المقالات
منوعات
حفريات ذاكرة الحوت
حفريات ذاكرة الحوت
01-13-2015 03:12 PM


تشييد المعمار السردي على قاعدة المحكية العامية

(ألم نلحظ بعد أننا جميعا أوراق ذات الغصن .. نقاط ذات النبع؟!)
جين باتسبي
يطمح العمل الإبداعي الروائي إلى اقتناص لحظة مما يلابس حياة الناس، ومن ثم معالجتها سردياً لتتحول إلى برهة إنسانية مضيئة، تملك أن تشع بجوهرها الخاص، الذي يجاوز بها حدود زمانها ومكانها لتمخر عميقاً في صميم الوجود، والمشترك الإنساني. وهكذا تصبح الكتابة، وفقاً للمباحث السردية، نصاً كونياً خارج حدود الذات، ومحابس الزمان والمكان. وذلك هو تحديداً رهان رواية "حفريات ذاكرة الحوت" للدكتور محمد عثمان الجعلي، الصادرة مؤخراً عن دار مدارات للنشر، حيث توظف الذات الساردة خبراتها الوجودية والإبداعية والمعرفية ليتفرد السرد بدمغته الأصيلة، ويغتني بالروافد الحكائية والمدد الجوفي، والمسارد التي تومض بالرؤى والانتباهات الجمالية، واستمطار فواتن الإبداع لتُبث بين ثنايا السرد فتتوهج بها كوامن المعاني ومكنونات الحس، وحيث يتصل تذخير المحكي بترياق الشعر والمسادير وعذوبة الغناء وأنس الحكايا وحصافة المأثورات، بينما تتعالى حمحمة صدور خيل المروي وهي ترمح لأعالي السرد، وتتصاهل عند مورد الفكرة وغلة الذاكرة، وهي بعد تستقصي وتجس المسالك لاستكشاف الدروب البكر إلى أرخبيل بهار الحكي.

ولابد من الوقوف بدءاً عند أهمية وجوهرية الحوارية العامية في رواية "حفريات ذاكرة الحوت"، والتي تمثل المادة الحكائية الأساسية التي تنتظم بها بنية السرد. فالقارئ لا يلبث أن يلاحظ أن الحوار يشغل حيزاً مقدراَ من السرد، حيث يتم توظيفه كعنصر حاسم وكنسق شامل ينهض به البناء الروائي. فهو يمثل مركز توجيه يدير شبكة العلاقات النصية، ويرفد منطقها الداخلي ويغذي أمشاجها الباطنة. وهكذا يمكننا القول بأن الحوار العامي يشكل لبنة أساسية لتركيب جل المعمار الداخلي للمحكي. ولعل ذلك يعود بشكل رئيسي لحيوية الحوار وطواعيته، وقدرته على الاستيعاب والاحاطة. فحينما يختار الكاتب الروائي أن يكون الحوار باللغة العامية المحكية، فإن ذلك يعني بالضرورة أنه قد وطد عزمه على مواجهة تحدي استخدام اللغة في مجالها الحيوي، في أكثر مستوياتها واقعية وصدقية، ومن ثم استثمارها كتصوير نابض لليومي في دورته المركبة، في كنف حاضنته الاجتماعية متصلاً بأوردته الحياتية، سيما وأن وقائع الرواية تدور في أحد الأحياء الشعبية، وتزخر بالتالي بشخوص وملامح تلك البيئة وموجوداتها ومشاهداتها. وذلك ربما ما مكَّن للغة الحوار العامي في ذاكرة الحوت من أن ترصد وتوجه وتضبط ، بل وتؤنسن وتبوصل، وتؤزمن وتؤمكن بفاعلية قصوى، لينهض حقل السرد من بذور تلك الحوارية تركيباً وصياغة وسبكاً ودلالة. وهكذا يمكننا أن نخلص في هذه الجزئية إلى أن الحوار العامي قد تم توظيفه كما أسلفنا كناظم إبداعي وكقطب مركزي منح السرد خصوصيته الأسلوبية، وعزز ثنائية الأثر والتلقي باستدراج مألوف الذاكرة وخزينها لنسج حميمية القارئ مع النص، ليلتئم بذلك مع حياة وشخوص ذلك الفضاء الأليف، مع الاحتفاظ له بملكية مسافته التأويلية الجمالية.

وتشمل مركزة الحوار تفعيل عنصر الحدث عبر استخدام الحوار كتقنية سردية لبناء الحدث وتركيب الوقائع، والقبض على التفاصيل. والجدير بالرصد كذلك أن الحوار يسخَّر لإعادة انتاج علاقات السرد عبر اللغة العامية، بحيث يمثل الحوار دينمو لتوليد الأحداث والمواقف الدرامية. كما يستثمر كذلك في البناء المشهدي ورسم الخلفيات الزمانية والمكانية. ولهذا فإن الحوار لا يقتصر على تركيب المعمار الداخلي للمحكي، بل ويسخَّر كقادح سردي ينحت مجرى الحكي ويعمل على تجويد سبك التفاصيل، وشد خيوط السرد إلى نقاط ذات طابع كشفي. ومثال ذلك بعض الأحداث المفصليةً والتي تُفشَي للقارئ عبر الحوار مثل حادثة انتحار زوجة الطاهر مع ولديها، والذي يُكشف للقارئ في الحوار بين فضل المولى وود البشير (بت بادي بعدها بيومين حرقت نفسها وماتوا معاها الولدين الصغار). وكذلك هو الحال بالنسبة للطاهر فبرحيله عن الحياة، والذي يفضي به إلينا صديقه محمد زين في حواره مع ود الطاهر يوم سماية مولوده (مبروك الوليد ياعبدالله وإن شاء الله يتربى في عزك. .قالوا سميتوهو الطاهر.. والراجل السميتو عليهو راجلاً ما ساهل.. الله يرحمك يا الطاهر.. إن درت الرجالة.. إن درت الكرم.. إن درت الفهم.. إن درت الجودية.. إن درت الخوة).

أما فيما يخص الشخوص فإن مما يمنح الحوار مركزيته أنه يُوظَف كمكون بنائي جوهري للشخوص يستوعب أبعادهم النفسية والعاطفية، وتحولاتهم الحياتية والفكرية. فالحوار يُبدع بإحكام لاستكناه خبايا الشخوص، وتعزيز وتكثيف ملامحهم. حيث يتجلى الحرص على مواءمة اللغة لتتسق مع بيئة الشخوص وتجاربهم ونضجهم الإنساني. وهكذا يتم تسخير منطوقهم اليومي بحذق في تعميق حضورهم، دون تغريبهم عن سياقهم الحياتي، لتظل اللغة مؤتلفة مع مرجعياتهم الاجتماعية والثقافية. فمثلا نلاحظ أن الحوار بين الشخصيات الأنثوية من ربات البيوت يحدب على اختراق الذاكرة الحريمية البيتية بانشغالاتها المختلفة، مثل الاعتناء بالتفاصيل والتقاط الإشارات، ونزعة الوصف الدقيق الرصاد، واللغة الروية المسجوعة. ولنستمع لحاجة ست أبوها وهي تشمل الطاهر بجوارها البار (يا خوي نحن الربنا يقدرنا على جزاك يا أب ضراعاً وافر ويا اب خيراً دافر..أياكا ضونا وركيزتنا..أنت راجية الله ياخوي نارك ما تنطفي وقدحك ما ينكفي يا العطاي ويا الأداي). أما في حالة تجمع المثقفين فإن اللغة المستخدمة في الحوار تعكس أفكارهم وبطانتهم الايدلوجية (..شوية الوعي دا يا عبدالله ما ادا الناس كل البصر المطلوب لكن أداهم شوية نظر تخلي الناس تكابس وتلقا ليها مخرج.. خلافاتنا نحن عشان ما أكون متحيز حأترك الكلام عنها لأي واحد من الزملاء بعد ما تقعد معاهم في اجتماع بكرة). وكذلك فإن الحوار يستخدم كذلك لاستيفاء البناء الداخلي للشخوص، مع الايغال في إضاءة حالاتهم الشعورية بعبارات موزونة الصياغة، بسيطة ودالة، وفي ذات الوقت كاشفة تجيد الغوص تحت الأسطح النفسية والوجدانية.

[email protected]


تعليقات 11 | إهداء 0 | زيارات 2198

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1188570 [ساساق]
5.00/5 (2 صوت)

01-15-2015 11:57 AM
كدي الدخلوا المقال دا بالغلط وما فهمموا وطقعوا وفلعوا اليمرقوا يشوفوا عدد الداخلين في خبر فيهو صورة ندى القلعة أو أي واحدة من الغنايات؟
عشان تصحوا وتعرفوا الحصل على الشعب السوداني الفضل !!!!

[ساساق]

#1188055 [متفهم]
5.00/5 (1 صوت)

01-14-2015 04:20 PM
أنت نسمة فى هذا الزمن الردىء. الذين لا يفهمون عليهم الذهاب الى مواقع الدردشة. وعلينا جميعاً خاصة أمثال الأستاذة لمياء ذات الفكر المتقد العمل جميعا لدحر هذا النظام البائس.

[متفهم]

#1187944 [كرم]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2015 01:34 PM
الناس في شنو !!

[كرم]

ردود على كرم
[قراية ساي] 01-15-2015 11:18 AM
أنت خلاص فكرت وساهمت وعزمت ومرقت الشارع والمقال دا عتر ليك؟

(....فزادهم الله مرضا)..


#1187915 [مأمون المأمون]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2015 01:03 PM
وصفت الكاتبة الحوار المستخدم فى القصة المشار إليها بأنه:" بعبارات موزونة الصياغة، بسيطة ودالة، وفي ذات الوقت كاشفة" بينما نجد مقالها النقدى يعتمد لغة معقَدة و معقِدة تجعل القارئ ينصرف عنها بسرعة
" ويغتني بالروافد الحكائية والمدد الجوفي، والمسارد التي تومض بالرؤى والانتباهات الجمالية، واستمطار فواتن الإبداع لتُبث بين ثنايا السرد فتتوهج بها كوامن المعاني ومكنونات الحس، وحيث يتصل تذخير المحكي بترياق الشعر والمسادير وعذوبة الغناء وأنس الحكايا وحصافة المأثورات، بينما تتعالى حمحمة صدور خيل المروي وهي ترمح لأعالي السرد، وتتصاهل عند مورد الفكرة وغلة الذاكرة، وهي بعد تستقصي وتجس المسالك لاستكشاف الدروب البكر إلى أرخبيل بهار الحكي."
و مثال آخر
" وذلك ربما ما مكَّن للغة الحوار العامي في ذاكرة الحوت من أن ترصد وتوجه وتضبط ، بل وتؤنسن وتبوصل، وتؤزمن وتؤمكن بفاعلية قصوى، لينهض حقل السرد من بذور تلك الحوارية تركيباً وصياغة وسبكاً ودلالة."
ختاماً دعينى أعيد لك تعليق من أسمى نفسه مسطح "غايتو كلام جين باتسي في أول المقال فهمتو ، لكن باقي المقال الا أشرب لي نسكافي بالحليب والجنزبيل والنعناع حتو يدخل رأسي المسخن دا."
و قال كم أسمى نفسه جنى:"يخربني كان فهمت حاجة"

[مأمون المأمون]

ردود على مأمون المأمون
United States [معاكم] 01-15-2015 11:21 AM
إن لم تفهم فأعد القراءة..وإن لم يمر منه شيء لعقلك فأعلم أنك غير مستهدف
بمثل هذا المقال الذي يناسب فئة أخرى لها اهتمامات مختلفة..


#1187550 [بربر نفر]
0.00/5 (0 صوت)

01-14-2015 12:28 AM
كلام سمح ومليان وشبعان تب. سيري إلى الأمام

[بربر نفر]

#1187544 [AbuAhmed]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2015 11:38 PM
شكرًا يا استاذة غيرتا لينا شوية من الوتين والأخبار القرفة
و كمان فى قراء غير سودانيين

[AbuAhmed]

#1187454 [السفير]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2015 07:23 PM
ذكرتينى ايام الجامعة كنا مثقفاتية ونتكلم بهذه اللغة...هذه الايام الناس مشغولة بما يجرى فى البلد من كوارث الواحدة تلو الاخرى وقراءة وكتابة مثل هذه المواضيع يمثل نوع من الترف الفكرى.

[السفير]

ردود على السفير
[قراية ساي] 01-15-2015 11:28 AM
أنتوا خلاص اجتمعتوا واتفقتوا واتعاونتوا واتفاكرتوا وعزمتم وتوكلتم على الفيهو خير البلد وبقيتوا مارقين الشارع والمقال دا عتر ليكم؟!
ما شفت المقالات الخاصة بالعلاقات الحميمة والفارغات والنميمة الألكترونية وصور النحور والخصور والسيقان المحننة التي يزورها مئات الألاف من القراء الذين تجذبهم الصور إياها؟؟؟؟؟

أها ويعني كنت مثقفاتي وبقيت سفير؟ واللغة بقت كيف هسة؟!


#1187447 [المقدوم مسلم]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2015 07:12 PM
دى جات متلبة لينا من ياتوا شدرة ؟؟؟؟؟؟؟

[المقدوم مسلم]

ردود على المقدوم مسلم
[شجرة] 01-15-2015 11:32 AM
كدي خلي دي من الشجرة الجات متلبة منها..خليك في الجوك متلبين ليهم ربع قرن
والشجرة التلبوا منها واقفة وراكزة..وداخلة انتخابات تاااااني

أها ناوي تعمل شنو في التلبوا من الشجرة ديييييك؟
المقال دا خليهو..عندو ناسو البفهمو
خليك مع الشجرة ست الأسم!!!!!!!!


#1187393 [جني]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2015 05:08 PM
يخربني كان فهمت حاجة

[جني]

#1187391 [الأزهري]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2015 05:08 PM
يا لمياء صدقيني لو الناس اليومين ديل مزاجهم مثل مزاجي ما في حد يقرأ ليك مواضيع أدبية زي دي - ما يشغل الناس هو هذه الكوارث المتلاحقة على أهل السودان من هؤلاء القوم السافلين الذين بوجودهم صارت الكوارث تدور علينا على مدار السنة فمن صيف غائظ وأزمات خانقة في كل شيء في الأكل والشرب والمواصلات والتضييق على الحريات إلى خريف السيول والفيضانات والضفادع والعفانة إلى شتاء قارس برده قاتل وكأن هذه الفصول لم تكن تمر على السودان قبل مجيئهم وتسلطهم على رقاب العباد مثل البعوض الذي لم ينقطع أبداً عن هيمنته على العاصمة، حتى أم درمان التي لم تكن تعرفه من قبل، صيفاً وشتاء وخريفا وقد أضافوا لكل هذه المآسي كارثة الصرف الصحي فلوثوا حتى النيل وهم لايهمهم ذلك من قريب ولا من بعيد سادرين في تنعمهم بجنتهم التي مكنهم الله فيها في الدنيا في أبراجهم العالية وقصورهم المكندشة وعرباتهم الفارهة ومأكلهم وشربهم المستورد ونسائهم مثنى ورباع كل همهم منحصر في مقارعة من ينازعهم على هذا النعيم بالأمن والجنجويد والدعم السريع والمعرصين من المهمشين والمعرصات الداعمين لهم بترقيع الدستور والتمكين لهم أكثر بمفوضية الانتخابات وشراء ذمم الأرزقية من أحزاب المعارضة اسماً والمتوالين فعلاً وغير هذه المآسي الكثير - فنرجو إن كان للفن دور أن توظفوه في فضح هذه المآسي والتشهير بصانعيها وفضحهم بين الأمم حتى يكون الأدب والفن والقصة والرواية والقصيدة كلها معاول لهدم هذا المعبد الوثني على جرذانه وتخليص هذه الأمة من أذاهم لعنهم الله أنى يؤفكون.

[الأزهري]

#1187348 [مسطح]
0.00/5 (0 صوت)

01-13-2015 03:40 PM
غايتو كلام جين باتسي في أول المقال فهمتو ، لكن باقي المقال الا أشرب لي نسكافي بالحليب والجنزبيل والنعناع حتو يدخل رأسي المسخن دا.

[مسطح]

لمياء شمت
لمياء شمت

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة