المقالات
السياسة
ماسحو الأحذية!
ماسحو الأحذية!
01-12-2015 09:10 AM


ماسحو الأحذية!
بقلم: الدكتور نائِل اليعقوبابي
العمر في بلادنا
يضيع في الزحام
ورغبة الكلام
العمر في بلادنا
يضيع في الركوع
والسجود
والدعاء للإمام
العمر في بلادنا
يباع في الأسواق للتجار واللئام
بحبة من خردل أو ريشة الحمام
العمر في بلادنا
محطم ... محنط
ممزق .... مشتت
مفتت ... مهدد
بالقتل والسقام
العمر في بلادنا
مؤمم لسادة النظام
ذات حنين..
.. عادت بي الذاكرة إلى فيلم حضرته، وأنا في مقتبل العمر، كان اسمه (ماسح الأحذية)، وعلى عادة الأفلام الهندية دائماً هناك دموع، ولا أدري حينذاك حقيقة تلك الدموع التي هربت من عيني وأنا أشاهد الفيلم وأتابعه بسائر حواسي، منتبهاً، فلا شرود في فيلم يستغرقك بجزئياته وتفاصيله وضراوته الدرامية. لماذا أفسر الآن حقيقة تلك الدموع؟ أهو التعاطف مع ذاك الطفل - ماسح الأحذية- أم براعة الموسيقى التصويرية التي تخلب اللب، وهي تنقر على الأعصاب وتتسلل في حنايا الوجد، وأذكر أنني رمقت من كانوا على جانبيّ فقد كانوا في لحظة بكاء خفية أيضاً، ربما لتلك الأسباب أو غيرها، لكنّ الأساسي هنا أننا عاطفيون بما يكفي أن تنبجس دمعة من عيوننا إذا زلت قدم نحلة عن زهرة مشتهاة.
ماسحو الأحذية اليوم المعذبون في الأرض، هم أصحاب النداء ذي الرجع الرخيم (ورنيش يلا ورنيش والرزق على الله)! فقليل من المال وتدب الأناقة في الحذاء، وهكذا يمضون سحابة نهارهم في استجداء أصحاب الأحذية، تلميعاً وتنظيفاً وربما صيانة شاملة، ولا عيب في مهنة شريفة بدل أن يتسول المرء، لطالما قال الروائي همنغواي: العيب أن لا يعمل المرء، ومن يشرّف المهنة هو الإنسان، وتراني أجوب وجوههم وأُصغي لنداءاتهم في زمن مضى يحملون (عدة الشغل) ويفترشون الزوايا علّ أحدهم يمر ليحظى بالنصيب.
ربما تلك الصورة التقليدية التي اعتدناها عن ماسحي الأحذية، ظلت ردحاً من الوقت في الأذهان، لكن في خلفية المشهد اليومي ثمة من يمسح غير حذاء ويبالغ في تلميعه شأن نصوص باهتة لا تصلحها مهما استطاعت أيدي الماسح لكنها تزيدها وهماً على وهم، كمن يغربل ماء البحر، أو تتراءى له الغيوم ألبسة ممزقة فيسعى لأن يخيطها، فلا يكاد يمسك منها شيئاً لأنها ما تنفك تبرح أمكنتها الظاهرة لتدور إلى غير مكان، ولعل بعضها من يختزن المطر وأكثرها محض غيوم عابرة أو سحابة صيف عابرة كذلك.
أصبح مسح الحذاء تقليداً غريباً يذكرنا بما يشابهه في موروثنا الشفوي: (ماسحي الجوخ) وما أكثرهم من تجاوزوا أولئك البؤساء في الحرص أكثر على تلميع مالا يُلمّع. هل تعود بنا الذاكرة هنا إلى تلك القصة الجميلة الموحية (ثياب الإمبراطور الجديدة) حينما أوحى النساجان المزيفان بأنهما قد خاطا ثوباً جميلاً للإمبراطور وأقنعاه بأن يلبسه ويجوب به الشوارع، لكن طفلاً ما صرخ: أيها الإمبراطور أنت عار تماماً!.
كم أنتم أغنياء يا من تمسحون مجرد حذاء! أغنياء دون سواكم حتى لو قلت القروش وعبرت الناس سريعاً دون أن تنتبه، ودون أن يعنيها مجرد تلميع حذاء، شبهة ترف عابر، سيظل الصوت ولو بعد حين: (ورنيش ورنيش) يتردد في الأرجاء، ومعه تتردد أصوات لا تستجدي أحداً بقدر ما تبث نداء لقمة العيش المغمسة بالدم، فيما يمضي ماسحو كل شيء في الطريق ذاته، كثيرون من يعرفونهم وينأون بأحذيتهم عنهم، فقليل من الغبار على الحذاء أجمل من أن تلوثه أصابع مزيفة لا شأن لها سوى الوهم أولاً والوهم ثانياً.
ليست تلك السياقات مقاطع منتقاة من روايات الطريق، وأقاصيصه المنتخبة، لكنها المنتخبة من دراما الحياة ذاتها، التي تشي بالكثير من المألوف واللا مألوف، وسخرية الأقدار التي تحمل على (تبئير) الحكاية الأساسية ولو فرت هوامشها الكثيفة إلى ما يستدعيه السياق، بدءاً من بساطتها وليس انتهاءً باحتدام يحكم منطق تلك الحكايات.
لا عزاء لمن لا يحمل حذاء ولا يذهب به إلى ماسح مسكين، ولا عزاء (لماسح) يرى الحذاء فقط ولا يرى من يحتذيه، لطالما كان الاحتذاء ثقافة وفكراً هو الأخطر وفي مكمنه سخرية طليقة تشي أكثر مما تقول وتحيل أكثر مما تصرح به، لتختلط في الفضاء أصواتهم جميعاً، علّ السماء وحدها من تدرك أعلى الأصوات، فتبث على المعذبين في الأرض غيثها ولو بعد حين.
[email protected]




تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 688

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1187372 [بوكش]
1.00/5 (1 صوت)

01-13-2015 04:32 PM
لااستطيع الكتابة علي موضوعك ولكني اجدنفسي ان اعلق علي ماسح الاحذيه لانه موضوع بالجد يحتاج لتعليق يانايل

[بوكش]

#1186219 [بتجنن يا نائل]
3.00/5 (2 صوت)

01-12-2015 10:26 AM
مقالتك يا نائل :على قد ما بتخلينا متشائمين ،بتخلينا متفائلين ،كعادتك،بتمرجحنا، شوية شوية منعّلي وشوية بتوطي....ما منلحق نشم الهوا! و بتفشكلنا وبتشغلبنا، قاصدا كنت أم غير قاصد، مقبولة منك...

[بتجنن يا نائل]

ردود على بتجنن يا نائل
European Union [بنتالنيل] 01-12-2015 06:09 PM
فعلا مقال عجيب مرة ... وكلي ثقة ان الدكتور نائل فريد عصره قلبا وقالبا ... لن انسى ما حييت قلبه الاسمر الجميل ... يا شيخ الشباب .. قاعات الاحفاد كانت تضج بكل هذا الابداع سلمت لنا


#1186211 [معتز سنجك]
3.00/5 (2 صوت)

01-12-2015 10:19 AM
أقسم بكل أقلام العالم أنك أجمل من يكتب مقالا شفافا شكرا نايل,شكرا راكوبة

[معتز سنجك]

الدكتور نائِل اليعقوبابي
 الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة