا في حرب مع تاجر الرقيق الزبير باشا، والذي كان يحكم فعليا منطقة بحر الغزال. وأنتصر أخيرا الزبير على الرزيقات وألقى القبض على عبد الله وكان ينوي إعدامه لولا أن بعض الشيوخ راجعوه في ذلك الحكم، فأطلق سراحه بعد أن عقد الزبير اتفاق صلح مع قبيلة الرزيقات. وأخذ عبد الله والده وبعض أهله في رحلة للحجاز لأداء فريضة الحج، ولكنه – ككثيرين غيره في ذلك الزمان - تعثر في مسعاه، فبقي مع أهله لعامين بدار الجِمِع في ضيافة زعيمها شيخ عساكر أبو الكلام. وفي تلك الأثناء توفي والده هنالك ودفن فيها. ويقال إنه كان قد نصح قبيل وفاته ولده عبد الله بالتوجه للحجاز والبقاء هنالك وعدم العودة للسودان مرة أخرى. وتنفيذا لتلك الوصية بدأ عبد الله رحلته للحجاز مشيا على الأقدام وقطع نحو 700 ميلا حتى وصل وادي النيل. وزعم سلاطين في كتابه "السيف والنار في السودان" أن الخليفة عبد الله حكى له عن سوء معاملة السكان له في المناطق التي مر بها. وسمع عبد الله بشيخ سماني يقيم في جزيرة أبا مشهور بالصلاح، فقرر أن يزوره قبل أن يذهب للحج. وزعم الخليفة أنه أصيب بالإغماء لأكثر من ساعة كاملة لحظة رؤيته للمهدي. وعندما فتح عينيه ونظر في وجه المهدي أغمي عليه للمرة الثانية. وعندما أفاق هرول نحو المهدي وهو يرتعد وينتحب وقبل يده وهو يخبره بأنه المهدي المنتظر. وبايع عبد الله محمد أحمد، فصار عبد الله من فوره أحد المقربين له. وفيما أقبل من أيام قدم عبد الله له العديد من النصائح والمعلومات عن البقارة وعن فوائدهم المحتملة لحركته. وبذا يعد عبد الله هو أول من عبأ القبائل في كردفان ودارفور للانضمام للمهدي، ونال بذلك عند المهدي حظوة عظيمة وتقديرا كبيرا وصار مستشاره الأول. غير أن أقرباء المهدي "الأشراف" كانوا رغم ضيقهم وحسدهم لعبد الله لقربه من المهدي وحب المهدي له، يؤمنون بأن كاريزما / "بركة" المهدي لن تنتقل إلا لأقرباء الدم، ولن تذهب لعبد الله الغريب عنهم (واستطرد الكاتب هنا في استعادة أفكار ماكس فيبر1 حول الكاريزما، وعن انتقالها من حاكم لخلفه، وعن أنها توجد في أذهان الآخرين الخ. المترجم).
ولم يكن الخليفة في حاجة ليقنع أنصاره بأحقيته الروحية والسياسية في قيادة الدولة بعد وفاة المهدي، غير أنه كان من اللازم عليه إقناع "الأشراف" والعرب الآخرين من سكان المناطق النيلية بأنه هو بالفعل الخليفة الشرعي للمهدي. فأعلن بعيد موت المهدي بأن "من كان يعبد المهدي فإن المهدي قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، مستعيدا ما ذكره الخليفة الأول أبوبكر عقب وفاة النبي محمد. وأطلق الخليفة على نفسه "خليفة المهدي، خليفة رسول الله" في محاولة أخرى لتأكيد وتثبيت سلطته الروحية كخليفة للمهدي، واستطرادا كخليفة للنبي محمد كذلك. وهو بذلك يحذر ضمنا من أن يعصي أمره فكأنه عصي المهدي أو النبي نفسه، وهذا قد يدخل العاصي في خطر الردة.
رموز السلطة Symbols of Authority
استخدم الخليفة بعض مقتنيات ومتعلقات المهدي الشخصية (مثل خاتمه وخاتم توقيعه) لتأكيد سلطته الروحية. وكان ذلك أيضا من أجل مزيد من التمكين و"البركة" والقوة الروحية. وربما ذلك كان تشبها بما يفعله شيوخ الطرق الصوفية والذين كان يرثون سجادة الصلاة من أسلافهم، ويسمى الواحد منهم "شيخ السجادة". والتراث الصوفي كما هو معلوم كان ولا يزال هو الغالب في السودان. وكان زعماء الطرق الصوفية يختارون من يخلفهم في زعامة طرقهم بعد مماتهم.
ورغم حصول الخليفة على مبايعة الكثيرين لخلافته الروحية والسياسية، إلا أن سياسة الخليفة ظلت – كما عبر ذلك ثيوبولد3- هي سياسة تقوم على الصراع من أجل البقاء والحفاظ علي السلطة. فبدأ الخليفة بتسمية مدينته "بقعة المهدي"، وقد كانت من قبل بلدة صغيرة ليس فيها غير قليل من الأكواخ، وكانت مرعي لقطعان الجموعية. وسعى المهدي لجعلها مدينة تقابل "مدينة الرسول"، وجلب إليها المهاجرين من أنصاره. وكان مسجده فيها (والذي بدأ في تشييده بأوامر من الخليفة في 20/ 11/ 1887م، واستغرق بنائه ثلاث أعوام) يمثل قلب تلك المدينة. وسمي المسجد باسم الخليفة، ويعده الأنصار، وبحسب زعم روبرت كرامر مؤلف كتاب "أم درمان مدينة مقدسة"، المسجد الرابع المقدس، بعد مساجد مكة والمدينة والقدس. وكان الخليفة يؤم فيه المصلين، وينوب عنه – عند مرضه- أحد القضاة أو الملازمين، إلا أنه لم يكن يسمح لهذا البديل بأن يقف في المحراب (والذي يقتصر استخدامه على الخليفة حصريا) وفي هذا تأكيد آخر علي سلطة الخليفة الروحية المتفردة.
ولم تقتصر رموز الخليفة على الأمور الروحية فحسب، إذ كان يحتفظ أيضا برموز السلطة المادية التي كانت معروفة تاريخيا في "الحزام السوداني" مثل تربيته في حوشه لبعض الأسود. وذكر بعض الرحالة من قبل أن بعض ملوك الفونج كانوا يحتفظون بأسود مستأنسة في دورهم. ولا نزعم هنا أن الخليفة كان – بالضرورة - يقلد ملوك الفونج في تلك العادة.
الخليفة كمركز للسلطة The Khalifa as the Locus of Power
كان الخليفة - كما كان المهدي من قبله- هو مركز السلطة الوحيد في المهدية. وكان هو الأول (شكلا وموضوعا) في كل التراتيب السياسية والاجتماعية والدينية في الدولة الوليدة. وكان الخليفة يجسد السلطة والقوة في كل حركاته، وكانت معظم كوروغرافيا السلطة عنده choreography of authority تتجسد في حركات جسدية، كانت أوضح ما تكون عندما يجلس الخليفة بعد صلاة العصر أو الغرب لسماع شكاوى المتظلمين مباشرة. وكان على المتظلم أن يطلب الأذن أولا بالوقوف أمام الخليفة، ويسمح له بعد أن ينزع بنفسه سلاحه ويتقدم للخليفة وهو مطأطئ الرأس وقابض على صدره بيديه، ويقف على بعد أقدام من الخليفة (الجالس على الأرض؟) ويقول "السلام عليك يا خليفة المهدي" فيرد الخليفة السلام، ويأمره بالجلوس. فيجلس المتظلم منحنيا أو يقبل على الخليفة ويقبل ظاهر وباطن يده، ثم يتراجع حيث كان يقف، فيأمره الخليفة مجددا بالجلوس. ويجلس الرجل ويظل ساكتا حتى يأمره الخليفة بالإفصاح عن سبب قدومه عليه، فيبدأ الرجل في سرد ظُلاَمته، ولا يقاطعه الخليفة حتى ينتهي من كلامه، ويصرفه بعد ذلك فيتقهقر المتظلم دون أن يعطي ظهره للخليفة. وكان ذلك البروتكول الأخير يسري على الجميع ممن يقابلون الخليفة. وفي كل ما سبق تأكيد على سلطة الخليفة وسلطانه dominion.
الخلاصة Conclusion
1. كانت سلطة الخليفة من النوع الكريزمي (الكريزماتي)، إلا أنها تغيرت بسبب نقلها من قائد كريزماتي (هو المهدي صاحب المزايا والصفات غير العادية) لخليفته. وذابت شخصية الخليفة في شخصية سلفه بصورة لا تخلو من تعقيد، إذ ظل يلقب بـ "خليفة المهدي" طوال سنوات حكمه.
2. أقرت الغالبية العظمي من أنصار المهدية بأحقية عبد الله في خلافة المهدي روحيا وسياسيا، إلا أن أقرباء المهدي وقليل من الآخرين كانوا يرون أن "الأشراف" هم أحق الناس بخلافته.
3. السلطة (بمعني الحق في إصدار الأوامر والقيام بالتزامات القيادة الأخرى) تتطلب وجود شخص أو أشخاص يرضون بالخضوع لها. وتبقي "السلطة الكاريزمية" أمرا (كامنا؟) في عقول وأذهان الأشخاص الواقعين تحت تلك السلطة. وبدا أن سلطة الخليفة الكارزمية كانت تقوم على "تطبيع الكريزما routinization of charisma".
4. يمكن لأي قائد كاريزمي أن يسمي خليفته، فتنتقل لخليفته معظم تلك الكاريزما لمن يخلفه في الحكم. وفي حالة الخليفة يبدو أنه معظم أنصار المهدية كانوا يؤمنون بسلطة الخليفة الروحية والسياسية. غير أنه، ولأن الخليفة لم يكن القائد الكاريزمي الأول في المهدية، فكان عليه أن يستخدم الكثير من "الطقوس الاحتفالية ceremonial " لتأكيد ودعم وخدمة سلطته ووضعه في المقدمة في كل المجالات السياسية والدينية والاجتماعية. وكانت تلك الطقوس من باب التوافق الأسطوري بينه وبين الخليفة الأول أبو بكر والمهدي، أي أن "الماضي" ظل حاضرا في فترة حكم الخليفة منذ بدايته.
************* ********* *********** ***************
1.ماكس فيبر (1864 – 1920م) هو عالم فلسفة واجتماع واقتصاد سياسي ألماني مشهور.
2. بول كونيرتون هو عالم بريطاني متخصص في الأنثروبولوجيا الاجتماعية اشتهر بدراساته عن الذاكرة.
3. أ. ب. ثيوبولد هو أحد كبار إداري الحكم الثنائي، ومؤلف كتاب عن المهدية هو:
The Mahdiya: A History of the Anglo-Egyptian Sudan 1881-1899


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1169

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1185833 [Awan]
0.00/5 (0 صوت)

01-11-2015 07:53 PM
See what Winston Churchill said about Mahdi & Khalifa Abdulla in his book the River War He said (if he (The Mahdi) were the soul of the plot, Abdullah was the brain. He was the man of the world, the practical politician, the general). So simply, Churchill considers Khalifa to be the force behind the Mahdia Revolution

[Awan]

#1185207 [محجوب عبد المنعم حسن معني]
0.00/5 (0 صوت)

01-10-2015 09:10 PM
السلام عليكم
الشكر اجزله للمترجم
ذكر احد احفاد الخليفة وهو حي يرزق بان عبدالله التعايشي اصوله من شمال افريقيا وبالتحديد من تونس.
مع مودتي

[محجوب عبد المنعم حسن معني]

#1185186 [شفتا كيف؟]
0.00/5 (0 صوت)

01-10-2015 07:45 PM
(وعندما أفاق هرول نحو المهدي وهو يرتعد وينتحب وقبل يده وهو يخبره بأنه المهدي المنتظر.)
for the author this quotation means that Khalifa was a superstitious man
هذا يعني بأن الخليفة كان دجالا

[شفتا كيف؟]

ردود على شفتا كيف؟
[Lord] 01-10-2015 09:30 PM
Is there any doubt about this now, Khalifa is dajal and Mahdi himself is dajal as well


ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة