المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
د.الطيب زين العابدين
التعاطي الغربي مع انتفاضة العالم العربي
التعاطي الغربي مع انتفاضة العالم العربي
02-27-2011 12:10 PM

الرأي23

التعاطي الغربي مع انتفاضة العالم العربي

أ.د.الطيب زين العابدين

ظل المستشرقون في الغرب -خاصة اليهود- يروجون منذ عقود من الزمان لفكرة «الاستبداد الشرقي»، وأن أهل الشرق -خاصة العالم الإسلامي- لا يعرفون الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وكرامة المرأة فقد اعتادوا على الاستبداد قروناً طويلة، وهم يكرهون نمط الحياة الغربية التي تلتزم بهذه القيم، ولذا ينبغي للغرب أن لا يأبه أو يطالب بتطبيق هذه القيم في العالم العربي والإسلامي فذلك أشبه بمن يزرع في أرض حجرية. وذهب كل من صمويل هنتجتون وبرنارد لويس (كلاهما يهوديان صهيونيان) إلى القول بأن الحروب الدولية القادمة ستكون بين الغرب والعالم الإسلامي المتحالف مع الصين (قيل هذا الكلام في أوائل التسعينيات قبل أن تصبح أمريكا معتمدة على الدين الصيني في مقابلة عجزها المالي الضخم)، وذلك بسبب المفارقة في قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وقبلت الحكومات الغربية، خاصة بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001م، هذه المقولة وأصبحت تغض الطرف عن ديكتاتورية وتسلط الحكومات العربية وانتهاكاتها الفظة لحقوق الإنسان طالما كانت هذه الحكومات مستسلمة وتابعة للسياسة الأمريكية في المنطقة. وقويت هذه الحجة أكثر بالمبررات التي تقول بها الحكومات العربية نفسها، إن فتح باب الحريات الديمقراطية وتقييد سلوك الأجهزة الأمنية سيؤدي إلى سيطرة الإسلاميين المتطرفين وانتشار جماعات الإرهاب الدولي وعندها ستخسر البلاد العربية ويخسر الغرب. ومع ذلك دأبت الحكومات الغربية من وقت لآخر أن تقدم على استحياء بعض النصائح للرؤساء والملوك العرب تطلب منهم منح الشعوب قدراً أكبر من الحرية السياسية والإعلامية، وأن يكون هناك قدر من التداول السلمي للسلطة عن طريق تفويض شعبي ولو شكلي، وأن تحترم بعض حقوق الإنسان الأساسية مثل حرية التعبير والتنظيم وتقديم المتهم لمحاكمة مدنية عادلة، وإلغاء حالة الطوارئ التي استمرت لسنوات طويلة في بعض البلاد. وهي تفعل ذلك وتعلم أنه لن يستمع إليها ولكن من باب الوفاء للقيم التي تؤمن بها، ومعذرة لجمعيات حقوق الإنسان وجماعات الضغط التي تنتقد الصمت الغربي تجاه الانتهاكات والجرائم التي ترتكب ضد الشعوب في العالم العربي، ومن أجل ترضية المجموعات اليهودية الصهيونية التي تريد أن تظهر الفارق الكبير بين ديمقراطية إسرائيل الشبيهة بالديمقراطيات الغربية وبين الاستبداد العربي الذي يشبه حكم القرون الوسطى التي عرفها الغرب قبل عهد النهضة والتنوير، ويعني ذلك بالضرورة التفرقة في المعاملة بين واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط وبين غابات الوحوش العربية.
جاءت انتفاضات الشباب في شهري يناير وفبراير بكل من تونس ومصر واليمن والبحرين وليبيا والجزائر والأردن عنيفة ومفاجئة وصادمة للدول الغربية، مما أدى إلى تلكؤها واضطرابها في التعامل مع الأحداث. ولعل مصدر الاضطراب أن مطالب الشباب المنتفض تتفق مع القيم الغربية في الدعوة للحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان وحكم القانون، ولكنها قد تتعارض مع المصالح الغربية في التبعية لسياساتها فليس من المتوقع أن يقبل الرأي العام الحر في العالم العربي بالظلم الواقع على الشعب الفلسطيني أو باحتلال الأراضي العربية في سوريا ولبنان والأردن أو بتصعيد العداء مع إيران أو بإتباع سياسات اقتصادية ونفطية وتسليحية يكون هدفها خدمة المصالح الغربية.
وظهر اضطراب السياسات الغربية جلياً في تعاطي الولايات المتحدة الأمريكية تجاه انتفاضة الشباب المصري لأن مصر بالنسبة لها هي أهم حليف بعد إسرائيل في المنطقة، وهي أقوى دولة عربية عسكرياً وتأثيراً ثقافياً، ثم هي حليفة لإسرائيل تلتزم معها بمعاهدة سلام دائم وتتعاون معها في محاربة التطرف والإرهاب، وهي دولة علمانية معتدلة في إسلامها تصلح مثلاً لكل دول العالم الإسلامي. التزمت الإدارة الأمريكية الصمت في الأيام القليلة الأولى من حركة الشباب وهي الأيام التي طلبت فيها إسرائيل صراحة من أمريكا دعم الرئيس حسني مبارك، ثم دعت للإصلاح والتغيير بصورة معلنة وبواسطة مبعوث خاص التقى بمبارك حتى يضمن انتقالاً سلساً لا يقلب الموازين رأساً على عقب، وجاء طلب تسليم السلطة فيما بعد للشخصية التي تطمئن إليها أمريكا وهي اللواء عمر سليمان والحوار مع قوى المعارضة بما فيهم الإسلاميون. وتلجلج الموقف الأمريكي بعد ذلك عندما أصر مبارك في خطابه الثاني على عدم التنحي وبقائه في مصر حياً وميتاً. وفي الحقيقة أن الرئيس مبارك أضاع فرصة ثمينة بعدم مخاطبة الشباب والاستجابة لبعض مطالبهم المتواضعة منذ البداية، لقد كان شعار الشباب في الأيام الأولى هو: حرية، تغيير، عدالة اجتماعية. تغير الشعار تماماً بعد اقتحام البلطجية ورجال الأمن ميدان التحرير ليلاً بالعربات والخيول والجمال يضربون الشباب يميناً وشمالاً، أصبح الشعار بعدها إسقاط النظام ورحيل مبارك. ولم ينفع عندها تفويض بعض صلاحيات الرئيس للواء عمر سليمان والوعد بتعديل بعض مواد الدستور التي تقيد الترشح لرئاسة الجمهورية والتي تفتح الباب لتجديد غير محدد.
ظهرت في أمريكا بعض الكتابات والتحليلات المتشنجة حول مآلات الأوضاع في مصر. قال البعض إن ثورة الشارع المصري مثل ثورة إيران وستقود إلى خلافة إسلامية تطمح في سيطرة عالمية، وقال آخر إن الإسلاميين سيحاولون السيطرة على السلطة في مصر بنفس الطريقة البلشفية التي قام بها الشيوعيون في روسيا، وكتب آخر أن حلم الديمقراطية في مصر سيؤدي بنا إلى كابوس مفزع. ولكن بعض المحللين الموضوعيين مثل فريد زكريا، كبير المحررين في النيوزويك، قال: إن مصر تختلف عن إيران من عدة وجوه، وأن مخاوف الأمريكان صرفتهم عن المشكلة الأصلية وهى الدكتاتورية العسكرية. فالجيش هو القوة الحقيقية في مصر، يلتهم معظم الميزانية ويحوز على أراض واسعة في القاهرة ويملك مئات الشركات ويتدخل في كل الشؤون، وأن نصف الوزراء من الجيش و 80% من حكام المحافظات ضباط فى الجيش، وذلك في مناخ حالة الطوارئ التي طالت منذ ثلاثين عاماً والمحاكم العسكرية. لذلك ينبغي أن يكون الانتقال ليس فقط من مبارك ولكن من كل النظام، بما يتطلبه ذلك من دستور جديد وضوابط قانونية حتى لا ينتهي الأمر إلى ديمقراطية شكلية غير ليبرالية يدير أمرها الجنرالات من داخل الغرف المغلقة. ولنتذكر أننا نتحدث عن مجتمع له تقاليد راسخة وثقافة عريقة متحضرة وطبقة وسطى فاعلة، وله دولة ذات تاريخ طويل في الإدارة والسيطرة مما لا يخشى منه حدوث انفلات أو فوضى. وحذر زكريا من أن الذي قاد إلى التطرف الإسلامي وإلى كراهية أمريكا في المنطقة هو دعم واشنطن لحكام مستبدين قساة يضطهدون شعوبهم، وإذا شعر الناس أن أمريكا تريد بقاء الدكتاتورية العسكرية في صورة أو أخرى سيؤدي ذلك إلى خيبة أمل كبيرة وإحباط، وستكون النتيجة معارضة أكثر قسوة وعنفاً وتمسكاً بالدين وكراهية لأمريكا.
وكتب باري ماستون الناطق باسم وزارة الخارجية البريطانية على نفس خط فريد زكريا يقول: إن الشباب في مصر وليبيا برهنوا على خطأ التحليلات الغربية، فقد كانت أهدافهم واضحة وتصرفوا بشجاعة يصعب استيعابها في أوربا في مواجهة نيران الأسلحة الرشاشة والبلطجية والقنابل العشوائية. ومما يلفت النظر أن المتظاهرين في ميدان التحرير ودوار اللؤلؤة وفي تونس وبنغازي لم يهتفوا «الموت لأمريكا» ولم يحرقوا الأعلام البريطانية أو الأمريكية، بل ولم يطالبوا بتأسيس دولة إسلامية. إنهم طالبوا بصورة سلمية حضارية أن ينالوا حرياتهم ويتمتعوا بمواطنتهم وصيانة حقوقهم الإنسانية وإجراء إصلاحات في بلادهم، وسندعم نحن في بريطانيا بكل ما أوتينا تلك التحركات الحاسمة تجاه الإصلاح والحريات. نرجو أن ينجح هذا الفهم المتقدم في توجيه سياسات الدول الغربية حتى تكون أكثر قرباً من الشعوب العربية والإسلامية بدلاً من أن تكون سيفاً مصلطاً عليها من قبل الدكتاتوريات العسكرية والملكية في المنطقة. لقد كسرت الشعوب حاجز الخوف إلى غير رجعة خاصة في بلد مجنون ليبيا الذي ارتكب كل موبقات الدنيا وأضر بشعبه أيما ضرر، ولكن آن لليل الطويل أن ينجلي وآن للقيد أن ينكسر.

الصحافة


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1944

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#103783 [ahmed]
0.00/5 (0 صوت)

02-28-2011 05:46 PM
سبحان الله

اذا انت كاتب ما تكتب عديل عن تدمير بلدنا الضاعت خلاص مننا وانتو السبب
اكتب وكفرو عن زنوبكم
لانو والله العظيم ربنا حيسالكم عنها بالتفصيل الدقيق
والا انت ما عارف انو فى سؤال


#103270 [سوداني 100%]
0.00/5 (0 صوت)

02-27-2011 07:12 PM
تحياتي لك د/الطيب زين العابدين الا تتفق معي أن الاضطرابات السياسية ظهرت جلية في مواقف بعض الدول الأوروبية تجاه الثوار الليبيون ضد سفاح طرابلس، مثل ايطاليا، فرنسا والمانيا. هذه الدول تنظر الى مصالحها الإستراتيجية مع نظام السفاح الليبي ولها اتفاقيات من أهمها التزود من النفط الليبي. إن هذه الدول عندما تبدأ ثورة الشعوب تتمهل في اطلاق التصريحات رويداً رويداً حتى إذا كان النصر يرجح كفة الثوار بدأوا في اطلاق التصريحات الأكثر حدة ضد النظام القائم واعتبروه ورقة محروقة، واخذوا في التماهي مع مطالب الثوار. أرجو منك يا دكتور أن تكتب لنا عن التغيير الذي ينتظم شعوب المنطقة العربية، وأثره على التغيير في باقي الأمة العربية والإسلامية، ومنها السودان، وهل هذا يعتبر بداية للصحوة الإسلامية التي نواتها الشعوب العربية وتغيير واقع حال العالم الى سلام وعدلاً بعد أن امتلأ ظلماً وجورا، هذا ما ستكشفه مقبل الأيام وغداً لناظره قريب


#103204 [shahhumaida]
0.00/5 (0 صوت)

02-27-2011 04:50 PM
يا بروفسر أرجوك أرجوك أرجوك قل شيئا عن إغتصاب النقية صفية.فهى وجعتنا الأزلية.


#103144 [monem musa]
0.00/5 (0 صوت)

02-27-2011 03:16 PM
أنت وأمثالك يا دكتورالطيب زين العابدين من كان السبب في تسلط هؤلاء الحكام علي الشعوب العربية.وأضرب مثال ببلدي السودان ألست انت ومن معك من الاسلاميين من قاد الانقلاب علي حكومة منتخبة من قبل الشعب أدت الي تشريد الألاف من أبناء الشعب في المنافي وملايين القتلي في حربكم العنصرية القذرة ضد أبناء الشعب في الجنوب بمسمي الحرب الجهادية أدت الي الانفصال وحرب دارفور التي قتل فيها الشيوخ والنساء والاطفال وتم تشريد الالاف في مخيمات اللاجئين.
وأنت تعيش وأسرتك في بريطانيا تنعم بالديمقراطية والعيشة الهنية!!!


#103050 [فاروق بشير]
0.00/5 (0 صوت)

02-27-2011 01:33 PM
هل من تحليل يرجح او ينفي احتمال تغيير فى اوروبا نفسها:
-بسبب التغيير فى الدول العربية والشرق الاوسط..
-الازمة المالية.
-الازمات البئية وثقب الاوزون.


الطيب زين العابدين
الطيب زين العابدين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة